العدد الحاليالعدد رقم 48كتب

جماليات القبح

الكتاب: «جماليات القبح»

المؤلف: هدى حسن

الناشر: المحروسة، القاهرة

تاريخ النشر: 2026

عدد الصفحات: 128 صفحة

لطالما ارتبطت الفلسفة والاستطيقا (علم الجمال) بالبحث عن التناغم، والكمال، والنقاء البصري، والروحي. إلا أن كتاب «جماليات القبح» للباحثة المصرية هدى حسن يأتي ليزيح الستار عن الجانب الآخر في تاريخ الفكر الإنساني، ألا وهو القبح. تنطلق الكاتبة من تساؤل غرس بذور الشك في داخلها: كيف يمكن لبعض الكلمات أو الوجوه التي يراها المجتمع قبيحة أن تحمل في طياتها جمالًا من نوع خاص؟ من هنا، تتجه المؤلفة إلى تفكيك هذا المفهوم الجدلي عبر رصد أطروحات خمسة فلاسفة.

تبدأ رحلة الكتاب الفلسفية بالعودة إلى القرن التاسع عشر مع الفيلسوف الألماني كارل روزنكرانتس، الذي يعد أول من أفرد مؤلفًا خاصًا لجماليات القبح عام 1853. توضح الكاتبة كيف تتبع روزنكرانتس -المتأثر بهيغل- القبح بوصفه مرحلة سلبية ضرورية لإبراز الجمال، مقسمًا إياه إلى أشكال محددة وغير محددة. ثم تنتقل إلى الفيلسوف الإنكليزي برنارد بوزانكيت وصياغته لمفهوم «الجمال العسير»، حيث يغدو القبح أحيانًا جمالًا معقدًا يتطلب قفزة في الوعي والقدرة على التذوق، كالفنون التعبيرية والدراما المأساوية التي تثير الألم لكنها تمنح متعة جمالية عميقة. أما ولتر ستيس، فيطرح مفهوم «المحايد الاستطيقي»، معتبرًا أن الفن لا يقتصر على الجميل، بل يشمل القبيح والمحايد، شريطة أن ينجح الفنان عبر حدسه الفني في التعبير عن الموضوع بصدق.

ينعطف الكتاب نحو الحداثة والمعاصرة عبر تفكيك فلسفة الفرنسي جان بودريار، حيث يتخذ القبح شكلًا مغايرًا تمامًا، إنه القبح الاصطناعي المتولد عن الثقافة الاستهلاكية والتطور التكنولوجي. تستعرض الكاتبة أطروحة بودريار حول «الواقع الفائق»، إذ تفقد الصورة علاقتها بالواقع الأصلي وتتحول إلى صورة ماسخة ومحاكاة ساخرة بلا أصل. في عصر السينما، والإعلام، وفُحش المرئي، أصبح القبحُ سرطانيًا ناتجًا عن وفرة النسخ وغياب المعنى، مما جعل الفن المعاصر – في نظر بودريار- يفقد سحره وقيمته ليدخل في دائر العدمية والابتذال البصري.

تختتم الكاتبة دراستها بالاستناد إلى الموسوعي الإيطالي أومبرتو إيكو، وتحديدًا كتابيه الشهيرين عن تاريخ الجمال وتاريخ القبح. يسير هذا القسم في خط زمني يبدأ من العصور الكلاسيكية والوسطى، حيث كان القبح يتجسد في استطيقا الوحوش وتمثيلات الشيطان لغايات أخلاقية ودينية، مرورًا بالنزعة «التكلفية» (Mannerism) ومفهوم «الجليل» عند كانط، وصولًا إلى الرومانسية والرواية القوطية التي احتفت بالمخيف والغامض. وينتهي التشريح الفكري مع العصر الصناعي، الذي تسمّيه الكاتبة «عصر انتصار القبح»، حيث تجلّى القُبح في التلوث الصناعي، وانتشار الفنون المبتذلة (الكيتش) التي تُصنّع ذوقًا جماهيريًا مشوهًا. توجه الباحثة هدى حسن في ختام كتابها دعوة إلى إعادة الاعتبار للقبح في الفن والوجدان، فالقبح محرك أساسي للإبداع، كما هو الحال عند الفنان النمساوي إيغون شيلي الذي تورده مثالًا، وبدونه تظل النظرة الجمالية قاصرة وسطحية، بل إن لوحة مرسومة بخطوط مشوّهة قد تحمل من الصدق والجمال الفني ما تفوق به صورة «طبيعية».

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى