العدد الحاليالعدد رقم 47ترجمات

هل يُمكن استبدال أَو الاستغناء عن الأطبَّاء؟

ترجمة: عصام محمد الجاسم

لو تساقطت الطائراتُ من كبد السماءِ بذات الوتيرةِ التي تزهقُ بها الأرواحُ جراء الأخطاء الطبية، لثارت ثائرةُ العالم، ولقامت الدنيا ولم تقعد بالتحقيقات والمطالبات بالإصلاحات الجذرية الشاملة، لكن عندما يرتكب الأطباء أخطاءً، نجد الخطاب يميلُ إلى اللينِ والمداهنة؛ فالحجةُ الحاضرةُ دومًا هي أنهم «بشرٌ يخطئون» ولعلّ هذا التبرير يحملُ في طياته جانبًا من الحق والإنصاف، بيدَ أن المصيبة تكمنُ في هذا المنطق ذاته. إن ما يثير الدهشة والاستنكار ليس مجرد هول هذه الفاجعة وحجمها الكارثي، بل في عدم مبالاتنا تجاهها.

إن المرضى هم الضحايا الظاهرون لما يعتري الطبَّ من عللٍ خفية، إلا أن الأطباء ليسوا سوى ضحاياه في المرتبة الثانية، فخلف تلك المعاطف البيضاء، يرزح حشدٌ من الأطباء تحت وطأة الإرهاق والإنهاك، ويغرقون في لجج الاكتئاب والاحتراق النفسي، ففي الولايات المتحدة، يقرُّ نحو نصفِ الأطباء بوقوعهم في فخّ الإنهاك المهني، وفي المملكة المتحدة، يعترفُ أربعون بالمئة منهم بأنهم يصارعون من أجل تقديم رعايةٍ لائقةٍ مرةً واحدةً على الأقل كل أسبوع، بينما يشعرُ الثلثُ بعجزٍ تامٍّ عن مجابهة أعباء العمل المتراكمة.

في غضون ذلك، يتزايد الطلب على الرعاية الصحية بشكل كبير وبوتيرةٍ غير مسبوقة؛ إذ تشهد المجتمعات نموًا ديموغرافيًا متسارعًا وتشيخُ في آنٍ واحد، لتمتد بها الأعمار وهي ترزح تحت وطأة أمراضٍ مزمنة تنهش في أجسادها، من سرطانٍ يستشري، وسكريٍّ يفتك، وخرفٍ يغيب العقول. بحلول عام 2030، سيقف العالم وجهًا لوجه أمام أزمةٍ خانقة، حيث يُتوقع عجزٌ هائل يصل إلى نحو عشرة ملايين كادرٍ صحي، وفي بقاعٍ من أوروبا، بات الملايين يفتقرون بالفعل إلى طبيبِ عام (طبيب رعاية أولية). إن هذا النقص الحاد، ممتزجًا بضغوط العمل الرهيبة، يهيئ «المناخ الأمثل» لوقوع الكوارث الطبية؛ فالإنهاك الوظيفي والإرهاق النفسي هما نذيرا شؤمٍ يقودان حتمًا إلى عثراتٍ قاتلة في التشخيص، وهفواتٍ في العلاج، وأخطاءٍ في وصف الدواء.

مع ذلك، هذهِ المعضلاتِ لن تتلاشى كليًا، حتى في أكثرِ النظمِ الصحيةِ تطورًا وتجهيزًا، وبوجودِ أمهرِ الأطباءِ وأشدِّهم إخلاصًا، ولئن كان الإجهادُ وفرطُ العملِ يُفاقمان الأخطاء، فإنَّ الحقيقةَ الأعمقَ تكمنُ في أنَّ الكائنَ البشريَّ كائنٌ مطبوعٌ على القصور وذو قدرات محدودة؛ فنحنُ ننسى، ونخطئُ التقدير، وتستبدُّ بنا الثقةُ الزائدة، كما أنَّ أهواءنا، وتحيزاتنا، وزوايا الرؤيةِ المعتمةِ لدينا هي التي تصيغُ إدراكنا وما نحكمُ به على الأشياء، وتشكل ما نراه وما نعتبره حقيقة. إنَّ الإرهاق المهنيَّ يضاعفُ من حدةِ هذهِ الوشائجِ الواهية، لكنَّهُ لا يبتكرُها من عدم؛ فهي متجذرةٌ في بنيةِ النفسِ البشريةِ التي طالما أسعفتنا في كنفِ المجموعاتِ البدائيةِ الصغيرة، لكنها اليوم تترنحُ أمامَ بيئةِ الطبِ الحديثِ المشحونةِ بالمخاطر، والمتخمةِ بالمعلومات، والمتعددةِ المهام. وبعبارةٍ أخرى: إنَّ الأطباءَ –حتى في أوجِ عطائهم– هم بَشَر، وهذا يعني أن الأخطاء حتمية.

لقد كان لعائلتي، وعلى الدوام، صلةٌ وثيقةٌ بمرارة الأخطاء الطبية، فما زلنا نقتاتُ على ذكراها الأليمة. لقد عاش أخي عقدين من الزمان يصارعُ مرض «الضمور العضلي التوتري أو حثل التأتر العضلي» قبل أن يهتديَ أحدٌ لوصفِ هذه الحالة بمسماها الصحيح، أما أختي التوأم، فقد أسعفها الحظُّ بتشخيصٍ مبكِّر على يد طبيب مناوب زائر؛ فقبل ذلك، كانت تُقدّمُ لها أكياس معدَّةً مسبقًا من التشخيصات الخاطئة والمتضاربة، فتارةً تُوصمُ بالاكتئاب، وتارةً بالإرهاقِ الذي ينهشُ الجميع، أو يُكتفى بالقول إنها مجرد ضريبةِ العمل المتواصل. لقد بدا الأمر وكأنّه قد عُرض عليها كلِّ شيءٍ إلا الحقيقة، بما في ذلك التصريح من الأطباء الذين لم يكونوا على دراية بالأمر. إن الحظَّ في ردهاتِ الطب قد يكون قاسيًا على نحوٍ غريب؛ فصديقي الراحل لم يُكتشف سرطانُ معدته إلا بعد سنوات من تجاهل إشارات عيب خلقي في القلب، وما أن أدرك الأطباءُ عِلّةَ قلبه، حتى وجدوا أن مخالبَ السرطان قد تمكنت منهُ واستبّدت بجسده.

بالنسبة لي، هذه ليست مجرد قصص مجردة عن فشل النظام، بل هي غائرةٌ في وجداني، منقوشةٌ في سجلاتِ تاريخ عائلتي، بيدَ أنها، في الوقت ذاته، ليست إلا فصلًا من واقعٍ أشدَّ هولًا وأعظمَ دهشة؛ إذ يتربع الخطأ الطبي اليوم على عرش الأسباب الرئيسة للموت في جميع أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة وحدها، تشير التقديرات إلى أنَّ زهاء ثمانمائة ألفِ إنسانٍ يلقون حتفهم، أو يُصابون بإعاقة دائمة كل عام نتيجة أخطاء التشخيص وحدها.

في هذه المرحلة، يرى الكثيرون بأن الحل يكمن في ثنايا التكنولوجيا؛ فإذا كان الخطأ قدرًا محتومًا على يدِ البشر، فربما تستطيع الآلات تصحيحها، أو حتى استبدالهم تمامًا، وهنا يبرز «الطبيب الآلي» (Dr Bot) في الأفق؛ فهو في أعين البعض مخلّصٌ منتظر، وفي أعين آخرين مخربٌ مستتر، وذلك بحسب الزاوية التي يُنظَر منها، بيد أن الرؤية الأكثر شيوعًا هي تلك التي تجعل من الإنسان والآلة صنوين يعملان جنبًا إلى جنب؛ حيث تهمس «الخوارزميات» في أذن الطبيب بالتوجيه، بينما تقبض اليد البشرية على زمام العلاج وتوجه مساره. إنه «دويتو» طبّي متناغم، لا مبارزةً ولا صدامًا.

إنْ كانَ الغرضُ الأسمى لِمهنةِ الطبِّ هو رعايةَ المريض، فلا يَكمُنُ السؤالُ الجوهريُّ في هويَّةِ مَن يحمل السَّمَّاعةَ الطبية، بل في “مَن” -أو “ما”- هو الأقدرُ على تحقيقِ غاياتِ السَّلامةِ، وبلوغِ مرافئِ الثِّقةِ، وإرساءِ دعائمِ العدلِ في الاستشفاءِ.

في هذا المقال لن تجد سَرْدًا للمنجزات الحديثة التي حققها الذكاء الاصطناعي، ولا إحصاءً لمرات مكاسبه أو إخفاقه في ميادين التشخيص الطبي، لكنني أرنو من خلاله إلى مناقشة فرضيةٍ تسبق ذلك كله؛ وهي تلك القناعة القائلة بأن الأطباء وحدهم هم الحُكام الذين يُوكل إليهم الفصل في ما إذا كانت التكنولوجيا قادرة على الحلول محلهم، أو حتى الزعم بأنهم يجب أن يكونوا حجر الزاوية في هذا النقاش برُمّته. إننا، واستلهامًا لروح التقصي الفلسفي، وأمام سؤالٍ بمثل هذه الجسامة حول «مَن» أو «ما» الذي ينبغي أن يتولى زمام الرعاية الصحية، نجد أنفسنا مطالبين بإرساء قيم التكافؤ والإنصاف، فبينما نُخضع أباطرة التكنولوجيا للمساءلة، وننظر بعين الريبة إلى دوافعهم ومناهجهم – وهو حقٌ مشروع – فإن المؤسسة الطبية ليست بمنأى عن تضارب المصالح كذلك. إن التسليم بأن الأطباء هم الأحق بتقدير مدى “ضرورتهم التي لا غنى عنها” ما هو إلا تمكينٌ للطرف الأكثر مصلحة في القضية ليكون هو الخصم والحكم في آنٍ واحد.

في هذا المقال كذلك، لا أوجّه مجهر النقد إلى الذكاء الاصطناعي في ذاته، بل أسلّط الضوء على تلك المسلّمة القائلة بأنّ الأطباء هم الأحقّ دون غيرهم بتقرير المصير: هل يحلّ «الطبيب الروبوت» محلّهم؟ وهل ينبغي له ذلك أصلًا؟ إنها فرضية تغلغلت في وعينا حتى باتت تتسلل خفيةً بين ثنايا نقاشاتنا حول مستقبل العيادات، متواريةً خلف ستار من الألفة والاعتياد.

إنّ الأطباءَ لغارقونَ في لُجّةِ هذا النظامِ الذي نُخضِعُه اليومَ للفحصِ والتمحيص؛ فمكانتُهم الاجتماعيّة، وعوائدهم الماديّة، بل وحتى كينونتُهم وتقديرُهم لذواتِهم، كلّها خيوطٌ متشابكةٌ في غمرةِ هذا الجدل، ومن الطبيعيّ، والحالُ هذه، أن يستمسكوا بالاعتقادِ بأنّهم لا غنى عنهم، وعنصرٌ فريدٌ لا يطالهُ التبديل، بَيْدَ أنّ شواهدَ التاريخِ تؤكّدُ أنّ الفئاتِ الأكثرَ استماتةً في الدفاعِ عن بقائها، هي الأقلُّ تجرّدًا في الحكمِ على مدى حاجةِ العصرِ إليها واستحالة استبدالها. فإذا رغبنا في صياغةِ فكرٍ نيّرٍ ومتحرّرٍ حول ما إذا كان بإمكان الطبيب الآلي (Dr Bot) أن يحلّ محلّ الطبيبِ البشريّ، أو حتى أن يكونَ له رفيقًا في دربِ التداوي، فلا بدّ لنا من الانعتاقِ من جدرانِ غرفِ الكشفِ الضيّقة، ومواجهةِ السؤالِ في فضاءٍ من الحيادِ المطلق، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف.

بمعنى آخر، تُعدّ وجهة نظر خارجية ضرورية، إذ يستطيع المراقبون المستقلون ملاحظة ما يغفل عنه المطلعون أو يرفضون الاعتراف به سرًا، وهذا يستوجبُ الاستمدادَ من مَعينِ رؤىً متباينة: من الفلسفةِ، وعلمِ الاجتماع، وعلمِ النفس، ومن المرضى أنفسهم؛ فهؤلاءِ جميعًا هم الأقدرُ على سبرِ أغوارِ التساؤلاتِ الكبرى: ما هي غايةُ الطبّ الحقيقية؟ وإلى أيّ مدىً يبلغُ أثرُه؟ ومن هو الأجدرُ – أو ما هو الأنسبُ – لتحقيقِ مآربه على الوجه الأكمل؟

وانطلاقًا من هذا المبدأ، أود أن أفتح حوارًا حول ماضي الطب ومستقبله.

تأمل معي في مآل التشخيص وسبيل العلاج، حيث يسلط التحليل النفسي ضوءًا كاشفًا على أداء الأطباء؛ فالطبيب مُطالبٌ بالتصرف بثقة تامة، إذ التردد في موازين الطب قد يودي بالأرواح، وهنا يتباين الدرب بين الطبيب والفيلسوف؛ فبينما يسترسل الأخير في تقليب أوجه الرأي قائلًا: «على هذا الوجه» و«ذاك الوجه»، يجد الطبيب نفسه مُكرهًا على قطع الشك باليقين في قراراتٍ خاطفةٍ مصيرية. لقد غدت الثقة – بل والمغالاة فيها- جزءًا أصيلًا من كِيان هذه المهنة، بيد أن المعضلة تكمن في أن الثقة لا تعدو أن تكون ضامنًا للدقة؛ فقد كشفت دراسةٌ أُجريت على مرضى العناية المركزة أن الأطباء الذين بلغوا ذروة «اليقين التام» في تشخيصهم، قد جانبوا الصواب بنسبة تصل إلى 40% من الحالات، والأدهى من ذلك، أنه كلما زاد الطبيبُ تمرسًا وألفةً بإصدار الأحكام السريرية، ركن إلى نفسه وعزف عن استشارة أقرانه أو استقصاء رأيٍ ثانٍ. وهكذا، قد تنحرف السلطة لتتحول إلى ثقةٍ مفرطة، لا تلبث أن تبدو في أعين الناس غطرسةً وكبرياء.

ويا للمفارقة! فإنّ المرضى أنفسَهم يتواطؤون في هذا الزيف؛ فنحن نفضل الأطباء الذين يُظهرون ثقةً، حتى وإن كانت في غير محلها، فلا يزالُ ذاك «المئزرُ الأبيض» يُنظر إليه بوصفه رمزًا للسلطة، ويسكُنُ نفوسَنا الاطمئنان من خلال القول والعمل، وإن جانبه الصواب. غير أنّ الدراساتِ المتواترةَ عبر العقود تؤكدُ حقيقةً مرّة: وهي أنّ اليقينَ الظاهريّ ليس إلا مؤشرًا خادعًا لا يُعول عليه في تحرّي الدقة، وكما وصف أحدُ أخصائيي علم الأمراض رفاقَ دربه قائلًا: إن الأطباءَ «يسيرون في غياهبِ ضبابٍ كثيفٍ من التفاؤلِ في غير محله».

لقد عشنا لقرونٍ طوال تحت وطأة أسطورة «الطبيب الذي لا يُعوض». فما كان الأطباء مجرد مداوين للعلل، بل غدوا أيقونات ثقافية شامخة؛ إنهم «سدنة الهيكل» كهنة لهذا الجسد الفاني، وحراس بوابات الموت، والمفسرون الأوائل للمعاناة. إننا لا نهرع إليهم التماسًا للعلاج فحسب، بل طلبًا للطمأنينة، وبحثًا عن طقوس المواساة، بل وحتى التماسًا لشعور من السمو الروحي، بيد أن هذه الهالة الأسطورية قد غشيت أبصارنا عن جادة الصواب؛ فحين نتشبث بمقولة إن “الإنسان وحده” هو القادر على منح الرعاية، فإننا في واقع الأمر نُقرّ بعجز مخيلتنا عن تصور نظامٍ مغاير. إن التاريخ زاخرٌ بمهنٍ وأدوارٍ كانت تُعد يومًا من “المقدسات” التي لا تُمس – من رجال الدين إلى الملاحين، وصولًا إلى موظفي المصارف – لكنها في نهاية المطاف قد أُزيحت عن عرشها، وتوارى بريقها خلف صورٍ وأشكالٍ مستحدثة لم يكن لنا بها عهد.

ثمة نوعٌ من «إنكار الأعراض»، لا يتبدّى في شكوى المرضى، بل في صلب المهنة ذاتها. لقد سخر فيلسوف التنوير الفرنسي «فولتير» من شخصية الدكتور «بانغلوس» – معلم كانديد الشاب – الذي دأب على الزعم بأن «كل شيءٍ يسير على ما يرام» في «أفضل العوالم الممكنة»، مهما بلغت قسوة الواقع ومرارته، والحق أن الطبّ قد تبنى، في كثير من الأحيان، موقفًا «بانغلوسيًا» مماثلًا؛ إذ جنح إلى التستر على إخفاقاته أو غض الطرف عنها، فعلى سبيل المثال، ظلّ “الخطأ التشخيصي” طيّ التجاهل والنسيان طوال تاريخ الطب تقريبًا، وحتى حينما أصدر معهد الطب تقريره التاريخي الفارق بعنوان «الخطأ البشري» عام (1999)، لم يَحْظَ الخطأ التشخيصي في فهرس تلك الوثيقة، التي تجاوزت مائتين وسبعين صفحة، إلا بإشارتين يتيمتين. وعندما شرع باحثون في سلامة المرضى، من أمثال «ديفيد نيومان-توكر» و«بيتر برونوفوست»، في تسليط الضوء على «التشخيص الخاطئ» بوصفه أزمةً مستفحلة في مطلع الألفية الثانية، لم يجدوا من المؤسسات إلا صدودًا، ومن أهل المهنة إلا ممانعةً وإنكارًا.

إنّ نـزوع الأطباء الفطريّ إلى التخفيف من وطأة أخطائهم أمرٌ يُفهم سياقه، لكنه يكشف الكثير؛ إذ تُشير الدراسات إلى أنّ الأطباء، حينما يواجَهون ببياناتٍ توثّق أخطاءهم، يميلون – أكثر من مرضاهم – إلى ازدراء تلك الأرقام ووصمها بالمبالغة، أو الإيحاء بأن الأخطاء تحدث لـ «أطباء آخرين» دونهم. فها هم الجرّاحون، على سبيل المثال، يقللون دومًا وبصورةٍ مطّردة من تقدير نسب المضاعفات الناتجة عن مباضعهم. إنّ ما يتبدّى للناظر كأنه «إنكارٌ» ليس في حقيقته إلا درعًا واقيةً للهوية المهنية، وربما ملاذًا يمنحهم القدرة على الاستمرار في ممارسة المهنة؛ بل ربما يكون التواضع المفرط مُعيقًا للاستمرار في الطب، وكثيرًا ما يسرّ لي الأطباء بأنّ أخطاءهم تطاردهم كالأطياف، غير أنّ الحقيقة الأكثر مرارة تكمن في أنّ فيضًا من تلك الأخطاء يمرّ دون أن يرصده أحد، ودون أن يجرؤ أحدٌ على الاعتراف به.

يُظهر التاريخ أن أسوار «الدفاعية» المنيعة لم تُشيد لحماية الموروث فحسب، بل امتدت لتبلغ آفاق الابتكار ذاتها؛ فلطالما أبدت الممارسة الطبية ممانعةً عتيدةً تجاه كل بصيرةٍ تخالف النظريات السائدة أو تزعزع أركان العادات المتبعة، فالتخدير، والمطهرات، واللقاحات – بل حتى «غسل الأيدي» على بساطته – قُوبلت في مهدها بالازدراء والصدود، ولعل في موقف الجراحين الأوائل تجسيدًا لهذا الجمود؛ إذ ناصبوا التخدير العداء خشية أن يمحو براعتهم المشهودة في السرعة الخاطفة، متجاهلين في سبيل ذلك أنين المرضى وتلويهم تحت وطأة العذاب، وكما سطر المؤرخ «ديفيد ووتون» في كتابه «الطب الفاسد: أطباء ألحقوا الضرر منذ عهد أبقراط» (2007): «إن إحجام الطب عن التفاعل مع التطورات العلمية الجديدة قد كبّل خُطى التقدم لردحٍ طويلٍ من الزمن». ولم ينقطع هذا النسق في عصرنا الحديث؛ إذ قاوم الأطباء استخدام الأدوات الرقمية الأساسية، كالبوابات الإلكترونية التي تتيح للمرضى حق الاطلاع على سجلاتهم. وحتى عام 2021، كانت غالبية مقدمي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة لا تزال ترتهن لأجهزة «الفاكس» في تداول المعلومات السريرية، بينما لا تزال هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة تنفق الملايين سنويًا على الورق وطوابع البريد، في تمسكٍ غريبٍ بأطلال الماضي وسط طوفان التحول الرقمي.

إنَّ النزعةَ المحافظة في الطبِّ ليستْ مَثلبةً على الدوام؛ فقد ذهب الفيلسوف «توماس كون» في كتابه «بنية الثورات العلمية» (1962) إلى أنَّ الأوساط العلميةَ ملزمةٌ بالذود عن مَسلماتها الفكرية ونماذجها المعرفية (Paradigms) حتى تصبح الأدلة على التغيير قاطعة، وإلا لاستباحتْ كلُّ موجةٍ عابرةٍ كيانَ هذا العلم وزعزعت أركانَه. بيدَ أنَّ حذرَ الممارسة الطبيةِ غالبًا ما يتجاوزُ حدودَ الحيطةِ المحمودة؛ فمقاومةُ التغيير لا تنبعُ فقط من ثِقلِ أعباء العمل – وهو تحدٍّ لا يُمكن إنكاره – بل أيضًا لأنه أسهل، ويحمي أحيانًا المصالح المهنية.

تأمل في مدى حرص القطاع الطبي على حماية احتكاره؛ ففي الولايات المتحدة، يمتلك الممرضون الممارسون ومساعدو الأطباء القدرةَ القانونية والمهنية على الاضطلاع بما يربو على تسعين بالمائة من مهام أطباء الرعاية الأولية، بل وتؤكد الدراساتُ أن المرضى الذين يحظون برعاية الممرضين الممارسين غالبًا ما يعربون عن مستويات من الرضا تضاهي، وأحيانًا تفوق، ما يجدونه لدى الأطباء. ومع ذلك، لا تفتأُ جماعات الأطباء تواصل الضغط للحد من استقلاليتهم؛ إذ تضخُّ «الجمعية الطبية الأمريكية» عشرات الملايين سنويًا في عصبِ اللوبيات السياسية لترسيخِ هيمنة الأطباء، في إنفاقٍ يتجاوزُ ما تضخُّه كبرى شركات «وادي السيليكون». وفي المملكة المتحدة، تواصلُ «الجمعية الطبية البريطانية» حملاتها المناهضة لتوسيع أدوار مساعدي الأطباء، متذرعةً بأنهم يشكلون تهديدًا لـ «الدور المتفرد» للطبيب، وبينما تستميتُ هذه الكياناتُ في حمايةِ مكتسباتها الفئوية، يرزحُ ملايين المرضى تحت وطأة الحرمان من الرعايةِ الطبية في وقتها المناسب.

تتجلى هذه العقلية النقابية أيضًا بوضوحٍ في المواقف تجاه مبدأ الشفافية؛ فبينما يتمتع المرضى اليوم بحقوقٍ قانونية تتيح لهم الاطلاع على سجلاتهم الطبية، نجد أن الهيئات المهنية قد أبدت ممانعةً شديدة حين حاولت السلطات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة جعل الوصول الإلكتروني لهذه السجلات أمرًا روتينيًا. آنذاك، تذرع الأطباء بمخاوف من إثارة القلق في نفوس المرضى، أو تشتيت أذهانهم، أو إهدار المواعيد الطبية في استفسارات لا طائل منها، وهي اعتراضاتٌ أثبت الواقع زيفها فلم يتحقق منها شيء يُذكر. بيد أن ما كشفه هذا الانفتاح المعلوماتي كان أمرًا أكثر حرجًا وإرباكًا: إذ أفاد واحدٌ من كل خمسة مرضى بوجود أخطاء في سجلاتهم، بل إن بعضها كان جسيمًا. وعليه، فلا عجب أن نرى تلك الاستماتة في مقاومة حق الوصول؛ إذ لم يكن الهدف حماية المريض، بل مواراة الأخطاء.

بالطبع، لا يعني هذا بأي حال من الأحوال وصم الأطباء بوشاح الشرير؛ فحتى تلك الاعتراضات المتعلقة بالسجلات الطبية تظل مسلكًا مفهومًا في سياق مخاوفهم من أن تغمرهم لُجّة الاستفسارات وتُثقل كواهلهم أعباء العمل الإضافية. يجدر بنا أن نستحضر دومًا أن السواد الأعظم من هؤلاء الأطباء هم نماذج فذّة في التفاني، ومنارات في النبوغ، وأمثلة حية في رقيّ الإنسانية، بيد أن الأمانة المهنية تقتضي، وبذات القدر من الحزم، أن نتصدى لتلك الممارسات التي يطغى عليها تغليب المصلحة الذاتية، صونًا لرفعة هذه المهنة وقدسيتها.

يستندُ جزءٌ من نفوذِ الطبِّ وسَطوتِه إلى ما أسماه الباحثان ريتشارد ودانيال سوسكيند «الصفقة الكبرى» للمِهنِ. ففي مؤلَّفهما «مستقبل المهن: كيف سيُغيّر التطور التقني عمل الخبراء البشر» (2022)، يذهبان إلى أنَّ المجتمع يمنح أصحاب الياقات البيضاء (المهن المكتبية) مكانةً مرموقةً، وحظوةً اجتماعيةً، وأجورًا سخيةً، مقابلَ عهدٍ مغلظٍ بالخبرةِ المهنيةِ والسلوكِ الأخلاقيِّ القويم. يتمتع الأطباءُ باحتكارٍ تامٍّ لعمليات التشخيص والعلاج، ويُحكمون قبضتَهم على مداخل المهنة عبر التراخيصِ والقوانينِ المنظِّمة. في المقابل، يمنحهم الجمهورُ ثقتَه المطلقة، مُطمئنًا إلى أنهم سيعملون لما فيه مصلحة المرضى. وحقيقة الأمر أنَّ الأطباء يتربعون على عرش المهن الأكثر ثقةً في العالم، متفوقين بمراحلَ على الصحفيين والسياسيين ورجال الدين، بيدَ أنَّ هذا الميثاق لا يُحترمُ دومًا؛ فبينما تبدو الامتيازاتُ جليّةً للعيان- من رواتبَ باهظةٍ، ووجاهةٍ ثقافيةٍ، ونفوذٍ سياسيٍّ- تتوارى الواجباتُ في الظلال. فحينما تقفُ الهيئاتُ المهنيةُ حائلًا دون وصولِ المرضى إلى سجلاتهم الطبية، أو تُعيقُ استقلالية الممرضين الممارسين، أو تُنكرُ حجم الأخطاء التشخيصية المتفاقمة، فإنها بذلك تنكفئُ على ذاتها لحمايةِ «نظام النقابة»، مُغلِّبةً مصلحة الفئةِ على مصلحةِ العُموم.

ليس في هذا كله إنكارٌ لكون الطبّ مهنةً جليلةً سامية المقاصد، أو أنَّ طائفةً عريضةً من الأطباء ينظرون إلى رسالتهم بوصفها نداءً وجدانيًّا مقدسًا، بيدَ أنَّ الرضا الوظيفي، أو بريق الوجاهة، أو الأجر المرتفع، ليست مبرراتٍ للحفاظ على مهنة الطب، فالأغلبية الساحقة من البشر لا يجدون في كدحهم اليوميّ لذةً تُذكر؛ ومن ثمَّ، فإنَّ ما يتمتع به الأطباء من امتيازات، أو التماس خاص قائم على المغزى بنبل هذه الرسالة، هي دعاوى تستوجب فحصًا مستقلًا ونقدًا بصيرًا. وعليه، مرة أخرى، نؤكد بوضوح أنَّ السؤال الجوهريّ الذي لا محيد عنه هو مدى قدرة المنظومة الراهنة على تقديم رعايةٍ صحيةٍ موثوقةٍ وميسّرة للجميع؛ فإذا ما أخفقت في ذلك، تعيّن علينا البحثُ عما إذا كانت النماذج المستحدثة، وفي طليعتها الذكاء الاصطناعي، أقدرَ على بلوغ تلك الغاية.

قبل أن نلجَ في غمارِ الأدلةِ والبراهينِ التي تُفاضلُ بين أداءِ «الطبيبِ الآلي» ونظيرِهِ البشري، أو نتلمّسَ جدوى ذاك المزيجِ الهجينِ بينهما؛ نجدُ مَعشرَ الأطباءِ يثورونَ امتعاضًا وتوجسًا. وبصفتي باحثًا في المعلوماتيةِ الصحية (وهو تخصّصٌ استقصائيٌّ يُعنى بتمحيصِ بياناتِ الرعايةِ الصحية)، فقد عكفتُ لسنواتٍ على استطلاعِ آراءِ الأطباء حيالَ هذه المسألةِ في بلدانٍ شتى، وأكادُ أجزمُ أنَّ مَنطقَ دفاعِهم يصبُّ دائمًا في مَعينٍ واحدٍ: وهو أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ يفتقرُ لِما يُسمّونه «الحكمةَ المهنية»، فالآلةُ في نظرهم عاجزةٌ عن إدراكِ مَاهيةِ الحدسِ، فهي لا تملك الإدراك، ولا ذاك الشعورَ الباطنيَّ أو القُدرةَ على استشفافِ أحوالِ المريضِ بوجدانِها. وقد تجلّتْ هذه الرؤيةُ في أبهى صُورِها حين اختزلَها طبيبُ التخدير «رونالد دوركين» بقولِه:

بما أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى البصيرة النافذة، والارتياب الفطري، والغريزة الحية، والحدس المتوقد، والمشاعر الجياشة؛ فإنه يظل عاجزًا عن بلوغ مَلَكة الحكم السديد بمفهومها الإنساني العميق. إن قصارى جهده هو التخبط في فضاء التجريدات—أي في عوالم الكلمات الجوفاء؛ فهو لا يملك نفاذًا إلى ما وراء الحروف، ولا قدرة له على سبر أغوار المقاصد، أو الغوص في لباب الحقائق وكنه الأمور.

لقد صاغ ريتشارد ساسكيند أطروحته ببيانٍ بليغ، مؤكدًا فيه أننا ما زلنا نُضفي على «الأحكام البشرية» هالةً من القداسة وكأنها غايةٌ في ذاتها، غافلين عن سؤالٍ هو في جوهره أبسط وأعمق: ما هي المعضلات التي استوجبت استدعاء الحكم البشري كحلٍ لها؟ فإذا كانت المشكلة هي «دقة التشخيص»، فمن غير الواضح ما إذا كان الحكم البشري – وتحديدًا حكم الأطباء – هو السبيل الأوحد والحل الحصري لهذه المعضلات، وهنا، يشدد ساسكيند على ضرورة الفصل الحاسم بين «الإجراءات» و «والنتائج». ففي محراب الطب، نجد المهنة غالبًا ما تحافظ على «طقوسها» وإجراءاتها – من طقوس الاستشارة، إلى سلطة التعامل مع المرضى، وفنون الممارسة الطبية – بدلًا من أن تحصر تركيزها في «النتائج» والمخرجات النهائية.

بيدَ أنَّ هذا الطرح ليس سوى تجسيدٍ جليٍّ لـ «الفكر الإجرائي» الكلاسيكي العقيم؛ فهو يستميتُ في صَوْن هالة الغموض التي تحيط بكيفية اتخاذ القرار، عوضًا عن طرح السؤال الجوهري الأوحد: ما هي الثمار التي يجنيها المريض من تلك القرارات؟ فالشخص الذي يصل إلى قسم الطوارئ مصابًا بألم حاد في الصدر لا يكترث إن كان التشخيص نابعًا من الحدس البشري أو نتاجَ خوارزميةٍ رقمية؛ بل كُلُّ ما يبتغيه هو دقةُ التشخيص، وسرعةُ التنفيذ، وأن يتبعهما العلاج المناسب. وكما صاغها “ساسكيند” ببراعة في كتابه الأحدث «كيف نفكر في الذكاء الاصطناعي: دليل الحائرين» (2025): «إنَّ طالبي العون من ذوي الخبرة لا يتوجهون عادةً إلى مستشاريهم المهنيين ليقولوا: «صباح الخير، جئناكم نلتمسُ رأيًا من فضلكم؛ فالرأي ليس غاية في حد ذاته». وكما يحثُّنا «ساسكيند»، فإنَّ جُلَّ ما ينشده الناس هو الطمأنينةُ وراحة البال، وليس بالضرورة معالجين نفسيين؛ إنهم يريدون الصحة والحصول على معلومات دقيقة، وليس بالضرورة مواعيد طبية.

بالطبع، تتسم الصورة بقدرٍ أكبر من التعقيد والارتباك؛ فقد تعلق الكثير منا بإجراءات اعتدنا عليها، حتى باتت «طقوس قاعات الانتظار»، و«هيبة المعطف الأبيض»، و«الإيقاع المطمئن للمشاورات الطبية» جزءًا من وجداننا، غير أنَّ جُلَّ هذا التعلق ليس إلا وليد العادة لا ثمرة الاختيار؛ فنحن نرتضي هذه الطقوس لمجرد أنها الإطار الوحيد الذي عهدناه. قد ينعم المرضى بدفء المألوف، لكن في نهاية المطاف – عندما يتعلق الأمر بتأخر التشخيص أو إغفاله – فإنهم لا يهتمون كثيرًا بما إذا كانت الحكمة تُقدم عبر طبيب لطيف أو عبر واجهة حاسوبية صماء، بقدر ما يعنيهم الحصول على تشخيصٍ دقيق، وعلاجٍ ناجع، ورعايةٍ تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية.

إن هذه التساؤلات، إذن، ليست مجرد خوضٍ في مبادئ تجريدية أو استغراقٍ في تجارب ذهنية بارعة؛ بل إنها تخترق نسيج الحياة الواقعية، وحياة عائلتي ليست بمنأى عنها، لتكشف لنا عن تصدعاتٍ في بنية الطب ذاته. فالأطباء يخطئون، لا لمجرد ضغط العمل أو إرهاق أو شحٍّ في الموارد، بل لكونهم بشرًا في المقام الأول؛ تحكمهم نوازع النفس، وتصيغهم رتابة العادات، وتحميهم مؤسساتٌ تستميت في الدفاع عن مصالحها الذاتية. ولن تمد لنا التكنولوجيا طوق النجاة إذا ما اكتفت بإعادة إنتاج عثرات الطب القديمة في قوالب رقمية؛ فكل ابتكار، وإن حلّ معضلة، يأتي محفوفًا بتعقيداته الخاصة، بيد أن هذا ليس مسوّغًا لإيقاف التقدم، أو لإرساء قواعد الحوار مسبقًا على نحوٍ منحاز. إن الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر أخلاقية وسياسية جسيمة؛ من تعميق فجوات التفاوت إلى أنماط مستحدثة من الضرر، ومن فقدان الوظائف إلى الكلفة البيئية، وهي مخاوف تستحق التمحيص والتدقيق. ولكن، ما لن يجدي نفعًا هو شيطنة هذه التكنولوجيا عبر رسم صورٍ مشوهة لها، أو الخضوع بلا نهاية لتلك المهنة التي بات بقاؤها نفسه على المحك، إذ لا يمكن أن يكون الأطباء هم الحكم والخصم في آن واحد، ولا يصحّ أن نكل إليهم وحدهم تقدير مدى صلاحية استبدالهم.

وهكذا، نأتي إلى المسألة الماثلة أمامنا: إمكانية وجود «الطبيب الآلي». إنّ المعيار الحقّ هنا ليس العاطفة الجياشة، بل القدرة على جعل الرعاية الطبية أكثر دقة، وأسرع استجابة، وأسمى إنسانية، وإنني لأدرك تمامًا ما يترتب على هذا السؤال؛ فماثلٌ أمامي عُمُرٌ ضاع في غياهب التشخيص الخاطئ، وعلاجاتٌ أُرجئت، وتجاهل الحالات حتى فوات الأوان. من الطبيعي أن يدافع الأطباء عن حياض «حدسهم» الذي اكتسبوه بكدٍّ ومشقّة عبر تدريبٍ مضنٍ، بيد أن هذا الدفاع يُصاغ في أبراجٍ عاجية، ومن أجواءٍ مترفعة تعلو كثيرًا عن الواقع المرير الذي يكابده المرضى الذين خذلهم الطب. لقد تجرّع إخوتي مرارة الشك في الذات لسنوات، بينما كانت التشخيصات الخاطئة تمرُّ مرور الكرام وكأنها روتينٌ معتاد. إنّ سقطات السهو، والتحيزات، والأخطاء ليست مجرد مفاهيم مجردة كما قد يروق للأطباء توهمها؛ بل هي أضرارٌ واقعية، تضرب بجذورها في أجساد الأحياء، وغالبًا ما تظلُّ -للأسف- طيَّ الكتمان والنسيان.

إن كان لـ «الطبيب الآلي» دورٌ مرتقب، فلن يكون في تقمص دور الكاهن المتخفي في رداءٍ أبيض، بل سيأتي كجزءٍ من مراجعةٍ شاملةٍ وجذابة لجوهر الطب وغاياته، ولمن ينبغي أن يُسخَّر هذا العلم. فالغاية الأسمى ليست الحفاظ على المهنةٍ بحد ذاتها، بل في إعادة صياغة الممارسة الطبية ورسم معالمها من جديد.

وعليه، فإنَّ المسألةَ الجوهريَّةَ التي تفرضُ نفسَها اليومَ لا تكمنُ في التساؤلِ عمَّا إذا كانَ الذكاءُ الاصطناعيُّ قادرًا على الحلولِ محلَّ الأطباءِ من عدمِه؛ فالبراهينُ المؤيدةُ أو المعارضةُ لذلكَ ستنجلي حقائقُها قريبًا، وهو أمرٌ لا ريبَ فيه. بيدَ أنَّ الأهمَّ من ذلكَ كلِّه هو مدى استعدادِنا للتحررِ من تلكَ الأساطيرِ التي تُبقي مهنةَ الطبِّ مغلولةً بقيودِ عجزِها الذاتيّ، من هنا فحسب، يمكنُنا أن نُطلِقَ العنانَ لمخيلتِنا، لنفحصَ بجديةٍ وإنصافٍ ما إذا كانت النُّظُمُ والعملياتُ المستحدثةُ قادرةً على رعايةِ المرضى وتلبيةِ احتياجاتِهم بفعاليةٍ تسمو فوقَ ما نعهَدُه في واقعِنا الراهن.

 

مصدر المقال:

https://aeon.co/essays/who-should-decide-the-role-of-ai-in-the-future-of-medicine

 

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

عصام محمد الجاسم

كاتب ومترجم سعودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى