العدد الحاليالعدد رقم 48كتب

إثنوجرافيا الفن في الاستشراق

الكتاب: «إثنوجرافيا الفن في الاستشراق – مصر في القرن التاسع عشر»

المؤلف: د. شيماء سمير عبد المنعم

الناشر: الحكمة للثقافة

تاريخ النشر: 2026

يتخذ الكتاب، الذي حاز في السابع والعشرين من الشهر الماضي جائزة الدولة التشجيعية – فرع الفلسفة وعلم الاجتماع، من المنهج الإثنوغرافي أداة مزدوجة، تعتمد قراءة الثقافة بوصفها نصًا يمكن تفكيكه. فهو يسعى أولًا إلى رصد مدى قدرة اللوحة التشكيلية على التوثيق الإثنوغرافي للعادات والحرف والملابس والطقوس، ثم يختبر درجة صدق هذا التمثيل الفني عبر مقارنته بالفوتوغرافيا والنصوص التاريخية المعاصرة.

وتؤكد الباحثة أن الصورة سلاح ذو حدين، فلها وجه إيجابي يوثق حيوية المعيش اليومي بدقة، ووجه آخر سلبي يظهر حين تقع الصورة في فخ التحيز، أو حين يُعاد تشكيل الواقع وفق تصورات أيديولوجية ومسبقة تصنعها مخيلة الفنان.

وفي هذا السياق، تقدم عبد المنعم نقدًا تحليليًا لظاهرة رسامي المقاعد الوثيرة الذين صوّروا الشرق من داخل محترفاتهم الأوروبية دون أن تطأ أقدامهم أرضه، مستعينين بأساليب المدرسة الكلاسيكية التي توهم المُشاهد الغربي بالتوثيق الطبيعي. وتتجلى هذه الرؤية التنميطية في أعمال فنانين مثل جان إنغر وجان ليون جيروم، حيث تحولت المشاهد المتخيلة للحريم إلى رمزية تخدم رغبة المتلقي الأوروبي، مؤكدة أن ما يُرسم ليس بالضرورة ما يُرى، بل ما تُراد رؤيته. كما تكشف الباحثة عن رفض الجمهور الغربي الحقيقة الواقعية التي قدمتها هنرييت براون حين صوّرت الحريم بوصفه فضاء عائليًا محشومًا، لمجرد أنها لم توافق الصورة الذهنية النمطية التي اعتادها الغرب.

وفي مقابل هذا الشرق المتخيل، ترصد الدراسة تيارًا موازيًا اعتمد المعايشة الميدانية والتجربة المباشرة التي تنادي بها الظاهراتية، حيث يتطلب التوثيق الصادق التجرد من الميول المسبقة والانغماس في روح المكان. ويبرز في هذا الاتجاه فنانون مثل ليوبولد مولر وفرانز كوسلر، اللذين انتقلا في أعمالهما من تصوير الشرق باعتباره فكرة متخيلة إلى نقله كمعايشة حية. فقد تحولت اللوحة لديهما إلى شهادة بصرية ورصد ميداني لملامح الحياة اليومية والوجوه والأزياء بعين محايدة تسعى لتسجيل الواقع المادي والإنساني كما هو.

وقد وقع اختيار الباحثة على مصر في القرن التاسع عشر لتكون المسرح الزمني والمكاني لتطبيق هذا المنهج التفكيكي، بالنظر إلى التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد آنذاك، والتي جعلت منها مركزًا لاهتمام الغرب وبوابة للشرق ومحطًا للحملات الاستعمارية والاكتشافات الأثرية، ففي هذا القرن تزايدت الرحلات الأوروبية إلى مصر مع الحملات الاستعمارية والاكتشافات الأثرية، فأصبحت مسرحًا للتفاعل بين الشرق والغرب، بين الخيال الغربي الباحث عن الأصالة والحقيقة الشرقية المعيشة. وتزامن ذلك مع صعود الاهتمام العلمي بالتوثيق والرسم والدراسة الإثنوغرافية، فبدأت مصر تُرسم وتُصوَّر وتُدرس من زوايا متعددة؛ سياسية وثقافية وجمالية؛ حتى غدت مرجعًا بصريًا وثقافيًا لتمثيل الشرق كله.

وتطرح الباحثة تساؤلًا محوريًا حول مدى قدرة مصر الفريدة على فرض واقعها المتنوع وأصالتها الحضارية على الفنان الغربي؛ إذ نجد أن كثيرًا من اللوحات التي تناولت مصر خلت من مظاهر الاستثارة الحسية ورضخت لطبيعة المجتمع المصري ونيله وأهله ومساجده، مجبرة الفنان على الاقتراب من الحقيقة الواقعية.

ويخلص الكتاب إلى أن اللوحات الاستشراقية الخاصة بمصر تحولت إلى أرشيف بصري شامل لا يقل أهمية عن الوثيقة النصية، كما يتجلى في مدونات إدوارد لين، ولوحات لودفيج دويتش وجيروم لأزياء الطبقات المختلفة. فقد سجل هؤلاء الفنانون دقائق الحياة اليومية من حرفيين مثل السقا، والمشعلجي، وبائع السجاد، وبائع اللبن، إضافة إلى المواكب الشعبية وطقوس الموالد والحج.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى