الاغتراب في الروايةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-30 21:37:51

د. أشرف إبراهيم محمد زيدان

جامعة بور سعيد/كلية الآداب/مصر

هايك هارتنج1

ترجمة: د. أشرف إبراهيم محمد زيدان

مراجعة: أ.د. جمال الجزيري

تتداخل مفاهيم "الهجرة" و"الشتات" و"المنفى" بشكل متفاوت بوصفها فئات مضمونية ونظرية واجتماعية وتاريخية ونقدية تُستخدَم لقراءة روايات وقصص القرن العشرين العالمية المكتوبة باللغة الإنجليزية. وتتداخل معاني هذه المصطلحات الثلاثة إلى حد ما لأنَّها تهتم بالتمثيل الثقافي والسياسي للأفراد أو الجماعات، التي تنتقل عبر حدود قومية وجغرافية ونفسية محددة، إما طوعًا أو كَرْهًا أو اضطرارًا. إنَّ روايات وقصص الهجرة والشتات والمنفى في الكثير من الأحوال تعيد النظر أو التخيُّل في طبيعة وشرعية مفاهيم من قبيل الهوية والتاريخ والذاكرة والمكان. من جهة المضمون، تستكشف هذه النصوص السردية المفاهيم التقليدية والمعاصرة للوطن والتشرد والإزاحة والانتماء وعدم الانتماء القومي والثقافي. وتاريخيًّا، ترصد هذه الأعمال حركات الهجرة الكبيرة التي تميَّزَ بها القرن العشرون، وكان سببُها انهيارَ الإمبراطوريات الأوروبية، والتغيراتِ الجيو-سياسية للدول المستعمَرة التي صارت مستقلة الآن، وكذلك ظهورَ العولمة. ويمكننا أن نُدْرِجَ أعمالاً سردية متفاوتة تفاوُتَ قصص مافيس جالنت (Mavis Gallant) القصيرة وروايات روميش جونسيكيرا (Romesh Gunesekera) تحت واحد أو أكثر من هذه المصطلحات والأحداث.

ومع ذلك فإنَّ مصطلحات الهجرة والشتات والمنفى فئات فضفاضة أو غير دقيقة من النقد الثقافي، وعادة ما تُستخدم بوصفها مصطلحات قابلة لأن تحل محل بعضها البعض أو مظلة مفاهيمية تغطّي الآثار المتفاوتة للغاية الناتجة عن الهجرات الكبيرة للناس بسبب التحرر من الاستعمار أو الاستعمار الجديد أو الحروب الأهلية أو الحروب العالمية أوالفقر أو نزع الملكية أو العنف السياسي أو عمليات التحديث أو التمدين أو الكوارث البيئيِّة. لذلك يتزايد إلحاح كتّاب ونقاد ومفكرو ما بعد الاستعمار على ضرورة تدقيق معاني هذه المصطلحات واستعمالها استعمالاً متمايزًا عن بعضها البعض، كما أنهم ينادون بقراءة دقيقة للطُّرق التي تؤثِّرُ بها قضايا العِرق والعِرقية والجيندر والهويَّة الجنسية (sexuality) والاقتدار والطبقة الاجتماعية في تشكيل معنى كل مصطلح من هذه المصطلحات في السياقات السردية المختلفة. ويسعى هذا الإصرار إلى تأصيل كيفية عمل هذه المفاهيم المتداخلة معًا، كما يسعى إلى أن تستندَ طرقُ الفهم المعاصرة للهوية الثقافية والاختلاف وتشكُّل الأُمَمِ وممارسات المواطنة العالمية على المصطلحات التي تندرج تحت هذه المفاهيم ذاتها. ومع ذلك، كثيرًا ما يتمُّ طمسُ تفرُّدِ كلِّ مصطلح من هذه المصطلحات بسبب أصلِها السائد المشترك في التوراة. ففي الموعظة الثالثة من سفر التثنية، يحذر نبيُ الله موسى بني إسرائيل، قائلًا لهم: "ويشتتكم الرب في جميع الشعوب، من أقاصي الأرض إلى أقاصيها، وتعبدون هناك آلهة غريبة لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم وهي من خشب وحجارة" (سفر التثنية: الإصحاح 28؛ الآية 64). ومن جهة الاشتقاق، تشير كلمة (diaspora) (الشتات) إلى الكلمة اليونانية (speiro) التي تعني (نثر البذور)، وحرف الجر (dia) يعني (فوقَ). وأنْ تُنثَرَ بالقوة يعني أنْ تُطرد من موطنك الأصلي أو وطنك الموعود وتُلْقَى في منفى الشتات، وهو عقابٌ بشعٌ يتضمن الترحال والهجرة الدائمين، كما أنه عقاب يُغيِّرُ بدوره سلوكَ المنفيين الاجتماعي وممارساتهم الثقافية والأخلاقية وتكوينهم الوجداني والعاطفي. في الواقع، يولِّدُ المنفى الشتاتيُّ-كما وُصِفَ في سفر التثنية —حالةً من تعبِ الأعصابِ والتعلُّق بين الحياة والموت والرعب (سِفر التثنية: الإصحاح 28؛ الآية 66) وعدم الإحساس بالأمان، ويولِّدُ "قلوبًا مضطربة وعيونًا كليلةً ونفوسًا بائسةً" (سِفر التثنية: الإصحاح 28؛ الآية 65). ويسبب هذا المنفى الشتاتي تفسُّخَ ما كانت يبدو عليها من قبل أنها جماعة متماسكة وتحويلها إلى حالة من الهشاشة الاجتماعية والسياسية والحنين إلى الكلِّ المترابط. أما على المستوى الأدبي، تقترن حالةُ المنفى أو الطرد في العادة بحال من الحنين الشجي للعودة إلى الموطن الأصلي، وهو الأصل الذي يميل المنفيُّ لاحقًا إلى إضفاء الطابع الرومانسي عليه باعتباره مكانًا متجمِّدًا في الزمان، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى الاستيقاظ من الوهم عند العودة إليه.

ما يظلُّ وثيقَ الصلة بالتمثيل الأدبي للمنفى هو تركيبته الوجدانية ومنطقه الوجداني، أي الاحساس العميق بالخسارة والتشرد. ومع ذلك، في حين أن ملحمتَيّ هوميروس (Homer) أضفتا الطابع الأسطوري على رحلة خلاص بطولي وعودة بطولية، نجد أنَّ الكتَّاب في العصر الحديث وفي أواخر العصر الحديث من أمثال جيمس جويس (James Joyce) وجورج لامنج(George Lamming)  وجين ريز (Jean Rhys) وديرك ولكوت (Derek Walcott) قد أكدوا على جوانب غموض المنفى وتجاربه ذات الأبعاد التاريخية المتعددة. فعلى سبيل المثال، في رواية جين ريز — التي تحمل عنوان "رحلة في الظلام" (الطبعة الأولى 1934؛ الطبعة المشار إليها هنا نشرت في عام 1969)، وهي رواية سيرة ذاتية كتبتْها ريز في بداية مشوارها عن هجرتها من جزر الكاريبي إلى لندن- تلاحظ الراويةُ (آنا مورجان) أنّ وصولَها إلى لندن جعلها تشعر "كما لو كانت ستارة قد أُسْدِلَتْ، وأخفتْ عنّي كلَّ ما عرفتُه طوال حياتي. كان الوضعُ يكادُ يشبه الولادةَ من جديد" (ص: 7). فمن جهة، يوحي مفتتح الرواية بأننا مقبلون على معايشة سرد حداثي للمنفى باعتباره إمكان حدوث ولادة جديدة تتجاوز حدود التاريخ. وعلى الجانب الأخر، تشير الرواية إلى صَدْعٍ في تكوينِ آنا العاطفيِّ وهويَّتِها. فهويَّتُها يشكلها على نحو متزايد شعورُها بالاختلاف الثقافي والإزاحة والتشرد. وينحصرُ تصويرُ الرواية للمنفى متعلِّقًا بين استعارتين: وهما الميلاد من جديد والإجهاض. ويُلفت استخدامُ جين ريز للاستعارة انتباهَنا إلى تماسِّ روايات الهوية والمنفى ما بعد الحداثية وما بعد الاستعمارية، في حين أن الاختيار المحدَّد للاستعارة يؤكد على ظلم السلطة الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة التي تم نفيها من الهامش الاستعماري. إنَّ استعارة الميلاد الثقافي أو الروحاني من جديد مَجَازٌ تقليدي يجسِّدُ الآثار التحويلية للهجرة والمنفى، وهي أيضا شائعة في روايات توني موريسون (Toni Morrison)  وجامايكا كينكيد (Jamaica Kincaid) وسلمان رشدي (Salman Rushdie). ولكنَّ مجازَ الإجهاض يبيِّنُ الطرقَ التي تتم من خلالها معايشةُ المنفى بدنيًّا وماديًّا بوصفه جرحًا تبدو آثاره واضحة على الجسد وبوصفه رحلة كئيبةٍ تجاه الموت. والأهم من ذلك أنَّ الإجهاضَ يدلُّ على تجربة منفى ذات طابع جنسيٍّ، أي تجربة خسارةٍ واستغلالٍ جنسيٍّ. في الواقع، إنَّ صدمة نفي أبطال وبطلات الروايات من أرضهم وأجسادهم ولغتهم الأم، فيما بعد صدمة وقوعهم في فخِّ بِنى الفقر والفصل العنصري والعنف الجنسيّ، تكوِّن تجربةَ منفاهم وتشكِّلُها في روايات وقصص وقصائد الكتّاب السود من أمثال بيسي هيد (Bessie Head) (على سبيل المثال: رواية مسألة سلطة، 1974)، وجوان رايلي (Joan Riley) (عدم الانتماء،1985)، وبن أوكري (Ben Okri) (حوادث عند الضريح، 1986)، وبوتشي إيميتشيتا (BuchiAmecheta)  (مُواطنة من الدرجة الثانية، 1974)، وتسيتسي دانجاريمبجا (Tsitsi Dangarembga) (ظروف قلقة، 1989)، دِيُونْ براند (Dionne Brand) (سَان سُوسِي وقصص أخرى، 1988).

يَشْغَلُ المنفى بوصفه موضوعًا ونوعًا سرديًّا فرعيًا مكانةً مركزية إن لم تكن تعريفيَّةً في كتابات ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها. ومع أنَّ النقاد يميلون إلى التمييز بين المنفى الاختياري (الذي يرتبط في العادة بجالية الكتّاب الأمريكان الذين كانوا مغتربين في باريس بين الحربين العالميتين) والمنفى الذي يتخذ أشكالاً عديدة مثل المنفى الداخلي والديني والجنسي والسياسي والثقافي، وعادةً ما تتداخلُ أشكال المنفى هذه في قصص وروايات العديدين من كتاب ما بعد الاستعمار، وتشكِّل استجاباتٍ معقدة لتجربة الاستعمار والإمبراطورية وما في أعقابهما. ففي أعماله الروائية والنقدية، يرى الكاتب الباربادوسي جورج لامنج أنَّه "أن تكون منفيًّا يعني أن تكون حيًّا" (ص: 24). وفي الوقت ذاته، يَظهرُ المنفى كحالة متناقضة تزخر بـ"التعقيدات"، خاصة "عندما يكون المنفى (...) ذا توجُّه استعماري"(ص: 24). فعندما يُقتلع المنفيُّ الاستعماري بسبب مكائد التجارة الاستعمارية و"يُجَرَّدُ من اسمِه" (ص: 15) ومن تاريخه وثقافته ووطنه ولغته؛ فإنَّه لا يصير أمامه خيار إلا الهجرة. وما أنْ يُنْقَلَ هذا المنفيّ إلى المركز في عاصمة الإمبراطورية، يضطر لأن ينظر لنفسه من خلال علاقة ثنائية بين الذات والآخر. في الواقع، عندما يتعرَّض المنفيُّ للتمثيلات التمييزية والعنصرية من مجتمع البيض الرئيسي، ينظر إلى نفسه على أنه آخر، ويظل ممزقًا بين قُطْبَيّ الانتماء وعدم الانتماء، بين هنا وهناك، بين الهامش والمركز، وكلُّها تعزِّزُ الإرجاء الدائم للوصول، الذي يُفْهَمُ بأنه تنمية إحساس بالوطن يمكنه أن يستوعبَ التعدُّدَ الثقافي والتناقضَ. وتقدِّمُ لنا الأعمالُ الأولى لجورج لامنج (المهاجرون، 1954)، وسام سيلفون (Sam Selvon) (اللندنيُّون الذين يشعرون بالوحدة، 1956)، وأما أتا أيدوو (Ama Ata Aidoo) (أختنا قاتلة الفرحة، 1977)، وأوستن كلارك (Austin Clarke) (نقطة الالتقاء، 1967) تأمُّلات مستفيضة في تناقضات المنفى في الأماكن الحضرية في لندن أو تورونتو، وتركز على الآثار الثقافية والنفسية العنصرية النظامية التي يتعرَّضُ لها منفيُّو المستعمرات كما تركز على اضطرارهم لأن يتأقلموا على بيئة ترفضهم رفضا قاطعًا. وهنا لا يدل التشظِّي السردي والتجريب اللغوي باستخدام لغة إنجليزية هجينة على وضعِ المنفيِّ ما بعد الحداثي بقدر ما تدل على إزاحته الثقافية وموقعه في المجتمع وقدرته على الصمود والنجاة.

فبالنسبة للعديد من كتاب ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين ينتمون للإمبراطورية البريطانية السابقة، فإنّ شكل وتجربة المنفى والهجرة اللذين يصفانِ بدقة متناهية موقفهم وموقف شخصياتهم الروائية قد عبَّرَ عنها إدوارد سعيد (Edward Said) ببراعة في مقالته المهمة "تأملات في المنفى" (2001). ويصر إدوارد سعيد على أنَّ المنفى يقيم علاقة جدلية مع مفهوم الأمة، التي تشغل موقعًا مركزيًّا في روايات الهجرة والشتات. وتعملُ جدليَّةُ الأمة والمنفى من خلال ما يسميه تشارلز تيلور (Charles Taylor) "سياسة الاعتراف"، التي تؤثر على إدراج المنفيِّ في، أو استبعادِه من، هوية قومية متماسكة بدرجة أو بأخرى في بيئته الجديدة. فالدولة الأمَّة قد لا تقدم حلًّا لآلام المنفى أو "حالة الوجود المتقطِّعة" التي يعاني منها الشخص المنفِيُّ. (إدوارد سعيد، ص: 177). وبدلاً من ذلك، يحلم المنفيُّ بأن يعيد صناعه نسيج مجتمعه المقطوع ويحوله إلى "كُلٍّ جديد" (ص: 177)، مما قد يؤدي إلى فرضِ هوية جماعية إقصائية، وهذا الاتجاه يبرزه الكاتب الكندي التنزاني م. ج. فاسانجي (M. G. Vassanji) بطريقة نقدية في رواياته. ولكن المنفيَّ، كما يوضح إدوارد سعيد، متشبِّعُ أيضًا بـ"أصالة الرؤية"(ص: 186) التي تُدْرِكُ طبيعةَ الوطنِ المؤقَّتَةَ وتدرك تعدُّديَّةَ الثقافات. والمنفى، في أكثر تشكلاته تفاؤلًا، يشكِّلُ حالةً "بدويَّة" (ص 186)، أو على حد قول الكاتب الغايانيّ ويلسون هاريس (Wilson Harris)، حالة "عابرة للثقافات" من الوجود والتخيل يمكنها أنْ تُزعزع المعايير الثقافية والسياسية (ص: 241).

وعلى العكس من فكرة المنفى، نجد أنّ أكثر معايير الهجرة استخدامًا في النقد الأدبي تفتقر لسِمتيّ الفوريّة والعنف السياسي المضمر اللتين يتسم بهما المنفى. وتشير الهجرة بوجه عام إلى انتقال (وليس بعثرة) مجموعة من البشر من دولة لأخرى وما يصاحب هذا الانتقال من صراعات خاصة بالانتماء، على الرغم من أنَّ شاليني بيوري (Shalini Puri) (2003) لاحظتْ في الآونة الأخيرة أهمية تمثيلات الهجرة داخل مناطق معيَّنة في كتابات ما بعد الاستعمار (وخاصة في منطقة جزر الكاريبي). ولكنّ مصطلح الهجرة محلُّ خلافٍ لأنَّه يميِّزُ الأشخاصَ المهاجرين على الأشخاص الذين يعجزن عن ترك بلدانهم الأم، كما يتضمن حقهم الشرعي في العودة. وبوصفه مصطلحًا يشمل خلقَ هويَّاتٍ ثقافية هجينة وعابرة للقوميات، تلعب الهجرة دورًا مركزيًّا في أعمال كتّاب كبار، منهم على سبيل المثال لا الحصر سلمان رشدي (آيات شيطانية، 1988)، وبهاراتي موخيرجي (Bharati Mukherjee) (ياسمين، 1989)، وف. س. نايبول (V. S. Naipul) (لغز الوصول، 1987)، ونيل بِيسوونداث (Neil Bissoondath) (وحشية عارضة، 1988)، وجاميكا كينكيد (Jamaica Kincaid) (لوسي، 1990). وكما يشرح لنا سلمان رشدي في مجموعة مقالاته المهمة للغاية (أوطان متخيَّلَة، 1991)، تشكِّلُ الهجرةُ عمليةً مزدوجة للانفصال عن وطن المرء ولكونه"مولودًا عبر العالم"(ص: 17). وفي عملية الانتقال الفردي والثقافي هذه، يصيرُ الزمانُ والمكانُ مُبْهَمَينِ ومتقطِّعَيْنِ ومشوَّهَيْنِ، ولذلك نجد أن التاريخ يُفسحُ المجال للذاكرة، واليقين يفسح المجال للشك، والهوية تفتح المجال للاستعارة والمجاز، و"المدن الفعلية" تفسح المجال لـ"الأوطان المتخيَّلة، لهذا لا توجد إلا في العقل" (ص: 10). ولذا فإنَّ كل ما ضاعَ لا تمكن استعادته باعتباره أصليًّا، ويضطر الكاتب المهاجر لأن يعيد اختراع الَعالَم سرديًّا، وذلك في حد ذاته مشروع ما بعد حداثي وما بعد استعماري في الوقت ذاته. حينئذ يكون المهاجرُ ذاتًا "منقولة" (ص: 17) حرفيًّا ومجازيًّا تمتلك "رؤية مجسَّمَة" أو مزدوَجَة (ص: 19)، وتدخل في "صراع الذاكرة مع النسيان" والسلطة (ص: 14). في الواقع، كما يؤكد لنا سلمان رشدي، الهجرة وضعٌ عالميٌّ، "وعقل المهاجر يضرب بجذوره في نفسه، في قدرته على تخيُّل العالَم وإعادة تخيُّلِه" (ص: 280). ومن المثير للاهتمام أنّ رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي تصور الطرق التي يمنح بها التاريخُ المهاجرَ دورًا ثابتًا (وغير مجامِل بطبعه) في المخيِّلَة أو المِخْيَال (imaginary) الاجتماعي والسياسي لمجتمع العاصمة، وهو الأمر الذي يخلق إحساسًا بالاغتراب البدني والفكري واللغوي الشديد. إنّ تمثيل الرواية لوضعِ المهاجر يبدو أقل احتفاء من التمثيل الذي تقدمه مقالات سلمان رشدي. وفى الواقع، كما يتضح من مهنة إحدى شخصيات الرواية، وكما نستشفُّ من روايات بولين ميلفل (Pauline Melville) ، إنَّ المهاجر شخص يتكلَّم بصوتٍ ثقافي، غير صوته،(cultural ventriloquist) محبوسٍ في استعارات ليست من صنعه2. ومع ذلك، تظل رؤية سلمان رشدي للهجرة رؤية متفرِّدة وفرديَّة، فلا يوجد فيها مُتَّسَعٌ للفاعلية الجماعية أو تحوُّل المجتمعات تاريخيًّا.  ولكن في سياق آخر، يمكن للهجرة أيضا أن تدل على حالة من الهروب والبقاء والتغير. ففي مجال دراسات النساء السوداوات، توحي الهجرة بشبكة معقدة من المنعطفات والانتقالات المادية والرمزية التي من خلالها تنطلق طقوس التعافي الثقافي. وتعد رواية "لوسي" لجاميكا كينكيد من الروايات المهمة في هذا السياق، فنجد في هذه الرواية أن تجربة المهاجر تشكِّلُ نوعَ الروايةِ السرديَّ، باعتبارها "رواية تكوين"3، كما أن هذه التجربة، على مستوى المضمون، تتيح للوسي ابتعادًا تاريخيًّا وشخصيًّا عن جزيرتها الكاريبية مسقطِ رأسها وعن أمِّها المستبدَّةِ. وأما ومع أنَّ الهجرة تغرس رغبات ومفاهيم متناقضة خاصة بالانتماء، فإنِّها تمكِّن لوسي أيضًا من استعادة شعورها بذاتها كفنانة. والهجرة بوصفها مجازًا أدبيًا وتجربةً ماديةً تتحدى مفاهيم الأصالة الثقافية، وتسلِّط الضوء على الطرق التي تظهر بها الهويَّاتُ من خلال سياسة التمثيل المعقدة.

مع أنَّ فكرة الشتات ليست فكرة جديدة، فإنَّ رواجَها الحالي في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية ظاهرة حديثة نسبيًّا، وهي بوجه عام مرتبطة بصدور العدد الافتتاحي من مجلة (الشتات) في عام 1999. فإذا كان مفهومًا الهجرة والمنفى مفهومين مرتبطين جدليًّا بالأفكار السائدة عن الدولة الأمة، فإنَّ فكرة الشتات تدل على المفاهيم ما بعد القومية والعابرة للقوميات الخاصة بالهوية. ويتغلب مفهوم الشتات على التوابع الإنسانية والثقافية المترتبة على فشل الدول الأمم في أعقاب العولمة وأعقاب الإمبريالية. ويميز النقاد بوجه عام بين نوعين من الشتات: التشكُّلات القديمة للشتات (وتشمل شتات اليهود وشتات الأرمن وشتات الفلسطينيين وشتات الأفارقة)، والتشكلات الجديدة للشتات العابرة للقوميات بما فيها شتات جنوب آسيا وشتات شرق أسيا. ولكن هذا التقسيم يثير إشكاليةً. فمن جهة، يدل الشتات على التبعثر العالمي لجماعة تعرِّف نفسها ليس فقط من خلال وطنها الأم، ولكن أيضًا من خلال المخيِّلة الثقافية المشتركة والصدمات التاريخية وروايات البقاء والأشكال الجديدة للتواصل وبناء المجتمعات، كما يتضح من روايات أميتاف جوش (Amitav Gosh) (حدود الظل، 1988) و م. ج. فاسانجي (لا أرض جديدة، 1991). ولذلك فإنَّ الشتات واقع في خطر أن يتحوّل إلى صورة مثاليّة باعتباره وضعَ العولمةِ الاجتماعي والثقافي النموذجيَّ. وعلى الجانب الآخر، يتشكل كلُّ شتاتٍ من خلال جغرافيته الخاصة وثقافته الخاصة وتاريخه الخاص، وبالتالي يعبِّر عن مطالبه بالاستقلال السياسي والقومي الذاتي.

في الرواية المعاصرة، يمكن تطبيق مفهوم الشتات بوصفه مصطلحًا وصفيًّا (Cohen1997) وبوصفه نوعًا من أنواع إنتاج المعرفة الثقافية (Brah 1996). ويركز الاستعمال الوصفي للشتات على المغزى الرمزي والحرفي لوطن الأجداد، والقوة الموحِّدة التي تمارسها الذاكرة الجماعية، والحنين النوستالجي للعودة إلى وطن يزدادُ هروبًا وزئبقية يومًا بعد يومٍ. وبالتالي فإن هذا الاستعمال الوصفي يكون حاضنًا لإمكانية أن تكون أنواع الشتات رجعيَّة ولخطر سردٍ تبسيطي لهوية شتاتٍ قائمة على "منهجٍ استبداديٍّ في تناوُلِ العِرقِ والعِرقيَّة" (Gilroy 1993,98). وتمثِّلُ القصص القصيرة لحنيف قُريشي (Hanif Kureishi) (مثل قصته "ولدي المتعصِّب"، 1994) (1994) ورواياته (مثل "بوذا الضواحي"، 1990) نموذجًا لتناقضات الشتات؛ لأنَّها تنغمس في خطرين مختلفين جدًّا: وهما صعود الهويات الشتاتية الأصولية، وانحراف مجتمعات الشتات نحو السياسة "المهدِّئة" المتمثلة في التعددية الثقافية والخاصة بالدولة الأمة (Kamboureli 82).

وبوصفه نوعًا من أنواع النقد الثقافي، يقوم مصطلح "الشتات" بوظيفة المفهوم النظري والاستراتيجية السردية التي يمكننا من خلالها أن نرى مواضع الاتصال والانفصال التاريخية في صناعة الفضاء الاجتماعي والثقافي والقومي.  وفي هذا السياق، برزت الأهمية الكبيرةُ للأعمال النقدية لستيوارت هول (Stewart Hall) وجيمس كليفورد (James Clifford)  وهومي بابا (Homi Bhabha) وراي تشو (Rey Chow) ور. رادهاكريشنان (R. Radhalrishnan) وسمارو كامبوريلي (Smaro Kamboureli) وليزا لو (Lisa Lowe)  وبول جيلروي (Paul Gilroy). وبالرغم من وجود بعض الاختلافات النظرية بين هؤلاء النقاد، فإنهم كلهم يفهمون الشتاتَ على أنه عملية غير منتهية من الالتفافات والاتصالات والاختلافات التاريخية بين الثقافات والتجارب المتنوعة الخاصة بالإزاحة. ويؤكد هؤلاء النقاد أنَّ الشتات "لا يتم تعريفه من خلال جوهره أو نقائه، ولكن من خلال إدراك تغايره وتفاوته الضروريين، ومن خلال تصوُّرٍ عن "الهوية"يعيش بالاختلاف ومن خلاله، وليس بالرغم منه، ومن خلال الهُجْنَة" (Hall 24). ولقد قدم لنا كتّاب من أمثال ديون براند (Dionne Brand) (عند اكتمال البدر وتحوُّلِه، 1999) وزادي سميث (Zadie Smith) (أسنان بيضاء، 2000) ومايكل أُونداتشي(Michael Ondaatje) (شبح انيل، 2000) وديفيد دابيدين (David Dabydeen) (المقصود، 1991) صورًا متعددةَ المستويات لتجربة الشتات، مشتملةً على اصطباغ التجربة بأشكال من الحنين الغريب وعدم الإحساس بالأمان فيما يتعلَّق بالأنساب. ويصرُّ هؤلاء الكتّاب إصرارًا راسخًا على أن حالة الهجين الثقافي تشمل رغبةً مؤلمة في اكتمال مستحيل ويمزِّقها العنف التاريخي والجنسي والعنصرية. كما تتناول رواياتُهم وقصصُهم الكتاباتِ التاريخيةَ المُخَلْخِلَةَ للسائد - العبودية وعبودية الانتقال4 غزو الأمريكيتين وعصر التنوير الأوروبي - التي تطاردُ حاضرَ الشخصيات في الشتات، وتحدد كيف أن جدليةَ "الجذور" و"المسارات" هي التي تتحكم في بناء حياتهم. ومع أنَّ ظاهرة الشتات يتم الخلط بينها خلطًا خاطئًا في العادة وبين التجربة الخاصة بالشعوب الأفريقية، فإنَّ قوة دفع المفهوم نحو إعادة تخيُّلِ الحداثة الثقافية ذاتها، ونحو التخلُّصِ من القيد التقليدي الذي يبدو طبيعيًّا بين"المكان والموقع والوعي" (Gilroy 2000, 213) كان ومازال وسيلة مهمَّةً لكتّاب أنواع الشتات المختلفة. وعلى هذا الضوء، كان الشتات وما زال مثمرًا، ومكَّن الكتَّابَ من أنْ يستكشفوا "التقارب" وليس "التباعد" بين الجماعات المختلفة للشعوب التي تم تشتيتها بعنفٍ.

 

الهوامش

  -1 Harting, Heike. "Migration, Diaspora, and Exile in Fiction". The Encyclopedia of Twentieth-Century Fiction. Vol. 3: Twentieth-Century World Fiction. Ed. John Clement Ball. West Sussex: Blackwell Publishing Ltd, 2011. Pp. 1221-1225.

2 - يدل مصطلح (ventriloquism) أو (ventriloquy) على التكلُّم من البطن، كما يفعل محرِّك الدُّمَى، فيُصدرُ صوتًا لا نراه يُصدره، وإنما نسمعه كما لو كان بعيدًا عنه وكما لو كان يخرج من الدمية ذاتها، ونجده أيضا في شخصية الوسيط الروحاني الذي تتكلم الروح على لسانه، وفي جلسات طرد الجن من الجسم عندما يتكلم الجن على لسان الشخصية الممسوسة. ويشير المصطلح من الوجهة الثقافية وفي الدراسات النقدية إلى أن صوت الكاتب ليس صادرًا منه أو نابعًا منه، وكأنه ليس له صوته الخاص، ويتكلم بلسان جماعة أخرى أو ثقافة أخرى (المراجع).

3 - رواية التكوين (Bildungsroman) رواية تتناول سنوات التكوين في حياة البطل أو البطلة، والخبرة التي يكتسبها طوال هذه السنوات على مستوى التجارب الحياتية أو الوعي أو النمو الروحي، وما إلى ذلك. والمصطلح مكون في اللغة الألمانية من كلمتين: وهما (Bildung) التي تعني "تعليم" و(roman) التي تعني رواية. وتركز الرواية على نمو البطل على المستوى النفسي والأخلاقي وسنوات تكوينه عند الانتقال من الطفولة والمراهقة إلى مرحلة البلوغ. ويقابلها في الإنجليزية أحيانًا مصطلح "قصة البلوغ" (coming-of-age story)، وغالبًا ما ينتقل البطل من بيئة إلى أخرى أو ينطلق في مغامرة أو يهاجر أو يدخل في سلسلة تجارب جديدة عليه تختبر شخصيته وتنمّيها وتجعله يكتسب خبرة بالحياة والدنيا من حوله، كما في رواية "شاورما" للكاتب السوداني عماد البليك (المراجع).

4 - عبودية الانتقال (indenture) مصطلح تاريخي يعود للقرنين السابع عشر والثامن عشر في التاريخ الأمريكي حيث كان المهاجرون الأوربيون يقضون فترة يعملون فيها عند مالك الأرض كثمن لمواصلاتهم أو انتقالهم عبر المستعمرة التي يمتلكها، وذلك من خلال توقيع عقد مع المالك، وكانت النتيجة أن نصف المهاجرين تقريبا قضى كل منهم فترة ثلاث سنوات في العبودية. والكلمة كانت تستخدم قبل ذلك للدلالة على نوع من العقود (المراجع).


عدد القراء: 1228

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-