
السعادة بين الذات والموضوع
تكاد تكون السعادة مَطْلبًا تتفق عليه رؤى الناس إلى الحياة على اختلاف عقائدهم، ومللهم وأمزجتهم ونزواتهم. فالمؤمن يلتمس السعادة مثلما يلتمسها الملحد، والكبير يسعى وراءها كما يحلم بها الصغير. ولكن لكل واحد سعادته التي تكفل له الانسجام مع الذات والاستمتاع بالحياة. غير أن استمداد هذه الغاية من العلاقة بالخالق هي السعادة المطلقة.
مَن منا لا ينشُد السعادة؟ حتى إذا بلغها كما تتعين ماهيتها أو يتوهم من قناعة ذاتية أو تكييف للنفس مع ضرورات الحياة تطلع إلى ديمومة الإحساس بها.
وإذا امعنّا النظر في مرجعيتنا الروحية التي تمثّل الإطار اليقيني للحكم على السعادة كقيمة أو كحال أو كغاية نجد أنها وردت بصيغة الفعل وبصيغة الصفة المشُبَّهة في قوله تعالى: )يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108))1
نقف على أن الفعل الماضي «سُعِدوا» مبني للمجهول، يدل على أن السعادة عاقبة يجازي الله بها طائفة من عباده يوم القيامة امتثلت للمنهج الرباني في الدنيا، وليس فعلًا يأتي باكتساب واستحقاق.
أما لفظ الصفة المشبهة «سعيد» الذي يدل على الثبوت فإنه يكرّس معنى الجزاء الدال على الدينونة والديمومة معا. لذلك أعقبه بقوله: «عطاءٌٌ غير مجذوذ» أي غير مقطوع وماله من نفاد.
أما من حيث الدلالة اللغوية فإنها تحيل إلى حال يشعر المرء فيها بالرضا والانشراح والانبساط والخلو من المنغّصات التي تعكر صفو العيش سواء أكانت مادية أو معنوية.
ومن التعريفات التي نسوقها في هذا السياق ما يراه موقع فيري ويل ميند very well mind أو عقل سليم جدًا: يرى موقع «فيري ويل مايند» أن «السعادة هي مسعى شخصي يختلف من فرد لآخر، فهي بصفة عامة حالة عاطفية تتسم بالفرح والرضا والشعور بالإنجاز. ورغم تعدد تعريفاتها، غالبًا ما تقترن السعادة بمشاعر إيجابية وشعور بالرضا عن الحياة».
لكن المسألة تظل نسبية فربما وجدنا شخصًا يتمتع بكل مقومات العيش الرغيد، ولكنه يشعر بالاكتئاب كما نراه في بعض دول العالم المتحضر حيث يصل به إلى الإقدام على الانتحار، في حين أننا نقف في تراثنا الأصيل على حال من الطمأنينة والوئام مع الذات على ما في الظاهر من بؤس وشظف عيش، وإيثار للزهد والبساطة. قال الإمام إبراهيم بن أدهم: «لو عَلِم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم إذًا لجالدونا عليه بالسيوف»2. فالظاهر يدعو إلى الإشفاق، ولكن الحقيقة التي تعزب عن الذي يحكم على الناس بالظواهر أن هؤلاء يعيشون سعادة مُثلى تسمو على التصور الشائع. درج الناس على أن ما ينغص صفو عيشهم حالات تسلب النفوس المتعة والشعور باللذة ومن أبرز هذه المنغصات القلق والخوف والحزن. فأما القلق فيحصل من توقع مكروه في المستقبل أو طروء ما يسلب النعمة وقد لا يحصل ذلك. لكنه هاجس مستقبلي يذهب بمتعة الصفاء في الحاضر، ونقف على شعر لإيليا أبي ماضي ينصح فيه هذا الصنف المتشائم بأن يستمتع بما هو فيه في الحاضر ولا يتوقع الأسوأ:
فتمتعْ بالصفو ما دمتَ فيه لا تَخفْ أن يزول حتى يزولا
وإذا ما أظـلّ رأسَـــك هــمُُ قَصِّرِ البحثَ فيه كيلا يطولا
والخوف فكرة يتفاوت تأثيرها في النفوس بتفاوت الهِمَم، كما قال جمال الدين الأفغاني ـ رحمه الله ـ لتابعه عارف أبي تراب وهو ينتظر دوره في مخفر الشاه قبل الاستنطاق: «يا عارف. يا أبا تراب. الخوف فكرة في الرأس».
وفي القرآن الكريم تثبيت للنفوس عند الروع، بنسف فكرة الخوف وردها إلى مصدر لا سلطان للمؤمنين عليه. قال تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ أن كنتم مؤمنين)3. كما يؤكد حقيقة الابتلاء بشيء من الخوف وليس بكل الخوف قصد التمحيص وفرز الخبيث من الطيب، ومثوبة الصابرين.
غير أن الحزْن الذي يرتبط بما مضى من أحداث مؤلمة، لا يغيّر اجترارها شيئًا مما كان، يظل شعورًا غالبًا على كثير من الناس لضعف الطبيعة البشرية التي يصدمها الفَقْد ويبلبلها الوجد. وهذا نبي الله يعقوب وصفه القرآن بقوله تعلى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)4 يجأر على الله تعالى بالضراعة كي يرفع عنه غُبْنا وحُزنا غلب عليه. (قال إنما أشكو وبَثِّي وحُزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون)5 وعلاج استبداد الحزن بالنفس الاستقواء بالإيمان واللوذ بالتسليم للمقادير (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلوْن إن كنتم مؤمنين) 6
وبين رؤية تتلمس السعادة من الداخل، وأخرى تسعى إلى ترتيب الخارج على نحو ما تريد. بين قناعة ذاتية وتطلع لِظروف مواتية تسخو بها الحياة على نحو يوافق أهواء الناس وأمزجتهم تظل السعادة حالا لا يكلّ عن نُشدانها إنسان في كل عصر وفي كل مصر.
الهوامش:
1 – سورة هود
2 – أبو نعيم، حلية الأولياء، ج 7/ ص370.
3 – سورة آل عمران، الآية 175
4 – سورة يوسف، الآية 84
5 – سورة يوسف، الآية 86
6 – سورة آل عمران 139



