العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

الروائي الذي تصدى للمافيا الإيطالية – ونجا ليحكي القصة

بينما كانت إيطاليا تغرق في عقود من «الأوميرتا» أو ميثاق الصمت تجاه جرائم المنظمات السرية، برز الروائي الإيطالي الصقلي ليوناردو شاشا كأول صوت أدبي وسياسي يجرؤ على تشريح بنية المافيا.

ومن خلال مراجعة نشرتها جريدة تايمز البريطانية لكتاب «رجل صقلي» (A Sicilian Man) للمؤلفة كارولين مورهيد، تم استعراض سيرة الرجل الذي كان يرى في الكتابة «طريقًا وحيدًا نحو الحقيقة».

في قلب سجن «أوتشاردوني» بمدينة باليرمو عام 1986، ووسط قفص حديدي يضم مئات المتهمين في أكبر محاكمة للمافيا في التاريخ، كان الروائي ليوناردو شاشا (1921 – 1989) يراقب المشهد من شرفة الصحافة.

وشهدت المحاكمة الضخمة مثول 471 رجلًا و4 نساء أمام المحكمة، بتهمة الخطف والابتزاز والاتجار بالمخدرات وآلاف جرائم القتل.

لم يكن شاشا غريبًا عن هذا العالم، بل كان الرجل الذي استبق الدولة والقضاء بعقود، حين كتب رواياته التي فضحت تغلغل الجريمة المنظمة في مفاصل المجتمع الإيطالي، حتى إن القاضي الشهير جيوفاني فالكوني، الذي قاد تلك المحاكمات، اعترف قائلًا: «لقد تعلمت فهم المافيا من كتب شاشا».

كان ليوناردو شاشا، البالغ من العمر آنذاك خمسة وستين عامًا، يجلس في مقصورة السفينة. يُعدّ شاشا أحد أعظم الكتّاب الأوروبيين في القرن العشرين، وقد نشر روايته الأولى عن المافيا، «يوم البومة»، عام 1961، وكان يُنظر إليه على نطاق واسع من قِبل الإيطاليين كشخصية أخلاقية حقيقية في بلدٍ تغلغل فيه الفساد في كل زاوية من زوايا الحياة العامة والخاصة. وُلد شاشا عام 1921، ونشأ في ظلّ صعود المافيا إلى مكانة بارزة في جميع أنحاء صقلية.

أدى الفقر والمعاناة المتفشية في أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى فقدان العديد من الصقليين اعترافهم بقيادة روما، مما خلق فراغًا استغلته العصابات المحلية. وبعد أن شهد شاشا حجم الفساد والعنف، توقع أن ينتشر شمالًا قريبًا، وقد صدقت توقعاته؛ فبحلول ثمانينيات القرن العشرين، كانت المافيا قد توغلت في جميع مستويات السياسة الإيطالية وتحولت إلى مؤسسة دولية ناجحة للغاية.

صقلية التي سكنت «العظام»

تستند مراجعة جريدة تايمز البريطانية إلى رؤية مورهيد التي ربطت بين طفولة شاشا في قرية «راكالموتو» الصقلية وبين وعيه المبكر بـ «الدولة الموازية».

ففي مناجم الكبريت حيث عمل والده، وفي شوارع القرية حيث كانت الانتخابات تُحسم بإيماءات العيون ونبرات التهديد المكتومة، أدرك شاشا أن المافيا ليست مجرد عصابة، بل هي نظام حكم بديل «أكثر واقعية للصقليين من حكومة روما العاجزة».

وتشير تايمز في عرضها للسيرة الذاتية إلى نقطة مفصلية أثارها الكتاب، وهي أن المافيا التي كادت تندثر في عهد موسوليني، استعادت قوتها بفضل «سوء فهم» قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، الذين منحوا زعماء العصابات مناصب سياسية وإدارية ظنا منهم أنهم مجرد معارضين للفاشية، مما شرعن وجودهم داخل هيكل الدولة الحديثة.

الأدب كأداة للمكاشفة السياسية

في عام 1961، أحدث شاشا صدمة ثقافية بروايته «يوم البومة»، وهي أول عمل أدبي يصور المافيا كمنظومة مرتبطة بالسلطة السياسية.

أطلق شاشا في هذا العمل تحذيره الشهير: «خط أشجار النخيل يتحرك شمالًا»، في إشارة إلى أن عدوى الفساد والجريمة ستتجاوز جزيرة صقلية لتصل إلى قلب العاصمة روما.

لم يتوقف طموح شاشا عند الرواية، بل اقتحم الحلبة السياسية عبر البرلمان، لكنه سرعان ما انسحب منها معبرًا عن اشمئزازه من «ثقافة التعتيم».

ولعل أبرز مساهماته الفكرية كانت في قضية اختطاف وقتل رئيس الوزراء ألدو مورو عام 1978، حيث شن هجومًا شرسًا على طريقة إدارة الحكومة للأزمة، معتبرًا أن الحقيقة تُذبح على مذبح المصالح السياسية الضيقة.

«الأوميرتا» الثقافية

يرسم المقال صورة لشاشا كأديب يمتلك أسلوبًا لغويًا يتسم بالدقة والوضوح في بلد يميل للثرثرة اللغوية.

ورغم أنه عاش حياة هادئة مع عائلته، فإنه كان «مواجهًا شرسًا» لا يتردد في انتقاد الكنيسة والدولة وحتى رفاقه في جبهة مكافحة المافيا إذا رأى انحرافًا في مسار العدالة، وهو ما تجلى في انتقاده لبعض القضاة في أواخر حياته، وهو موقف أثار جدلًا واسعًا.

وعندما سُئل شاشا ذات مرة عما إذا كان يخشى الاغتيال كغيره من رفاقه، أجاب بتهكم يحمل مرارة الواقع: «لا، المافيا لا تقرأ الكتب».

ويبقى ليوناردو شاشا، كما تصوره سيرة كارولين مورهيد، ظاهرة فريدة في الثقافة الأوروبية، فهو الكاتب الذي لم يكتف برصد الجريمة، بل فكك الشيفرات الثقافية والاجتماعية التي سمحت لها بالنمو، وتعتبر قصته تجسيدا لقصة الصراع الأزلي بين المثقف الحر ومنظومات الفساد التي تتغذى على الصمت.

 

المصدر:

thetimes

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الثقافي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى