
الأدب البوليسي بين حضوره العالمي والعربي
رواية «صاحب الظل القصير» لمحمد عامر المارديني أنموذجًا
يعتبر الكثير من نقاد الأدب والرواية أنَّ الكاتب والأديب إدغار آلان بو، هو مؤسس القصة البوليسية في العالم بقصته (جرائم شارع مورغو) سنة 1841، ثم قصته «لغز ماري روجيه»، ومن ثم ظهر بعده في بريطانيا عام 1852 الكاتب تشارليز ديكنز بروايته (البيت الكئيب)، وظهر حينها مصلح أدب الجريمة أو الأدب الجنائي، والذي يمكن تعريفه بأنه ذلك النوع من الأدب القائم على جريمة أو حادثة، يقوم أحد ما من الشرطة أو التحقيق أو الاستخبارات بكشف ملابسات القصة عبر سلسلة ألغاز وتشويق وأحداث تجعل القارئ في شوق لمعرفة الجاني، وربما يتخلل ذلك سلسلة أحداث وعلاقات وتداخلات تكمل الغموض والتشويق وصولًا إلى الحل، وربنا تكون الرواية البوليسية هي الأخرى مسرحًا للأخطاء القضائية والتحقيقات الخاطئة، ومن أعلام هذا الأدب ، ثم قصة (لغز ماري روجيه). وبرز في المملكة المتحدة تشارلز ديكنز في عام 1852 بروايته (البيت الكئيب)، وبدأ يظهر ما يسمى بأدب الجريمة، ويُعتبر السير آرثر كونان دويل، وويلكي كولينز، أجاثا كريستي، ومارجرين ألينغهام وجاك فولتير، وجورج سيمنون وغيرهم، ومن هنا يعتبر البعض أيضًا الرواية البوليسية وليدة حداثة القرن التاسع عشر في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
غذى تطور فنون الأدب وأحداث بداية وأواسط القرن العشرين انتشار كتابة الروايات البوليسية في العالم كله، وفي ذلك الوقت
ارتبطت تلك الكتابات بظاهرة رجال التحري الخاصين اللذين يعملون بمعزل أو بصورة مستقلة عن الجهات العامة من الشرطة أو التحقيق أو الأمن الجنائي، وفي بعضها كان يجري تعاون سري، غالبية القصص البوليسية ذات نمط واحد، سواء كانت الحكاية رواية أو قصة طويلة، أو رواية قصيرة أو قصة قصيرة ، وظهرت مع الوقت أنماط جديدة في كتابة الأدب البوليسي وهي روايات الجاسوسية التي غذتها أحداث القرن العشرين، مثل الحربين العالميتين والحرب الباردة، واكتسب بعض تلك الشخصيات شهرة عالمية كبيرة، وكان من بين أشهر كتاب الأدب البوليسي البريطانيان آرثر كونان دويل، مبتكر رجل التحري الشهير شرلوك هولمز، وأغاثا كريستي، أحد أشهر كتاب الرواية البوليسية في العالم، وصاحبة شخصية رجل التحري هيركيول بوارو، وشخصية العانس العجوز التي تحل أعقد القضايا الغامضة حولها وهي الآنسة ماريل، ونضيف إليهم الأمريكي ستيف مارتيني، والفرنسي جورج سيمنون أوم مبتكر شخصية المحقق ميغريه، وقد انتقلت تلك الشخصيات إلى السينما والتلفزيون والسلاسل المصورة لليافعين والشباب، وهنا لا بد من ذكر الكاتب البوليسي الياباني غوشو مبتكر شخصية التحري الصغير (المحقق كونان أوباما).
لم تدخل الرواية البوليسية عالم الرواية العربية إلا مؤخرًا فالروايات النفسية والواقعية والاجتماعية والتاريخية والسياسية هي الغالبة ولدى البحث عن أسماء روايات بوليسية عربية يمكن العثور على أسماء قليلة منها (رواية عقار 24 ، علاوة على رواية 2 ضباط، بالإضافة إلى رواية موعد مع الموت والجزار وأنت لي، وحبيبي داعشي، وزوجتي من الجن، و الحوت الأعمى وغيرها) وغالبيتها ينحو الطريقة والأسلوب الغربي في صياغتها مع بعض الخصوصية المكانية، ويكمن مرد ذلك ربما إلى أنه في معظم البلدان العربية لا تسمح الشرطة وأجهزة الأمن الجنائي والتحقيق بنشر الجرائم والقضايا ذات الطبيعة الجنائية واختفاء وجود المحقق الخاص، وتلعب سياسة التعتيم والرقابة دورًا في ذلك، وهنا علينا التمييز بين القصة البوليسية النموذجية (جريمة/ مجرم أو عصابة/ ألغاز/ تحقيق…) وبين القصة ذات الإيقاع البوليسي (اللص والكلاب لـ نجيب محفوظ) والتي قد تشترك مع القصة البوليسية في عناصر عديدة (جريمة / تحقيق/مطاردة…) دون أن تكون قصة بوليسية، بالمعنى الأجناسي، كما حددها منظرو هذا الجنس الأدبي وكذلك بينها وبين قصص الجاسوسية كما قصص المصري صالح مرسي.
وفي هذا السياق سنحاول الاقتراب من احدى الروايات الصادرة أخيرًا في دمشق بعنوان (صاحب الظل القصير) للكاتب الدكتور
محمد عامر المارديني، والذي عرف عنه اهتمامه بالأدب القصصي الساخر من خلال إصداره عددًا من المجموعات القصصية التي تنتمي إلى الأدب الساخر(حموضة معدة، مقصات ناعمة، أسلاك شائقة، قصص شبه منحرفة ورواية شهاوى)، لكنه هنا في روايته (صاحب الظل القصير) والموجهة للفتيان والشباب «العنوان مربك ومحير ويحيل بالضرورة إلى رواية شهيرة هي صاحب الظل الطويل» ينحو نحو الأدب البوليسي، محاولًا كعادته استلهام أو الاستفادة من أحداث عاشها أو عرفها خلال حياته وطفولته وعمله في مناصب وأماكن مختلفة فيوظفها في أعماله، وهنا سنكون مع قصة ذات طابع بوليسي جنائي محكمة وبسيطة، من خلال حكاية شاب يأتيه هاتف من مجهول يطلب إليه الحضور إلى المقبرة وإلى قبر أبيه، وحين ذهابه يُفاجئ بالأذى الذي تعرض له القبر وهنا يسمح صوتًا كأنه صوت أبيه يناديه ويطلب منه طلبًا غريبًا، يربك الشاب ويوقعه في حيرة وخوف، فالصوت يخبر الشاب بضرورة الذهاب إلى شقة سكنية ويعطيه العنوان والمفتاح والمواصفات ومكان الخزنة في البيت، وهنا لا داعي للخوض في التفاصيل والتي تُشكل عماد القصة البوليسية فهي التي ستقودنا إلى الحدث أو الأحداث، فالشخصيات هنا في هذه الرواية ذات بعد واحد لا يذهب عميقًا في تحليلها بل يتركها من خلال لغتها وسلوكها أن تقول نفسها، فالجريمة لها أسباب كثيرة، والنفس البشرية الذاهبة إلى ارتكاب فعل ما تتميز بخصائص معينة، البيئة هنا فقيرة والعائلة مفككة، وحيثيات السرقة التي يسردها المؤلف بتشويق وتصاعد وكلاسيكية سردية لا تغامر باللعب في الزمن، وتحاول الذهاب نحو عالمي التخييل ولغة التشويق، ولا تخلو الرواية من مواقف ساخرة «سقوط فردة الصندل أثناء هروب السارق، عودة الكهرباء وفرحة سكان البناية الذي أجفل السارق…..» والسؤال هنا من المجرم هو سؤال جنائي وليس روائي، لكن الروائي هنا هو في بناء الشخصيات ونمطية ويتميز بعضها بالضعف والتردد والخوف والانتهازية والأنانية والقدرة على التلاعب بالآخرين، التي بدت أفقية وبلغة شبه واحدة، والحبكة واللغة والسرد والتنوع والمكان، الذي يحاول الروائي عدم الإفصاح عنه تماما، لكننا سندركه من الحوارات وربما من فرحة الناس بعودة الكهرباء في تمام الساعة 12، وهو أمر لا يحدث إلى في بلداننا، وسواء كان ظل السرقة طويلًا أم قصيرًا فإن الروائي ينهي عمله بموعظة وقيمة، وهذا قد يكون ذو جانب تربوي تعليمي اجتماعي، وبالرغم من أن الرواية لا تخرج عن النمط الكلاسيكي للرواية البوليسية (البناء التصاعدي، الحبكة، الجريمة، المفاجآت، التلاعب بالقارئ، التحقيق، حل اللغز) إلا أنها تعيد الأهمية إلى هذا النوع من الأدب في بلداننا والذي يمكن من خلاله الغوص في قاع المجتمع، فالأدب البوليسي قد يكون هو الكاشف للوجه الآخر للمجتمع، للمشكلات النفسية والاقتصادية الكامنة في أعماقه، فالجريمة في حد ذاتها كاشفة لطبيعة العلاقات بين البشر .



