
الطيب صالح والجانب المظلم: حين تحولت العبقرية إلى عقبة
في عام 1966، لم يكتفِ الطيب صالح بكتابة رواية؛ بل زرع في جسد الثقافة العربية قنبلة موقوتة من الجمال والفلسفة، حملت اسم «موسم الهجرة إلى الشمال». عملٌ أحدث زلزالًا في المشهد الروائي العربي، ومزج ببراعة نادرة بين تشظي الحداثة الجيوسياسية، وعمق الموروث النيلي، وبين هشاشة الذات العربية والأفريقية في مواجهة صدمة الاستعمار والحداثة الغربية. لكن المفارقة السوداوية – بل المأساوية – أن هذا الإنجاز الأسطوري تحول مع مرور العقود إلى ما وصفه النقاد بـ«العقبة الكئود»: الحجر الأسود العالق في حلق مسار الرواية السودانية، والظل الثقيل الذي يخنق كل محاولة للإبداع خارج دائرة ضوئه. فكيف تحول نبوغ رجل واحد من منارة تنير الطريق إلى جدار يحجب الأفق؟ هذا هو «الجانب المظلم» الذي سنغوص فيه.
الرواية التي غيرت خريطة العالم
لا يمكن الحديث عن «العقبة» دون الإقرار بعظمة ما أنتجه الطيب صالح. لم يكتب الطيب كثيرًا، لكنه كتب ما يكفي لإغراق أي
بحر. في «موسم الهجرة إلى الشمال»، قدم معادلة سحرية نادرة: معضلة المثقف الشرقي بين الانبهار بالغرب والاغتراب عن جذوره، كل ذلك في قالب سردي كسر فيه الزمن الخطي، واستخدم تقنية تيار الوعي والرمزية المتقاطعة بمهارة استثنائية في الأدب العربي.
العالم كله احتفى بهذا النص. تُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة، واختير كواحدة من أفضل مئة رواية في التاريخ الإنساني حسب اتحاد الكتاب العرب والأكاديمية السويدية. بهذا العمل، رفع الطيب سقف التوقعات إلى عنان السماء. صار الناقد العربي يمسك بروايته كميزان ذهبي؛ فكل رواية سودانية تأتي بعده توزن به، وكأن الإبداع السوداني توقف عند ذلك التاريخ، وكأن الزمن الأدبي في السودان قد تجمد في تلك اللحظة الستينية المجيدة.
نشوء الظل الثقيل
لكن هذه العبقرية حملت بذور أزمتها. فلم يكن الطيب صالح مجرد كاتب، بل صار «نصًّا مؤسسًا»، وصارت روايته بمنزلة النص الغائب/الحاضر في كل كتابة سودانية لاحقة. هنا يكمن الجانب المظلم الأول: تحول الروائي الشاب في السودان إلى كاتب يكتب وفي ظهره شبح مصطفى سعيد يراقبه. كل محاولة للكتابة عن الصراع الحضاري تُعد تكرارًا مبتذلًا، وكل محاولة للهروب منه تُعد هروبًا من الجوهر الأدبي الحقيقي. بهذا، صار الأب المؤسس، بدلًا من أن يكون حافزًا، عائقًا وجوديًا.
لم يكن هذا التحول نتاجًا طبيعيًا فقط، بل تضافرت فيه عوامل نقدية وأكاديمية. النقد الغربي، الذي اكتشف الطيب صالح ورسخ صورته باعتباره الروائي السوداني الأبرز، ركّز الضوء عليه دون غيره. وفي الداخل العربي، تبنى النقاد الكبار هذه النظرة، مما جعل الرواية السودانية مرادفة في الأذهان لاسم الطيب صالح، وكأن الخرطوم لم تنجب غير هذا المبدع الفذ، وكأن الأجيال التي تلته كانت مجرد تابعين هامشيين في سجل أدبي مزدحم.
معركة الأبناء غير المتكافئة مع الأب المؤسس
الأدب، مثل الحياة، يحتاج إلى ما يسميه الناقد هارولد بلوم «القلق من التأثير»، أي صراع الأبناء مع الآباء المؤسسين. لكن الأب هنا لم يكن بشريًا عاديًا يمكن مجادلته، بل كان في مرتبة الصنم الأيقوني. الروائيون والكتّاب الذين جاءوا بعده، من أمثال إبراهيم إسحق، وعيسى حلو، وجدوا أنفسهم في مواجهة ثلاث مآزق مستعصية:
* التقليد الإبداعي: وهو انتحار روحي. فالكاتب الذي يحاول محاكاة لغة الطيب الشاعرية، وأسلوبه التأملي الهادئ، ومناخه القرشي/النيلي، سينتهي به المطاف إلى نسخة شاحبة مكررة، تفتقر إلى اللحظة التاريخية الفريدة التي أنجبت «موسم الهجرة إلى الشمال».
* التجاهل المتعمد: وهو ادعاء ساذج؛ لأن النص المؤسس يحضر في كل زاوية من زوايا الواقع الثقافي. كيف يمكن لروائي سوداني أن يكتب عن الهوية دون أن يقرأ في سياق الطيب؟ هذا الحضور القسري جعل الكثير من الكتاب يشتغلون في ظل خوف دائم من «ألا يكونوا الطيب صالح»، بدلًا من أن يكونوا أنفسهم.
* المواجهة والكتابة المضادة: وهي أخطرها وأجرأها. الأعمال التي تجرأت على مجادلة رؤية الطيب صالح، أو تناولت مناطق السودان المهمشة بعيدًا عن ثنائية الشمال الريفي والغرب الاستعماري، لم تحظَ بالاهتمام الكافي؛ لأن ميزان النقد كان دائمًا على قياس «موسم الهجرة إلى الشمال».
خيانة النقد الأكاديمي والمؤسساتي
إذا كان الطيب صالح قد واجه ظلمًا ثقافيًا غير مقصود، فإن النقد الأكاديمي العربي كان أحد شركاء هذا الظلم. ففي الجامعات العربية، تُدرس رواية الطيب صالح كنص معزول، وكأنها ظاهرة أدبية قائمة بذاتها، منفصلة عن امتداداتها الوطنية. ونادرًا ما تجد مقررًا جامعيًا يضم إلى جانبها تجارب سودانية تأسيسية أخرى مثل أعمال إبراهيم إسحق (في خماسيته عن دارفور) أو قصص علي المك، مما يعطي انطباعًا مغلوطًا لدى الطلاب بأن الإبداع السوداني بدأ وانتهى بهذا العمل.
بل أكثر من ذلك، فإن التقديس النقدي أغفل حقيقة أدبية بديهية: أن الرواية السودانية اللاحقة كانت أكثر غنى وتنوعًا مما يُعتقد. فهناك تيارات واقعية، وتيارات حداثية، وتيارات ما بعد استعمارية ظهرت لاحقًا، لكنها بقيت في الظل لأنها لم تتحدث بلغة الطيب الأسطورية، بل تحدثت بلغة الهوامش المتفحمة، وآلام الجنوب والغرب والنزاعات الداخلية.
يقول الكاتب والمترجم السوداني أمير تاج السر في إحدى مقالاته النقدية ما معناه: «نحن نظلم الطيب صالح حين نجعل منه نهاية، بينما هو كان بداية واعدة. الظل الذي ألقته روايته ليس ظله هو، بل ظل النقاد الذين أمسكوا بها كهراوة لضرب كل من يختلف عنها».
قسوة الزمن وتغير الواقع
في الوقت الذي كان فيه النقد الأكاديمي يكرّس هيمنة نموذج الطيب، كان السودان يغلي بالحروب الأهلية المدمرة، والانقلابات العسكرية، والانهيار الاقتصادي، والتفكك الجغرافي الذي بلغ ذروته بانفصال الجنوب عام 2011. هذا الواقع الجديد، العنيف والممزق، يحتاج إلى أشكال سردية جديدة: واقعية تتناول العبثية، أو توثيقية تجسد الفجيعة، أو تفكيكية تفضح خطاب السلطة.
وجد الروائي السوداني المعاصر نفسه ممزقًا بين أمانة تصوير هذا الكابوس المعاصر (نزوح الملايين، انهيار الدولة، الحروب العرقية)، وبين الخوف من ألا يرقى هذا التصوير، في عين الناقد العربي، إلى مستوى الرمزية العالية والبناء الشعرى لـ«موسم الهجرة إلى الشمال».
تجارب واعدة في كسر القيد
لكن الجانب المظلم ليس بلا ثقوب من النور. على الرغم من كل هذه العوائق، ظهرت أصوات روائية سودانية جرأت على كسر هذا القيد، ليس بالمواجهة المباشرة فحسب، بل بالانشغال بهموم جديدة كليًا.
نجد أعمالًا مثل «جنقو مسامير الأرض» و«مسيح دارفور» للروائي عبدالعزيز بركة ساكن، والتي تناولت الموروث الشعبي وهامش العمالة والحروب المنسية بجرأة وصدمة لغوية تفكك المسكوت عنه. ونجد روايات حمور زيادة (مثل «شوق الدرويش») التي عادت للتاريخ المهدوي لبناء ملحمة تاريخية بنظرة جديدة، وأعمال طارق الطيب، ومحسن خالد، ومنصور الصويم. هذه الأعمال أثبتت أن الخلاص من ظل الطيب لا يكون بالهروب منه ولا بنكران عظمته، بل بتجاوزه نحو آفاق جديدة تعكس تمزق الواقع المعاصر دون استئذان الناقد المترصّد.
نحو رؤية نقدية جديدة
إذا كنا نريد كسر هذه العقبة الكؤود حقًا، فعلينا أن نقوم بثورة نقدية هادئة على عدة جبهات:
- إعادة كتابة التاريخ الأدبي: عرض الطيب صالح كجزء من سلسلة متصلة، وليس كجزيرة منعزلة.
- الاعتراف بالتعدد الجغرافي والثقافي: دعم الأصوات النقدية والروائية التي تتناول شقوق المجتمع السوداني الحالية (العرقية، التهميش الجهوي، أزمة الهوية).
- تحديث المعايير النقدية: تقييم العمل الأدبي بناءً على إنجازه الذاتي وصدقه الداخلي، وليس على قياسه بمعيار نص سابق صُمم لزمن آخر. ليس من العدل أن توزن رواية تتحدث عن نكبة اللاجئين في دارفور بمعيار رواية تتحدث عن صدمة المثقف في لندن.
العقبة ليست في الطيب بل في عقولنا
العقبة الكؤود ليست في روايات الطيب صالح، بل في عقلية النقد التي جعلت منه ماضيًا لا يتجاوز. الطيب صالح كتب عمله في لحظة تاريخية محددة، واستطاع أن يصوغ إجابة أدبية مذهلة عن أسئلة تلك اللحظة. كان عملاقًا، ونحن مدينون له بالاحترام والقراءة الدائمة. أما اليوم، فأسئلتنا مختلفة تمامًا، وكذلك إجاباتنا.
التجاوز الحقيقي يبدأ عندما نمنح الطيب صالح مكانه الصحيح في متحف العظماء، نزين جدرانه بصورته، ثم نغلق الباب خلفنا بهدوء، لنبدأ مسارًا آخر متعدد الأصوات. السودان يستحق أكثر من ظل رجل واحد، مهما كان ذلك الرجل عملاقًا. وكما قال ميلان كونديرا: «الرواية تولد من روح الاستهزاء بالحقيقة المطلقة»؛ وربما آن الأوان أن ندرك أن الأدب السوداني رحب ومتعدد، وأكبر من أن يُختزل في حقيقة واحدة.
المراجع:
– جابر عصفور (2005). زمن الرواية العربية. القاهرة: دار الهلال.
– إدوارد سعيد (1993). الثقافة والإمبراطورية (Culture and Imperialism). لندن: شاتو ووايندوس.
– عبدالله عيسى (2015). الرواية السودانية: النشأة والتحول. الخرطوم: المركز الثقافي السوداني للنشر.
– أمير تاج السر (2012). ضغط الكتابة وسكرها (مقالات نقدية) دار العين، القاهرة
– عبد العزيز بركة ساكن (2009). «جنقو: مسامير الأرض» (رواية). أوراق للنشر، القاهرة.
– حمور زيادة (2014). «شوق الدرويش» (رواية). دار العين، القاهرة.
– هارولد بلوم (1973). «القلق من التأثير: نظرية في الشعر» (ترجمة: نديم الجندي). دمشق: وزارة الثقافة.



