العدد الحاليالعدد رقم 48ثقافات

«الأرض الطيبة»: كيف صنعت المأساة أسطورة أدبية؟

في الخامسة والثلاثين من عمرها، لم تعد تركض خلف حلمٍ وردي، بل تقطعت بها السبل ونفدت خياراتها.

رغم ذلك، جلست لتكتب. لم تفعل ذلك بوحيٍ من إلهامٍ عابر، ولا إيمانًا بنجاحٍ موعود، بل لأن ابنتها كانت بحاجةٍ إليها… ولأنه لم يكن هناك طريقٌ آخر للمضي قدمًا.

حتى اسمها لم يكن ذلك الذي سيعرفه العالم بأسره لاحقًا. وُلدت «بيرل سايدنستريكر» (التي عُرفت لاحقًا باسم بيرل باك) في غرب فيرجينيا عام 1892، لكن قُدّر لحياتها ألا ترتهن لبقعة جغرافية واحدة. فما إن بلغت شهرها الثالث، حتى حُملت عبر المحيط إلى الصين بصحبة والديها المبشرين، لتنشأ وتترعرع في برزخٍ بين اللغات والثقافات والتوقعات.

نطقت بالصينية قبل الإنجليزية، وركضت حافية القدمين في أزقة القرى، وشعرت بالانتماء إلى كل مكان.. وإلى اللامكان في آنٍ واحد.

نشأت «بيرل» بين عالمين مختلفين، وركضت طفلةً في الباحات المتواضعة المحاذية لنهر «يانغتسي»، وتأملت عن كثب حياةً صاغتها مفردات الفقر والصمود.

وحين تزوجت «جون لوسينج باك» عام 1917 واستقرت في ريف الصين، كانت قد أتقنت فن العيش بين عوالم متناقضة. لكن شيئًا لم يُعدّها للفاجعة التي كانت بانتظارها.

في عام 1920، وضعت طفلتها «كارول». ومنذ البداية، كان ثمة خطبٌ جسيم.

لم يكن نمو «كارول» طبيعيًا كأقرانها. وقف الأطباء مكتوفي الأيدي، لا يملكون إجابات شافية، بل مجرد استنتاجات مبهمة ومفجعة. فما نعرفه اليوم باسم «الإعاقة الذهنية الشديدة»، كان في ذلك الزمان بمثابة حكمٍ مؤبدٍ بالمجهول والعزلة. لم تكن هناك أنظمة دعم، ولا علاجات واضحة.. فقط خوفٌ مطبق… وصمتٌ ثقيل.

قيل لـ«بيرل» بعباراتٍ لا تقبل التأويل، إن ابنتها لن تحظى يومًا بحياة مستقلة.

في عام 1924، تلقت خبرًا شطر حياتها نصفين؛ إذ أخبرها الأطباء أن ابنتها لن تنمو أبدًا كباقي الأطفال، ولن تنطق بكلمة، وستظل معتمدة على غيرها طوال حياتها. في تلك اللحظة القاسية، أدركت «بيرل إس. باك» أن المستقبل الذي طالما رسمته في مخيلتها قد تلاشى بلا رجعة، وأن زواجها ينهار، ومواردها المالية لا تفي بالحاجة، لتجد نفسها في مواجهة واقع مرير لم يهيئها له أحد. وهكذا، وسط هذا الركام، لم تجد ملاذًا سوى الشيء الوحيد الذي تتقنه عندما يصبح ثقل الحياة لا يُحتمل: الكتابة. لم تكن الكتابة حينها ترفًا فنيًا، بل كانت طوق نجاة وضرورة ملحة للبقاء.

وهذا العالم تحديدًا هو ما قررت أن تسكبه على الورق، رغم أصوات المثبطين الذين أخبروها أن أحدًا لن يهتم، فمن ذا الذي قد يرغب في القراءة عن فلاحين صينيين في خضم «الكساد الكبير»؟ لكنها أصرّت، وكتبت عمّا تعرفه حق المعرفة؛ كتبت عن الأرض، والجوع، والروابط الأسرية، وعن تلك الكرامة الصامتة لأشخاص لا تتصدر أسماؤهم عناوين الصحف. وفي عام 1931، نشرت روايتها «الأرض الطيبة» (The Good Earth)، التي لم تكتفِ بتحقيق نجاحٍ ساحق، بل حطمت حاجزًا خفيًا حين جعلت ملايين القراء يرون انعكاس أنفسهم في حيوات كانت تبدو لهم، في ظاهر الأمر، غريبة وبعيدة.

لم يكن هذا النجاح ترفًا، بل كان حرفيًا خشبة الخلاص؛ فقد منحها القدرة على التكفل بنفقات رعاية ابنتها، واتخاذ قرارات كانت تبدو مستحيلة، وإعادة بناء حياتها على أسس أكثر صلابة. ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف «بيرل» قط؛ ألّفت عشرات الكتب، وحصدت جائزة «بوليتزر»، لتتوج مسيرتها في عام 1938 وتصبح أول امرأة أمريكية تنال جائزة «نوبل» في الأدب. ولكن، بعيدًا عن بريق الجوائز، كان أثرها الحقيقي يتجلى في بُعدٍ أعمق: لقد أثبتت أن التعاطف الإنساني قادر على اختراق الحواجز الثقافية، وأن القصص تحمل قيمة عظيمة حتى وإن جاءت من أقاصي الأرض التي يعتبرها البعض نائية. وفوق ذلك كله، برهنت على أن الدافع الذي يغير مجرى حياة إنسان – بل وحياة الكثيرين – لا ينبع دائمًا من شغف الموهبة أو بريق الطموح، بل قد يولد من رحم حاجةٍ قاهرةٍ لا تترك لصاحبها خيارًا سوى المضي قدمًا.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

شادن بنت ناصر

كاتبة من الرياض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى