العدد الحاليالعدد رقم 48كتب

عشرة كتبٍ في دراسات الذاكرة

لم تحظَ ملَكةٌ إنسانيةٌ باهتمام الفكر، قديمِه وحديثِه، كما حظيت الذاكرة. فهي عند الأقدمين موضع العجب: شبّهها أفلاطون بلوحٍ من الشمع، وجعلها أرسطو أساسًا للخبرة والحكمة، وتغنّى بها الشعراء بوصفها خزانة العمر وحارسة الهوية. غير أنّها ظلّت قرونًا أسيرةَ التأمّل الباطني والاستعارة الأدبية، حتى أطلّ القرن العشرون فتحوّلت من موضوعٍ للحكمة إلى موضوعٍ للعلم، ومن مجازٍ غامضٍ إلى ظاهرةٍ قابلةٍ للقياس والتجريب.

كان مولد «علم الأعصاب المعرفي» هو المنعطف الحاسم، إذ التقى فيه علمُ النفس بعلم الأعصاب، فأمكن أن نسأل: أين تُخزَّن الذكرى في الدماغ؟ وما الأثر المادّي الذي يتركه التعلّم في الخلايا؟ وكيف تتحوّل خبرةٌ عابرةٌ إلى أثرٍ يدوم العمر؟ ولماذا ننسى، بل لماذا نتذكّر أحيانًا ما لم يقع؟

تقارب الكتب العشرة هذه الأسئلة من داخل هذا الأفق، وتشترك في بصائر بدّلت نظرتنا إلى الذاكرة: أنّها بناءٌ وإعادةُ بناءٍ لا تسجيلٌ أمين؛ وأنّها ليست جهازًا واحدًا، بل أجهزةٌ متعدّدةٌ متمايزة؛ وأنّ لها أساسًا مادّيًّا يُتتبَّع من سلوك الكائن إلى تشابكات خلاياه. ومن هذه البصائر تنبثق نتائج تمسّ حياتنا اليومية وقضايانا الكبرى، من موثوقية الشهادة أمام القضاء إلى معنى الهوية والإحساس بالاستمرار.

وقد وازنّا في ترتيبها بين النصوص المؤسِّسة والأعمال المعاصرة، وبين مستويات التفسير جميعًا: من الجزيء والخلية إلى أنظمة الدماغ إلى التجربة المعيشة؛ فبعضها يغوص في بيولوجيا العصبون، وبعضها يروي قصّة مريضٍ أعاد تعريف الحقل، وبعضها يمزج العلم بالأدب. والقارئ الذي يقطعها سيجد نفسه أمام صورةٍ جديدةٍ لذاكرته، أقلّ يقينًا وأشدّ عجبًا؛ فالذاكرة التي تخوننا هي نفسها التي تمنحنا إحساسنا بأنّنا نحن نحن. وفي فهم هذه المفارقة جوهر ما تقدّمه دراسات الذاكرة اليوم.

  1. بحثًا عن الذاكرة: نشأة علمٍ جديدٍ للعقل 2006 (In Search of Memory: The Emergence of a New Science of Mind) إريك ر. كاندل – الناشر: W. W. Norton

سيرةٌ علميةٌ وذاتيةٌ معًا، يمزج فيها إريك كاندل، الحائز جائزة نوبل في الطبّ عام 2000، حكايةَ حياته بمسيرته البحثية التي كشفت الأسس الجزيئية لتخزين الذاكرة في الخلايا العصبية. يفتتح كاندل صفحاته بذكرياته طفلًا يهوديًّا في فيينا عشية ضمّها إلى ألمانيا النازية عام 1938، فيجعل من تجربة النجاة والهجرة خلفيةً وجدانيةً لسؤاله المركزي: كيف يحتفظ الدماغ بالماضي؟ ومنه ينطلق في رحلةٍ فكريةٍ تبدأ من التحليل النفسي وتنتهي عند بيولوجيا الخلية العصبية.

اختار كاندل كائنًا بحريًّا بسيطًا هو حلزون «أبليزيا»، ذا الخلايا العصبية الكبيرة القليلة، ليتقصّى فيه آليات التعلّم بوضوحٍ يتعذّر في الدماغ البشري. ومن تجارب التعوّد والتحسّس والاشتراط، برهن على أنّ الذاكرة قصيرة المدى تنشأ من تعديلاتٍ مؤقتةٍ في قوة الوصلات التشابكية، بينما تتطلّب الذاكرة طويلة المدى تخليقًا للبروتين وتغيّراتٍ بنيويةً دائمة، يؤدّي فيها نظام الرسل الثواني وبروتين «كريب» دورًا مفصليًّا في ترسيخ الأثر.

لا يكتفي الكتاب بعرض النتائج، بل يقدّم فلسفةً في «الاختزالية» بوصفها منهجًا يصل الظواهر النفسية بآلياتها الجزيئية من غير أن يلغي خصوصيتها، ويحاجّ بأنّ علم الأعصاب المعرفي جسرٌ بين البيولوجيا وعلم النفس، فيطمح إلى «بيولوجيا جديدة للعقل» تجمع الحقلين.

تكمن قيمته في تحويل تاريخٍ علميٍّ صارمٍ إلى سرديةٍ إنسانيةٍ آسرةٍ تجعل القارئ شاهدًا على ميلاد حقلٍ بأكمله، وفي ربط الاكتشاف الجزيئي بآفاق علاج اعتلالات الذاكرة كالخرف. ويربط كاندل رؤيته العلمية بتكوينه المبكّر في التحليل النفسي، فيبيّن كيف قاده البحث عن آليةٍ مادّيةٍ للذاكرة إلى مغادرة العيادة نحو المختبر من دون أن يتخلّى عن سؤال الإنسان، ويعرض بإنصافٍ إسهامات مدرسته وتلامذته حتى يغدو الكتاب تأريخًا لمسيرة حقلٍ لا سيرةً فرديةً وحدها. وهو، إلى مرجعيّته في بيولوجيا الذاكرة، وثيقةٌ في تاريخ العلم، وشهادةٌ على أنّ الفضول الفردي قد يقود إلى تحوّلٍ في فهمنا لأنفسنا؛ لذا يظلّ مدخلًا لا غنى عنه لفهم الصلة العميقة بين الدماغ والذاكرة والهوية. ويظلّ، بعد عقدين على صدوره، من أوضح المداخل إلى فهم كيف صار العقل موضوعًا للعلم التجريبي.

  1. البحث في الذاكرة: الدماغ والعقل والماضي 1996 (Searching for Memory: The Brain, the Mind, and the Past) دانيال ل. شاكتر – الناشر: Basic Books

سيرةٌ علميةٌ وذاتيةٌ معًا، يمزج فيها إريك كاندل، الحائز جائزة نوبل في الطبّ عام 2000، حكايةَ حياته بمسيرته البحثية التي كشفت الأسس الجزيئية لتخزين الذاكرة في الخلايا العصبية. يفتتح كاندل صفحاته بذكرياته طفلًا يهوديًّا في فيينا عشية ضمّها إلى ألمانيا النازية عام 1938، فيجعل من تجربة النجاة والهجرة خلفيةً وجدانيةً لسؤاله المركزي: كيف يحتفظ الدماغ بالماضي؟ ومنه ينطلق في رحلةٍ فكريةٍ تبدأ من التحليل النفسي وتنتهي عند بيولوجيا الخلية العصبية.

اختار كاندل كائنًا بحريًّا بسيطًا هو حلزون «أبليزيا»، ذا الخلايا العصبية الكبيرة القليلة، ليتقصّى فيه آليات التعلّم بوضوحٍ يتعذّر في الدماغ البشري. ومن تجارب التعوّد والتحسّس والاشتراط، برهن على أنّ الذاكرة قصيرة المدى تنشأ من تعديلاتٍ مؤقتةٍ في قوة الوصلات التشابكية، بينما تتطلّب الذاكرة طويلة المدى تخليقًا للبروتين وتغيّراتٍ بنيويةً دائمة، يؤدّي فيها نظام الرسل الثواني وبروتين «كريب» دورًا مفصليًّا في ترسيخ الأثر.

لا يكتفي الكتاب بعرض النتائج، بل يقدّم فلسفةً في «الاختزالية» بوصفها منهجًا يصل الظواهر النفسية بآلياتها الجزيئية من غير أن يلغي خصوصيتها، ويحاجّ بأنّ علم الأعصاب المعرفي جسرٌ بين البيولوجيا وعلم النفس، فيطمح إلى «بيولوجيا جديدة للعقل» تجمع الحقلين.

تكمن قيمته في تحويل تاريخٍ علميٍّ صارمٍ إلى سرديةٍ إنسانيةٍ آسرةٍ تجعل القارئ شاهدًا على ميلاد حقلٍ بأكمله، وفي ربط الاكتشاف الجزيئي بآفاق علاج اعتلالات الذاكرة كالخرف. ويربط كاندل رؤيته العلمية بتكوينه المبكّر في التحليل النفسي، فيبيّن كيف قاده البحث عن آليةٍ مادّيةٍ للذاكرة إلى مغادرة العيادة نحو المختبر من دون أن يتخلّى عن سؤال الإنسان، ويعرض بإنصافٍ إسهامات مدرسته وتلامذته حتى يغدو الكتاب تأريخًا لمسيرة حقلٍ لا سيرةً فرديةً وحدها. وهو، إلى مرجعيّته في بيولوجيا الذاكرة، وثيقةٌ في تاريخ العلم، وشهادةٌ على أنّ الفضول الفردي قد يقود إلى تحوّلٍ في فهمنا لأنفسنا؛ لذا يظلّ مدخلًا لا غنى عنه لفهم الصلة العميقة بين الدماغ والذاكرة والهوية. ويظلّ، بعد عقدين على صدوره، من أوضح المداخل إلى فهم كيف صار العقل موضوعًا للعلم التجريبي.

  1. خطايا الذاكرة السبع: كيف ينسى العقل ويتذكّر 2001 (The Seven Sins of Memory: How the Mind Forgets and Remembers) دانيال ل. شاكتر – الناشر: Houghton Mifflin

يقدّم دانيال شاكتر إطارًا تصنيفيًّا أنيقًا لأعطاب الذاكرة، فيجمع مواطن قصورها في سبع «خطايا» مستلهمًا التشبيه اللاهوتي القديم. ثلاثٌ منها خطايا حذفٍ: الزوال، أي تلاشي الذكريات مع الزمن؛ والشرود، أي إخفاقات الترميز الناجمة عن نقص الانتباه؛ والحصر، أي العجز المؤقّت عن استحضار معلومةٍ حاضرة، كالكلمة العالقة على طرف اللسان. وأربعٌ خطايا ارتكابٍ تدسّ ما لم يكن: سوء العزو، ونسبة الذكرى إلى مصدرٍ خاطئ؛ والقابلية للإيحاء التي تزرع ذكرياتٍ موجَّهة؛ والتحيّز الذي يعيد صوغ الماضي على مقاس الحاضر؛ والاستمرارية، أي إلحاح الذكريات المؤلمة التي نودّ نسيانها.

ما يميّز الأطروحة أنّ شاكتر لا يرى هذه الخطايا عيوبًا في تصميمٍ فاشل، بل نتاجًا جانبيًّا لسماتٍ تكيّفيةٍ نافعة؛ فالنسيان التدريجي يخلّص الذهن من التفاصيل العتيقة ويبقي الجوهر، والطابع البنائي المرن الذي يجعل الذاكرة عرضةً للتشويه هو نفسه ما يتيح تعميم الخبرات وتخيّل المستقبل. وبهذا فالخطايا ثمنٌ نؤدّيه لقاء الفضائل.

يسند شاكتر تحليله إلى أدلّةٍ من علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب، فيربط كلّ خطيئةٍ بأساسها الدماغي: دور الفصوص الجبهية في مراقبة المصدر وكبح الأخطاء، وإسهام الحُصين في ربط عناصر الذكرى، وحضور اللوزة في ترسيخ الذكريات المشحونة انفعاليًّا. ويثري صفحاته بأمثلةٍ من الحياة اليومية وقضايا الشهادة أمام المحاكم واضطراب ما بعد الصدمة، فيكشف الأثر العملي الجسيم لهذه الأعطاب.

ويتّسم أسلوبه بالوضوح والطرافة والقدرة على تبسيط المعقّد دون تسطيح، ما جعله من أوسع كتب مجاله انتشارًا وأعمقها أثرًا في الوعي العامّ بالذاكرة. وهو لا يمنح القارئ معرفةً نظريةً فحسب، بل بصيرةً تصالحه مع هفوات ذاكرته حين يدرك أنّها الوجه الآخر لعبقريتها؛ ويصل شاكتر بين تصنيفه النظري وبين الحياة العملية، فيقرأ في ضوء الخطايا السبع ظواهرَ يعرفها كلّ قارئ: نسيان الأسماء، وتحريف الذكريات القديمة على مقاس الحاضر، وإلحاح لحظةٍ مؤلمةٍ ترفض أن تغادر؛ فيمنح المفاهيم المجرّدة لحمًا ودمًا من التجربة اليومية. لذا يُعدّ مدخلًا نموذجيًّا يجمع المتانة العلمية وجاذبية العرض، ولا يزال من أكثر الكتب استشهادًا في أدبيات الذاكرة المعاصرة.

  1. الذاكرة: من العقل إلى الجزيئات 1999 (Scientific American Library) لاري ر. سكواير وإريك ر. كاندل – الناشر: Scientific American Library

يجمع هذا الكتاب قامتين من كبار علماء الذاكرة: لاري سكواير، رائد دراسة أنظمتها على مستوى الدماغ، وإريك كاندل، رائد بيولوجيتها على مستوى الجزيء. ومن تلاقيهما يولد عملٌ تركيبيٌّ يصل مستويي التفسير: من السلوك والعقل نزولًا إلى الخلية والجزيء، ليقدّم رؤيةً متكاملةً لتكوّن الذكريات وتخزينها في الجهاز العصبي.

يبدأ سكواير بترسيخ التمييز بين نوعين كبيرين: الذاكرة التصريحية الواعية، المختصّة بالوقائع والأحداث والمعتمدة على الفصّ الصدغي الإنسي والحُصين؛ والذاكرة غير التصريحية الضمنية، الشاملة للمهارات والعادات والتهيئة والاشتراط، المستندة إلى بنى أخرى كالعقد القاعدية والمخيخ واللوزة. ويستند إلى دروس المرضى فاقدي الذاكرة، وفي مقدّمتهم «ه. م.»، الذي كشفت حالته أنّ تكوين ذكرياتٍ واعيةٍ جديدةٍ قد ينهار مع بقاء الذكاء وتعلّم المهارات سليمًا.

ثمّ ينتقل إلى المستوى الجزيئي حيث يعرض كاندل أبحاثه على «أبليزيا» وعلى «التقوية طويلة الأمد» في الحُصين، وهي الآلية التي تتعزّز بها الوصلات التشابكية عند التعلّم. ويوضّح كيف تنشأ الذاكرة قصيرة المدى من تعديلاتٍ كيميائيةٍ عابرة، بينما تحتاج طويلة المدى إلى تنشيط الجينات وتخليق البروتين وبناء وصلاتٍ جديدة، فيصبح التعلّم أثرًا ماديًّا في بنية الدماغ، ويُضاء به أفق مقاربة أمراضها كالزهايمر.

تكمن قوّة الكتاب في عرضه هذا التدرّج المفاهيمي بلغةٍ رصينةٍ ورسومٍ توضيحيةٍ غنيةٍ تجعل المجرّد ملموسًا، موجَّهةٍ للقارئ المثقّف لا للمتخصّص وحده. وهو يبرهن على أنّ ظاهرةً معقّدةً كالذاكرة يمكن مقاربتها على مستوياتٍ متكاملة، يفسّر كلٌّ منها ما يعجز الآخر عن بلوغه. وبذلك يقدّم خلاصةً موثوقةً لعلم الذاكرة عند مفصل القرن، ويظلّ نموذجًا في التأليف العلمي الجادّ الذي يوازن الدقّة والوضوح، ويقف المؤلّفان عند ظاهرة «التوحيد»، أي تحوّل الذكرى الهشّة الوليدة إلى أثرٍ مستقرٍّ عبر الوقت والنوم، مبيّنين أنّها جسرٌ بين المستوى الجزيئي والمستوى النظمي؛ كما يعرضان كيف تختلّ هذه العمليات في أمراض الذاكرة، فيصلان المعرفة الأساسية بالتطبيق الطبّي. ومرجعًا لكلّ باحثٍ عن فهمٍ منظّمٍ لأنظمة الذاكرة وآلياتها الجزيئية معًا، إذ يجمع في مجلّدٍ واحدٍ ما تفرّق في مئات الأبحاث المتخصّصة.

  1. لماذا نتذكّر: إطلاق قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بما يهمّ 2024 (Why We Remember: Unlocking Memory’s Power to Hold on to What Matters) تشاران رانغاناث – الناشر: Doubleday

يقدّم عالِم الأعصاب والنفس تشاران رانغاناث، مدير «مختبر الذاكرة الديناميكية» بجامعة كاليفورنيا-ديفيس، إعادةَ تأطيرٍ جذريةٍ لفعل التذكّر، مستندًا إلى أحدث ما انتهى إليه علم الأعصاب المعرفي. أطروحته أنّ الذاكرة أداةٌ موجَّهةٌ نحو المستقبل أكثر منها سجلًّا للماضي؛ فالدماغ لم يُصمَّم ليتذكّر كلّ شيء، بل ليصطفي ما يفيده في التنبّؤ والقرار، ومن ثمّ فالنسيان وظيفةٌ لا عطب، تحرّر الذهن من زحام التفاصيل.

يبيّن رانغاناث أنّ ما نتذكّره يعتمد على الانتباه والقصد والسياق ودرجة التميّز لا على قوة الرغبة في الحفظ؛ فالخبرات الفريدة المشحونة انفعاليًّا تُرمَّز أعمق من الأحداث الرتيبة. ويشرح دور القشرة الجبهية في تنظيم الانتباه واستدعاء الذكريات المناسبة، ودور الحُصين في ربط عناصر الحدث، مبرزًا أنّ الذاكرة العرضية أشبه بـ«سفرٍ عقليٍّ عبر الزمن» يعيد بناء الماضي لا استعادته حرفيًّا.

ومن أبرز أفكاره أنّ الذاكرة والخيال يتشاركان الشبكات الدماغية نفسها؛ فتخيّل المستقبل امتدادٌ لإعادة بناء الماضي. ولذا فالطابع البنائي للذاكرة، وإن عرّضها للتشويه والذكريات الكاذبة، هو مصدر مرونتنا في التعلّم والتخطيط. ويعالج بحساسيةٍ مسائل الصدمة، مبيّنًا كيف يتيح العمل مع آليات الدماغ لا ضدّها إعادة تفسير الماضي والتعافي منه.

لا يكتفي بالنظري، بل يستخلص دروسًا عمليةً: الإفادة من الأطر المعرفية، وإدخال عنصر التميّز وخطأ التوقّع، وتغذية الفضول، وربط الجديد بالمعروف، مسنودةً بالأدلّة لا بوصفها حيلًا. ويتميّز بأسلوبٍ سلسٍ يمزج البحث الرصين بالحكاية الشخصية وأمثلةٍ من الثقافة الشعبية، ما جعله من أبرز كتب عام 2024 في موضوعه. ويناقش رانغاناث ظواهرَ مألوفةً كالإحساس بـ«سبق الرؤية» وصعوبة تذكّر الأسماء، فيردّها إلى طبيعة عمل الذاكرة لا إلى خللٍ فيها، ويقدّم رؤيةً متّزنةً لأثر التقدّم في العمر، مبيّنًا أنّ فهم آليات الدماغ يعيننا على التكيّف مع تغيّر قدراتنا بدل مقاومته. وهو خلاصةٌ محدَّثةٌ تعكس تحوّل نظرة العلم إلى الذاكرة: من مستودعٍ سلبيٍّ للماضي إلى قوةٍ فاعلةٍ تشكّل حاضرنا وتصوغ تصوّرنا لذواتنا ومستقبلنا؛ فيقدّم بذلك رؤيةً عمليةً ومتفائلةً في آنٍ عن ملَكةٍ لطالما أُسيء فهمها.

أكثر الكتب استشهادًا في أدبيات الذاكرة المعاصرة.

  1. حاضرٌ دائم: الحياة التي لا تُنسى للمريض فاقد الذاكرة هـ. م. 2013 (Permanent Present Tense: The Unforgettable Life of the Amnesic Patient, H. M) سوزان كوركين – الناشر: Basic Books

ترسم عالِمة الأعصاب سوزان كوركين، أستاذة العلوم الإدراكية بمعهد ماساتشوستس للتقنية، سيرةً علميةً وإنسانيةً للمريض الأشهر في تاريخ علم الأعصاب: هنري مولايسون، المعروف باسم «هـ. م.». ففي عام 1953، ولعلاج صرعٍ مستعصٍ، خضع لجراحةٍ تجريبيةٍ استُؤصل فيها جزءٌ كبيرٌ من فصّيه الصدغيين الإنسيين، بما فيهما معظم الحُصين من الجانبين. خفّفت الجراحة نوباته، لكنّها تركته أسير حاضرٍ لا ينقضي: عاجزًا عن تكوين ذكرياتٍ واعيةٍ جديدة، يعيش اللحظة تلو اللحظة.

صاحبت كوركين هنري نحو نصف قرن، من لقائها الأوّل به عام 1962 حتى وفاته عام 2008، فحوّلت مأساته إلى واحدةٍ من أخصب الحالات في تاريخ العلم. تروي كيف كشفت الدراسات أنّ فقدان التذكّر الواعي قد يتعايش مع بقاء الذكاء واللغة والإدراك سليمًا؛ فقد ظلّ هنري لبقًا قادرًا على الحديث والاستدلال، بينما تبخّرت كلّ خبرةٍ جديدةٍ بمجرّد انصراف انتباهه عنها.

تُبرز كوركين إسهام حالته في تفكيك بنية الذاكرة إلى أنظمةٍ متمايزة؛ فقد أثبتت التجارب أنّ الذاكرة العاملة قصيرة المدى مستقلّةٌ عن طويلة المدى، وأنّ الذاكرة التصريحية غير الإجرائية؛ إذ كان يتحسّن في مهاراتٍ حركيةٍ كالرسم في المرآة دون أن يتذكّر تدرّبه عليها. ومن هنا الاستنتاج المفصلي بأنّ الحُصين ضروريٌّ لترسيخ الذكريات الجديدة لا لخزنها الدائم، وأنّ للدماغ أجهزة ذاكرةٍ متعدّدةً تسكن مواقع مختلفة.

لا تقتصر على العلم، بل تكتب بحنوٍّ عن هنري الإنسان: طباعه وكرمه بجسده للعلم حتى تبرّعه بدماغه ليُدرَس تشريحيًّا. وتضع قصّته في سياق تاريخ الحقل، مبيّنةً كيف أعادت توجيه البحث نحو الفصّ الصدغي الإنسي وألهمت أجيالًا من العلماء. وتصف كوركين بدقّةٍ منهجية الاختبارات التي أُجريت على هنري، من مهامّ التعرّف والاستدعاء إلى تجارب التعلّم الحركي، مبيّنةً كيف رُسمت من مجموعها خريطةٌ أوّليةٌ لأنظمة الذاكرة في الدماغ. وبذلك يقدّم «حاضرٌ دائم» مدخلًا آسرًا إلى علم الأعصاب المعرفي عبر حالةٍ واحدةٍ أعادت تعريف الذاكرة، ويذكّرنا بأنّ كثيرًا مما نعرفه عن صنع الدماغ لماضينا مدينٌ لرجلٍ فقد ماضيه؛ وهو من أبلغ ما يجمع بين صرامة العلم ودفء الشهادة الإنسانية.

  1. شذراتٌ من ضوء: العلم الجديد للذاكرة 2013 (Pieces of Light: The New Science of Memory) تشارلز فيرنيهوف – الناشر: Profile Books

يقدّم عالِم النفس والروائي تشارلز فيرنيهوف مقاربةً أدبيةً وعلميةً متضافرةً للذاكرة السِّيَريّة، تلك التي نروي بها قصّة حياتنا. أطروحته، المستمدّة من علم الأعصاب المعرفي الحديث، أنّ التذكّر فعل إبداعٍ يعيد الدماغ فيه بناء الماضي في كلّ مرّةٍ من شذراتٍ متناثرةٍ يوحّدها في ضوء اللحظة الحاضرة؛ ومنه عنوان الكتاب: فالذاكرة ضوءٌ مبعثرٌ نلمّ شتاته لا صورةٌ فوتوغرافيةٌ جاهزة.

يمزج فيرنيهوف ثلاثة خيوطٍ ببراعة: نتائج التجارب وتصوير الدماغ، وتأمّلاته في ذكرياته، وإشاراتٍ إلى الأدب والفلسفة. فيستحضر تجربة «بروست» مع الرائحة التي تفتح باب الماضي في سياق ما نعرفه عن ارتباط الشمّ الوثيق بمنظومات الذاكرة والانفعال، ويناقش «فقدان ذاكرة الطفولة» رابطًا إيّاه بنضج بنى الدماغ ونشأة اللغة والإحساس بالذات.

يتناول موضوعاتٍ تكشف الطابع البنائي للذاكرة: تشابك الذاكرة والخيال حتى تكاد الحدود تتلاشى، ونشوء الذكريات الكاذبة بإخلاصٍ تامّ، وإعادة كبار السنّ تنظيم ماضيهم، وتخزين الخبرات الصادمة واستعادتها. ويتوسّع نحو «الذاكرة الجمعية»، متسائلًا كيف تتشكّل ذاكرة الجماعات بآلياتٍ تشبه في بنائيّتها ما يجري في الأفراد.

ويقف عند «الذات السردية»، أي إحساسنا بأنّنا شخصٌ واحدٌ ممتدٌّ عبر الزمن، فيبيّن أنّه صنيعة الذاكرة السِّيَريّة وبنائها المتجدّد، وأنّ إعادة تركيب الذكريات ليست خيانةً للحقيقة بقدر ما هي شرطٌ لمرونة الهوية. ويسند تأمّلاته إلى دور الحُصين والقشرة الجبهية في جمع شتات الذكرى، فلا يفصل رهافة التجربة عن دقّة التفسير العصبي. ويعالج فيرنيهوف الطابع الانتقائي للذكرى، مبيّنًا أنّ ما نستبقيه من الماضي يخضع لحاجات الحاضر ومعناه لدينا، وأنّ النسيان جزءٌ من عمل الذاكرة لا نقيضها؛ فيجعل من إعادة البناء الدائمة شرطًا لتماسك الذات لا تهديدًا لها، بحيث تغدو كلّ استعادةٍ فرصةً لإعادة تأويل التجربة. ما يميّز العمل أسلوبه الأدبي الرفيع الذي لا يفرّط في الأمانة العلمية؛ فهو من أرقى ما جمع علم الأعصاب المعرفي بالكتابة الأدبية في تناول الذاكرة السِّيَريّة، وقراءةٌ ثريّةٌ لكلّ مهتمٍّ بالعلاقة بين السرد والذاكرة والهوية، ومن أنجح المحاولات في تقريب علم الذاكرة إلى قارئ الأدب.

  1. الذات التشابكية: كيف يصير دماغنا من نحن 2013 (Synaptic Self: How Our Brains Become Who We Are) جوزيف لودو – الناشر: Viking

يطرح عالِم الأعصاب جوزيف لودو أطروحةً جريئةً مكثّفةً في عبارة: «أنت تشابكاتك». فالذات، بشخصيّتها وذكرياتها وانفعالاتها، ليست جوهرًا مفارقًا، بل محصّلة أنماط الاتّصال بين مليارات الخلايا العصبية عبر تشابكاتها. ومن هذا المنطلق يجعل من التشابك العصبي، وقدرته على التعلّم والتغيّر (اللدونة)، مفتاح فهم كيف يبني الدماغ هويّتنا ويصون استمراريّتها.

يقود لودو القارئ في جولةٍ داخل الدماغ، شارحًا كيف تتكوّن الدارات العصبية بتضافر الوراثة والخبرة، متجاوزًا الثنائية العقيمة بين الطبيعة والتنشئة إلى مستوى التشابك حيث يلتقيان فعلًا؛ فالجينات ترسم المخطّط الأوّل، والخبرة تعيد نحته بتعزيز بعض التشابكات وإضعاف بعضها. وبذلك يصير كلّ ما نعيشه أثرًا ماديًّا في شبكاتنا.

وبوصفه من أبرز الباحثين في علم أعصاب الانفعال، يولي عنايةً للذاكرة الانفعالية ودور اللوزة في اشتراط الخوف، مبيّنًا كيف تُرمَّز الخبرات المهدِّدة وتُخزَّن بطرقٍ قد تعمل خارج الوعي وتشكّل ميولنا ومخاوفنا. لكنّه يميّز بين أنظمة الذاكرة المتعدّدة – الصريحة والضمنية والانفعالية والعاملة – مبرزًا أنّ الذات تناغم أجهزةٍ متوازيةٍ يوحّدها نسيج التشابكات.

ويعالج كيف تتكامل هذه الأنظمة لتنتج إحساسًا موحّدًا بالذات رغم غياب «مركزٍ» واحدٍ يديرها؛ فالوحدة إنجازٌ دائمٌ يحقّقه تناسق الشبكات لا معطًى مسبق. ويمتدّ إلى الناقلات العصبية وأثرها في المزاج والإدراك، وإلى الأسس العصبية لبعض الاضطرابات النفسية، فيوحّد فهم الشخصية السويّة والمرضية على أرضيةٍ واحدةٍ دون اختزالٍ يلغي تعقيد التجربة. ويولي لودو عنايةً لكيفية إسهام الذاكرة العاملة والانتباه في ربط خيوط التجربة الآنية بالماضي المخزّن، وكيف قد يفكّك خللٌ في هذا التنسيق تماسكَ الذات في بعض الاضطرابات؛ كما يبيّن أنّ ما نتعلّمه انفعاليًّا يترك أعمق الأثر وأعصاه على المحو، فيغدو التاريخ الانفعالي للفرد ركنًا في تكوين شخصيّته. ويظلّ «الذات التشابكية» من الأعمال المرجعية التي تعالج سؤال الهوية من زاوية علم الأعصاب، إذ يقنعنا بأنّ فهم من نكون يمرّ عبر فهم كيف تتّصل خلايا أدمغتنا وتتعلّم وتتذكّر؛ وهو يخاطب من يبحث عن أساسٍ عصبيٍّ رصينٍ لسؤال الشخصية والهوية من دون تبسيطٍ مخلّ.

بنضج بنى الدماغ ونشأة اللغة والإحساس بالذات.

يتناول موضوعاتٍ تكشف الطابع البنائي للذاكرة: تشابك الذاكرة والخيال حتى تكاد الحدود تتلاشى، ونشوء الذكريات الكاذبة بإخلاصٍ تامّ، وإعادة كبار السنّ تنظيم ماضيهم، وتخزين الخبرات الصادمة واستعادتها. ويتوسّع نحو «الذاكرة الجمعية»، متسائلًا كيف تتشكّل ذاكرة الجماعات بآلياتٍ تشبه في بنائيّتها ما يجري في الأفراد.

ويقف عند «الذات السردية»، أي إحساسنا بأنّنا شخصٌ واحدٌ ممتدٌّ عبر الزمن، فيبيّن أنّه صنيعة الذاكرة السِّيَريّة وبنائها المتجدّد، وأنّ إعادة تركيب الذكريات ليست خيانةً للحقيقة بقدر ما هي شرطٌ لمرونة الهوية. ويسند تأمّلاته إلى دور الحُصين والقشرة الجبهية في جمع شتات الذكرى، فلا يفصل رهافة التجربة عن دقّة التفسير العصبي. ويعالج فيرنيهوف الطابع الانتقائي للذكرى، مبيّنًا أنّ ما نستبقيه من الماضي يخضع لحاجات الحاضر ومعناه لدينا، وأنّ النسيان جزءٌ من عمل الذاكرة لا نقيضها؛ فيجعل من إعادة البناء الدائمة شرطًا لتماسك الذات لا تهديدًا لها، بحيث تغدو كلّ استعادةٍ فرصةً لإعادة تأويل التجربة. ما يميّز العمل أسلوبه الأدبي الرفيع الذي لا يفرّط في الأمانة العلمية؛ فهو من أرقى ما جمع علم الأعصاب المعرفي بالكتابة الأدبية في تناول الذاكرة السِّيَريّة، وقراءةٌ ثريّةٌ لكلّ مهتمٍّ بالعلاقة بين السرد والذاكرة والهوية، ومن أنجح المحاولات في تقريب علم الذاكرة إلى قارئ الأدب.

  1. عناصر الذاكرة العرضية 1983 (Elements of Episodic Memory) إندل تولفنغ – الناشر: Oxford University Press

أحد النصوص المؤسِّسة في علم النفس المعرفي وعلم الذاكرة، بلور فيه إندل تولفنغ تمييزه الشهير بين نوعين من الذاكرة طويلة المدى: العرضية والدلالية. فالدلالية مخزنٌ للمعارف العامّة والمعاني المجرّدة عن سياقها الزمني، أمّا العرضية فهي القدرة على استرجاع أحداثٍ بعينها عشناها في زمانٍ ومكانٍ محدّدين. وقد جعل من هذا التمييز حجر الأساس لفهمٍ جديدٍ لبنية الذاكرة البشرية.

يتجاوز تولفنغ الوصف إلى تحليلٍ نظريٍّ دقيق، فيربط الذاكرة العرضية بضربٍ فريدٍ من الوعي أسماه «الوعي الذاتي-النوطي»، وهو وعي المرء بأنّه هو ذاته من عاش الحدث المسترجَع؛ فالتذكّر العرضي «سفرٌ عقليٌّ عبر الزمن» يعيد صاحبه إلى لحظةٍ ماضيةٍ يعيشها من جديد. وبهذا يقرن بنية الذاكرة بطبيعة الوعي، مانحًا العرضية مكانةً خاصةً بوصفها ملَكةً قد تكون فريدةً في تطوّرها.

يطوّر الكتاب جهازًا مفاهيميًّا محكمًا لعمليات الذاكرة، أبرزه «مبدأ خصوصية الترميز» القائل إنّ نجاح الاسترجاع رهنٌ بتطابق إشاراته مع طريقة الترميز الأصلية؛ فالسياق الذي حُفظت فيه الذكرى مفتاحٌ لاستدعائها. ويميّز عمليات الترميز والتخزين والاسترجاع بوصفها مراحل متمايزةً لكلٍّ قوانينها، مبيّنًا أنّ ما يُسترجَع ناتج تفاعل الأثر المخزّن وإشارة الاسترجاع لا أحدهما وحده.

ويميّز تولفنغ بين الأثر المخزّن في الذاكرة وبين إشارة الاسترجاع التي تتيح الوصول إليه، مبيّنًا أنّ فشل التذكّر قد ينجم عن غياب الإشارة المناسبة لا عن ضياع الأثر، وهو تمييزٌ فتح بابًا واسعًا أمام دراسة دور السياق والحالة في إتاحة الذكريات، وقدّم فيه نماذج تجريبيةً دقيقةً صارت أدواتٍ في يد الباحثين. يتّسم العمل بطابعٍ نظريٍّ صارمٍ موجَّهٍ إلى الباحثين، فهو أقرب إلى الأطروحة المنهجية منه إلى كتاب التبسيط. غير أنّ أثره تجاوز التخصّص، إذ صار التمييز بين العرضي والدلالي، ومفهوم السفر العقلي عبر الزمن، من ركائز البحث في الذاكرة، وأساسًا استندت إليه لاحقًا دراسات التصوير الدماغي التي ربطت العرضية بشبكاتٍ كالحُصين والقشرة الجبهية. وبذلك يمثّل «عناصر الذاكرة العرضية» لحظةً مفصليةً في تاريخ الحقل، وقراءةٌ ضروريةٌ لتتبّع جذوره النظرية العميقة، ولا يُستغنى عنه في أيّ دراسةٍ جادّةٍ للذاكرة العرضية إلى اليوم.

  1. وهم الذاكرة: تذكّر، نسيان، والدماغ 2016 (The Memory Illusion: Remembering, Forgetting, and the Science of False Memory) جوليا شو – الناشر: Random House

تتناول عالِمة النفس الجنائي جوليا شو واحدةً من أكثر حقائق الذاكرة إثارةً للقلق: أنّها أقلّ موثوقيةً مما نظنّ، وعرضةٌ للتشويه والتلفيق حتى في أشدّ ذكرياتنا حيويةً ويقينًا. أطروحتها، المسنودة إلى علم الأعصاب المعرفي وعلم النفس التجريبي، أنّ الذاكرة إعادة بناءٍ لا استرجاعٌ أمين؛ فكلّ استدعاءٍ يعيد تشكيل الذكرى، ما يجعلها قابلةً للتعديل والتلوّث بمعلوماتٍ لاحقةٍ وإيحاءاتٍ خارجية.

تستند شو إلى أبحاثها الميدانية اللافتة في زرع الذكريات الكاذبة، إذ أقنعت في دراساتها مشاركين أسوياء بأنّهم ارتكبوا في مراهقتهم جرائم لم تقع، عبر تقنيات استجوابٍ موحِيةٍ متكرّرة. وتكشف كيف تنسج الذاكرة بإخلاصٍ حكاياتٍ مفصّلةً عن أحداثٍ لا وجود لها، وكيف يصعب على صاحبها تمييز الحقيقي من الملفَّق.

تشرح الآليات الكامنة وراء هذه الهشاشة: «تأثير التضليل» الذي تعيد فيه المعلومات المضلِّلة صياغة الذكرى؛ وإخفاقات «مراقبة المصدر» التي تخلط ما عشناه بما تخيّلناه أو سمعناه؛ وأوهام «الذاكرة الوامضة» التي نظنّها ثابتةً لأحداثٍ صادمةٍ بينما تتبدّل. وتناقش الفكرة الشائعة عن «الذكريات المكبوتة»، عارضةً الأدلّة التي تشكّك في موثوقية كثيرٍ منها ومخاطر استحضارها بتقنياتٍ إيحائية.

لا تكتفي بالنظري، بل تُبرز تبعاته العملية الجسيمة، وبخاصةٍ في القضاء؛ إذ تحذّر من الاعتماد المفرط على شهادات العيان والاعترافات، مبيّنةً كيف أدّت ذكرياتٌ كاذبةٌ صادقةٌ إلى إداناتٍ خاطئة. وتتناول أثر العصر الرقمي ووسائل التواصل في تشكيل ذاكرتنا الجمعية والفردية. وتربط شو نتائجها بظواهر أوسع كالشائعات والذاكرة الجمعية، مبيّنةً كيف يُعاد تشكيل ماضي الجماعات كما يُعاد تشكيل ماضي الأفراد، وكيف تسهم الثقة الاجتماعية والتكرار في ترسيخ معتقداتٍ زائفةٍ عن الماضي. ويتميّز الكتاب بأسلوبٍ حيويٍّ يخاطب القارئ العامّ دون تفريطٍ في الدقّة، فيحوّل نتائج المختبر إلى معرفةٍ تمسّ حياتنا. ورسالته دعوةٌ إلى التواضع المعرفي: ألّا نمنح ذكرياتنا ثقةً مطلقةً لمجرّد وضوحها، وأن ندرك أنّ الإحساس باليقين ليس دليلًا على الصدق؛ فيقدّم بذلك مدخلًا معاصرًا ممتعًا إلى علم الذاكرة الكاذبة، وتنبيهًا لازمًا إلى حدود أثمن ملَكاتنا وأكثرها خداعًا وما يترتّب على ذلك في حياتنا وقضائنا.

الخلاصة

حين نطوي هذه الكتب العشرة تتّضح خيوطٌ جامعةٌ تصل بينها رغم تباعد مقارباتها. أوّلها، وأعمقها أثرًا، الطابع البنائي للذاكرة؛ فمن شاكتر إلى فيرنيهوف إلى رانغاناث إلى شو يتردّد اليقين نفسه: أنّ التذكّر إعادة بناءٍ لا استرجاعٌ أمين، ومنه تتفرّع هشاشتها أمام الإيحاء، ونشوء الذكريات الكاذبة، وخطورة الاعتماد المطلق على شهادة العيان.

وثانيها تعدّد أنظمة الذاكرة؛ فقد علّمنا تولفنغ التمييز بين العرضي والدلالي، وعلّمتنا حالة «هـ. م.» عند كوركين التمييز بين الواعي والإجرائي، وبيّن سكواير وكاندل أنّ لكلّ نظامٍ دارتَه الخاصّة. وثالثها الأساس المادّي الذي يربط العقل بالدماغ؛ فمن حلزون كاندل إلى التقوية طويلة الأمد، تبيّن أنّ الذكرى أثرٌ محفورٌ في بنية التشابكات، من تعديلٍ كيميائيٍّ عابرٍ إلى تغيّرٍ بنيويٍّ دائم، فاكتمل الجسر من الجزيء إلى العقل. فالذاكرة ليست ملَكةً موحّدة، بل منظومةُ أجهزةٍ متوازيةٍ يعمل بعضها في الوعي وبعضها خارجه.

ورابعها، وهو الأكثر مفاجأة، أنّ النسيان وظيفةٌ لا عطب، وأنّ الذاكرة موجَّهةٌ نحو المستقبل؛ فالشبكات التي تعيد بناء الماضي هي التي تتيح تخيّل الآتي، حتى غدت الذاكرة، والخيال وجهين لقدرةٍ واحدة. وفي خلفية ذلك يقيم سؤال الهوية: فنحن، كما يذكّر لودو، حصيلةُ تشابكاتنا وذكرياتنا؛ وهو ما يجعل التعلّم والتذكّر والتخيّل قدراتٍ متّصلةً لا منفصلة.

تجتمع هذه الكتب على عرض الذاكرة في مفارقتها الكبرى: باهرةٌ وهشّةٌ معًا، خلّاقةٌ ومخادعة، تصنع ذواتنا وقد تخوننا. وهي إذ تنزع عنها هالة اليقين تزيدنا إعجابًا بها؛ إذ لا تُجيب عن السؤال القديم – من نحن؟ – إجابةً نهائية، لكنّها تعلّمنا أن نطرحه على نحوٍ أعمق وأصدق؛ فهي لا تنقص من قدر الذاكرة، بل تعمّق إعجابنا بها وفهمنا لحدودها.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى