روايات الحرم الجامعي (2-3)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:41:36

د. أشرف إبراهيم محمد زيدان

جامعة بور سعيد/كلية الآداب/مصر

  1.6. أنواع روايات الحرم الجامعي في القرن 19.

يمكننا تقسيم روايات القرن التاسع عشر الأكاديمية إلي أنواع متنوعة. فروايات المشاغبين (rowdyism) تصور الطالب بوصفه مهرجًا مبذرًا معاديًا للسلطات الجامعية لزملائه المجتهدين، وخير مثال لهذا التقليد هو الفصول الأربعة لرواية ثاكري (بندينس) التي تصور الحياة في جامعتي أوكسبردج، وقد دخلت بعض موضوعات روايات المشاغبين إلي الروايات الجامعية في القرن العشرين، وقد صُوِّروا على النحو التالي: جامعيون فقراء مخادعون، ومراسم استقبال الطلاب الجدد، والصداقة بين كل الأطفال الذكور، والفلسفة التي تنادي بأن سلوك الأطفال المشين أو الطفولي هو السلوك الطبيعي للفتيان أو الشباب ويجب ألا يسبب الدهشة عند حدوثه (الموضة على سبيل المثال) ، كما تنادي بالتسامح مع الحياة الصاخبة، وتنظر إلي النساء باحتقار.

وقد شهد النظام الجامعي سلسلة من الاصلاحات ما بين عامي 1825م و1875م بخصوص: المناهج الدراسية والامتحانات وتعيين المدرسين ورؤساء الكليات وقبول الطلاب، وبما أن دور الرواية الجامعية يتضمن وصف الواقع؛ فإنها تعكس هذه التغيرات، ومن ثم بدأت تصور الأنشطة الأكاديمية تصويرًا واقعيًا، مثل: الامتحانات والجوائز الأدبية وحلقات المناظرات... وهلم جرا، وفي الروايات الأولى لا نجد تركيزًا على الامتحانات والسعي للحصول على المنح؛ لأن الغالبية العظمى من الطلاب كانوا من طبقات غنية، وكل الوظائف كانت متاحة أمامهم؛ ومن ثم ما كانوا في حاجة ملحة إلي نتائج الامتحانات، وتضمن نظام قبول الطلاب الجديد أو المعدل وصول نوع جديد من الطلاب الجادين الذين لعبوا دور البطولة في هذه الروايات؛ ومن ثم كانوا يستاؤون من نظرائهم المشاغبون، وفي بعض الروايات يستطيع هؤلاء المشاغبين إفساد البطل، ولكنه يحقق آماله وأهدافه العلمية والحيوية في النهاية: ومن ذلك رواية توماس هيوجز (توم براون في أوكسفورد/ 1861): تتبع القصة شخصية (توم براون) إلى كلية سانت أمبروز الخيالية في أكسفورد، وتقدم انطباعًا حيًا عن الحياة الجامعية في منتصف القرن التاسع عشر.

ومع حلول 1870م وجدت الجامعة نفسها محور أسئلة ونقاش التربويين والمثقفين بخصوص وظيفة الجامعة، ومن هذه الحوارات والمناقشات: ما فائدة وجدوى التعليم الجامعي؟ وما أهدافه،؟ وأيهما أفضل التعليم: الليبرالي أم العلمي المفيد؟ فالعلماء وعلى رأسهم توماس هكسلي، والفلاسفة التجريبيون (هيربرت سبنسر) مارسوا ضغوطًا من أجل التعليم العلمي والعملي، وفي المقابل نجد أن المتخصصين في العلوم الإنسانية مثل كاردينال نيومان وماثيو أرنولد يعطون أولوية للتعليم الليبرالي؛ لأنه يغذي الروح، وجعل الهدف من التعليم الجامعي تنقية عقلية الطالب وتهذيبه بدلًا من حشوه بالمعرفة العملية؛ ففي كتابه (فكرة الجامعة /1873م ) يعبر نيومان عن حاجة المجتمع إلى التعليم الليبرالي؛ لأنه يقدم للمجتمع الإنسان النبيل، وليس المسيحي أو الكاثوليكي، إنه من الأفضل أن تمتلك فكرًا مهذبًا، وذوقًا مُرهفًا، وعقلًا منصفًا نزيهًا غيرَ متحيز، وسلوكًا نبيلًا دمثًا، هذه هي الصفات التي تشبه مبادئ المعرفة، والتي يجب أن تكون أهدافًا للجامعة (ص 3).

فبالنسبة إلى المتخصصين في العلوم الإنسانية يجب أن تقدم الجامعة للطلاب البيئة المناسبة للبحث المستنير النزيه الباحث عن الحقيقة في كل مجالات المعرفة، ويصر نيومان أنه يمكن خلق هذه البيئة فقط داخل المجتمع الجامعي؛ لأن الاختلاط الحر لمجموعة من الشباب المتحمس كريم النفس المتعاطف الملتزم سريع الملاحظة يفضي إلى الكمال الفكري أكثر من حضور المحاضرات أو الدراسات المكثفة. وقد أصبحت نظرية (القيمة المجتمعية للحياة الجامعية) أحد موضوعات روايات أوكسبردج في فترة (ما قبل 1945م)، وقد دافعت عنها(إيفلن وو) وانتقدها(فيليب لركن) في فترة ما قبل عام 1945م. وتعكس روايات أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الجامعية هذا الاتجاه الجديد ذا النزعة الرومانسية، الذي يمكن تلخيصه بـ«عقيدة أوكسفورد»، وتمجد هذه الأعمال الشجاعة الفكرية للبحث النزيه عن المعرفة، ولم يمنع هذا حصول البطل على الجوائز الأدبية والمراكز الأكاديمية الأولى التي يفوز بها، ويصاحبها غالبًا التفوق الاجتماعي المتأنق الذي ميز الشباب المشاكسين  في الروايات الأولى، وقد تعرضت هذه الأعمال للنقد من قبل ماكس بيربوم (Max Beerbohm).

ومن مميزات الروايات الرومانسية الأخرى تقديم أساتذة متميزين، وما زالت هذه الروايات تروى من منظور الطلاب، ولكن تظهر شخصية المدرسين باحترام وتعاطف إذا كانت هناك ضرورة لذلك، ويكمن أحد الاختلافات البارزة بين الرواية الجامعية الحديثة وأسلافها في أن الأخيرة لم تقدم شيئًا عن مشكلات أو طموحات الأساتذة؛ لأنها كتبت من منظور الطلاب الذين لم يمتهنوا فرصة التدريس، فهم خريجون يسجلون انطباعاتهم الشبابية الخاصة فقط، وفي فترة ما بعد ( 1945م) انتقل المنظور السردي من الطلاب إلى المدرسين؛ لأن العديد من الروائيين كانوا من أعضاء هيئة التدريس.

وفي بداية القرن العشرين تخصصت الرواية الأكاديمية في حياة الذكور الجامعية في أوكسفورد وكيمبردج، ولم تغيب الرومانسية في هذه الأعمال؛ بل تظهر عندما يكون البطل في إجازة، أو عندما تصل أخت أحد الزملاء للمشاركة في مسابقة (سباق القوارب). إنها رواية تكتب من منظور الطلاب، وتخصص لتمجيد القيم المجتمعية للزملاء الذكور وإمكانية تشكيل وتهذيب شخصية الطلاب.

1.7. رواية الحرم الجامعي البريطاني

نُشرت في إنجلترا أكثر من ستين رواية تتناول موضوعات تتعلق بالجامعة في القرن العشرين، ومن أهم الكتاب: فورستر، وولف، ماكنزي، إيفيلين وو، آنجوس ويلسون، سنو، وليام كوبر، كنجسلي إيمس، مالكلوم برادبري، ديفيد لودج، وآخرون.

1.7.1. رواية فورستر (أطول رحلة)

في عام 1907م - على سبيل المثال- نشر فورستر روايته الثانية (أطول رحلة) بعد عشر سنوات من ذهابه إلي كمبردج وتمثل الرواية عقيدة كيمبردج، هذا الكتاب مهدى إلى أصدقائه الخريجين، ومقسم إلي ثلاثة أجزاء؛ يطلق على الأول (كيمبردج)، وتعد الرواية قصة جامعية؛ لأنها ترصد الصدام بين بطل الرواية ريكي إليوت (خريج كيمبردج ويمثل مبادئها الملهمة)، والمواقف العدائية لزوجته (آجنس) وأخيها (هيربرت بيمبروك)، وأخيرًا صديقه الفيلسوف (ستيورات آنسل).

تبدأ الرواية بتابلوه للحياة الجامعية في أوكسفورد أو كيمبردج في مطلع القرن العشرين يناقش مجموعة من الشباب في بعض القضايا الفلسفية (قضية وجود الأشياء) في غرفة ريكي، تنفجر آجنس في هذا المشهد المريح؛ لأنها تشعر بالغربة والعدائية وسط هذا الجمع الذكوري بسبب تجاهلها من الجميع الذين لا يعترفون بوجودها، وعندما سمعوا وقع أقدامها، همس الجميع في اهتياج "سيدات"، وبدأ أصدقاء ريكي في الفرار كما يفر الفأر من القط، يراها آنسل - مثل كل النساء- مصدرًا للتهديد والخطر، وخضوع الأنثى للضروريات البيولوجية يجعلها تتناقض بضراوة مع تأملات ونزاهة وحضارة الفلاسفة الشباب، لقد قرأت في الكتب - ولا أستطيع أن أخذل الكتب- أن الرجال والنساء يرغبون أشياءً مختلفة؛ فالرجال يحبون الجنس والعاهرات، وتحب النساء رجلًا واحدًا، وعندما تحصل عليه ينتهى عملها، إنها رسول الطبيعة، ولقد لبت دعوة الطبيعة. وفي المقابل لا يهتم الرجل بالطبيعة إطلاقًا؛ لأنه يهتم بآلاف الأشياء، وكلما كان متحضرًا اهتم بمئات الأشياء الأخرى، وليس يطلب زوجة وأطفالا فقط بل يطلب أصدقاء وحرية روحانية أيضًا.

إن إشارات آنسل للكتب في خطاباته توضح أحد الموضوعات الأكاديمية التي تثيرها الرواية وهي البحث عن الحقيقة من خلال التعلم، وأن يكون غرض المنح الدراسية هو المنحة نفسها، ويستدعي فورستر طموح آنسل في السطور التالية: "جلس آنسل في صومعته المفضلة - حجرة القراءة في المتحف البريطاني - حيث يجد السلام، هناك يعلم أن حياته ليست حقيرة. إنه لجدير بالذكر أن تشيب وتتعفر قدماك بحثًا عن الحقيقة مع أن الحصول عليها متعذر: كل ما نفعله إعادة عرض الأسئلة والقضايا التي ناقشناها من قبل منذ بدء العالم، إن الفشل ينتظره، ولكن ليس خيبة الأمل، ما هو جدير بالذكر عند قراءة الكتب وتأليف كتاب أو اثنين والتي يقرأها القليل من الناس ولكن لا أحد يُظَهِّر شيكًا. إن صوت آنسل، عبر الرواية لهو الصوت الرسمي للرؤية الواضحة والأمانة المتصلبة، وإنه ليخلص ريكي من تعلقه بالروحانيات المتوسطة لحياته الزوجية.

وفي نهاية الجزء المعنون بـ(كيمبردج) إن انتماء ريكي من هذه الجامعة إحساس مقنع بالقيم يوضع تحت الاختبار عندما يضطر أن يختار بين الاعتراف والصمت بخصوص الأخ غير الشقيق وغير الشرعي؛ فتحت تأثير آجنس المغرور البورجوازي الوضيع يسقط في الاختبار، ويظل صامتًا مع أنه ما زال يحتج بوهن عن واجبه تجاه الحقيقة. من هذه النقطة فصاعدا يقول فورستر: إنه يتدهور[...] ظلَّ حيّ الضمير مهذَّبا، ولكن الجانب الروحاني أو الديني اتجه إلى الهاوية، ويتم إصلاح انحلاله الروحي في النهاية من قِبَل آنسل الذي يمثل شخصية كيمبردج في الرواية بالرغم من موته وهو يجر أخاه غير الشقيق من تحت عجلات القطار وهو سكران، ومع ذلك لم ينظر إلى الوفاة بوصفها حدثًا مأساويًا؛ لأن ريكي في هذا الموقف يؤدي واجبه تجاه الآخرين، وهذا ما غرسته الجامعة في نفسه.

1.7.2. قصة حب في أكسفورد (1911)

كما لاحظنا سابقًا: إن مبدأ جعل ذكرياتِ الكاتب جامعةَ أوكسبردج رومانسية للغاية قد سخر منه ماكس بيربوم (خريج أوكسفورد) سخرية لاذعة في 1911م في رائعته الخيالية: (زولييكا دوبسون أو قصة حب في أوكسفورد)، وتحكي القصة التأثير الرهيب لفتاة مغامرة - وهي حفيدة رئيس كلية جودس- على شباب جامعة أوكسفورد، وعلى رأسهم دوق مقاطعة دورست إذ أغرقوا أنفسهم تعبيرًا عن عشقهم لها في نهر إيزيس بعد أن شاهدوا فوز قارب كليتهم على كلية مجدولين، واعتادت زولييكا على هذا التقدير مع أنه لم يكن على نطاق واسع؛ فالنبلاء الروس والأمراء الألمان تقدموا لخطبتها، وقبل أن تغادر مدريد نُصب على شرفها قتال الثور، وقتل خمسة عشر ثورًا بالضربة القاضية، ومات آلْفَارِز (مصارع الثيران) في الحلبة واسمها على شفتيه وقد حاول أن يقتل الثور الأخير دون أن يبعد عينيه عن السيدة الإلهية.

وهذا الكتاب - بالطبع، يسمى "فنتازيا"، ويُعد من أشهر أعماله الكاريكاتورية المشهورة، وقد نالت محاكاته الساخرة من كل موضوعات العقيدة الأوكسفوردية، كسخريته من البطل الأرستقراطي "دوق دورست" الإنسان الأمثل لأوكسفورد الذي فاز بكل الجوائز الأدبية؛ فقد حصل على "المرتبة الأولى" في العلوم الإنسانية، والمراكز الأولى في الرياضة، وكان يرسم بالألوان المائية، ويعزف البيانو مثل المحترفين، ويتحدث كل اللغات الحديثة بطلاقة، ويرتدي ملابسه بأناقة بالغة، ويؤمن بأفكار أرنولد المتعلقة بالصحة الجسدية؛ فقد تم تصوير حياته في أوكسفورد بشكل مبهج وحيوي، وتم تسجيل آمال الدوق العليا والدنيا.

وهناك جزء كبير من المتعة على حساب طالب رودس الأمريكي، هذه الاختلافات تبين تمثيل المعرفة على جانبي المحيط، وقد نال اهتمامًا ونجاحًا واسعين على يد كُتاب الرواية الجامعية في النصف الثاني من القرن العشرين، وبحلول 1911م كان على حساب الخريجات من النساء؛ لذا يلاحظ بيربوم أن الهندسة المعمارية تُمثل بشكل أساسي معيار الجمال في جامعة أوكسفورد؛ فالمكان لم يعد من جنس واحد حيث توجد عذارى سومرفيل وقاعة السيدة مارغريت، ولكن جمال التعلم وشهوته لم ينصهرا بعد. إن زولييكا جميلة ولكنها - مثل آجنس في رواية فورستر- ذات طبيعة روحانية متوسطة وغير أمينة ومبتذلة وليس لديها القدرة على التحمل: "لا أعرف شيئًا عن الموسيقى، ولكنني أعرف ما أريده."، ومع ذلك هناك شيء مميز لهذه الرواية بالرغم من كل هذه المحاكاة الساخرة الكوميدية، ويكمن هذا التميز في الحنين العاطفي العبقري لجامعة أوكسفورد يعبر عنه المؤلف بطريقة درامية في الفصل الثاني عشر؛ حيث تتغلب عليه نزعة إحياء الذكريات، وكأن لسان حاله يقول:

زَمَنٌ تَوَلَّى مِنْ رَبِيعِ حَيَاتِنَا

                             فِي ظِلِّهِ مَا أَجْمَلَ الأَوْقَاتِ

لذا يقدم في كتاب "مهدى لدحض رؤية أوكسفورد" احترامًا مؤثرًا للغاية لروح وشخصية المكان، من ذلك قوله: "لا يوجد في إنجلترا شيء يضاهي جامعة أوكسفورد، إن كلمة أوكسفورد سواء مكتوبة أو منطوقة تشحنني بسحر أخَّاذ. يتعدد الرواة في الرواية. تبدأ الرواية بسرد الأحداث مستخدمة (ضمير الغائب) الخاص بشخصية زولييكا، ثم ينتقل السرد إلى شخصية الدوق، وفي منتصف الرواية يصبح السرد بـ(ضمير المتكلم) إذ يدعي السارد أن الوحى يأتيه من قبل آلهة اليونان (وخاصة كليو)، حيث يمده زيوس بكل أنواع السرد، وهذا يسمح للسارد أن يرى أشباحًا لزوار أوكسفورد التاريخيين (وهم حاضرون ولكن لا يراهم الجمهور) وهو بهذا يجعل في الرواية حدثًا خارقًا لنواميس الطبيعة. 

1.7.3. رواية كومبتون ماكنزي (شارع مشؤوم/1913-1904)

نشر ماكنزي روايته " شارع مشؤوم" في مجلدين، وتعد من أكثر كتبه شهرة، ويشبه فيها بطل الرواية (مايكل فاين) - ريكي (بطل رواية فورستر) - إذ يكتسب معظم خبراته التكوينية من أوكسفورد، ومن خلال تعاملاته اليومية مع أصحابه الشباب ذوى الخلفيات والأمزجة والمواهب المختلفة؛ ففي غرفهم يناقشون السياسة والأخلاق والأدب، ويساهم كلٌ على حدة في جو من التفكير العلمي الذي يحفزهم كل واحد على حده، وقد تكرر هذا الموضوع في روايات أوكسبردج ليؤكد السمات البدنية، والمكاسب العلقية، والطموحات المختلفة لأصحاب البطل، ومن هذه الروايات سلسلة (الغرباء والأخوة) للكاتب سنو، ورواية ستيورات الخماسية (خريج من صاري)، ويُمَكِّن طولُ هذه الروايات الكتابَ (والقراء أيضًا) من تتبع تطور أعضاء المجموعة في حياة ما بعد الجامعة.

وكما هو الحال مع شخصية (ريكي) في كيمبردج يشعر (مايكل فين) بحيوية أوكسفورد بوصفها قوة مؤثرة في تطور شخصيته وروحه الخاصة التي تَعِدُّه لخدمة الآخرين؛ لذا يقول: "أنا إيجابي لدرجة أني أرى الأفضل في أوكسفورد هو الأفضل في بريطانيا العظمى، وأن  أفضل ما في إنجلترا هو الأفضل للعالم؛ لذا أحن إلي تحقيق القيم التي نحترمها - نحن الخريجين - في العالم أجمع، وأعتقد أن كل مشكلة في الحياة يمكن حلها من خلال سمو الروح التي تجاوزتنا هنا.

يعتقد (مايكل فين) أن مساعدة الآخرين تفرض عليه افتداء وإصلاح امرأة ساقطة كان على علاقة معها في الماضي؛ لذا يسبب له هذا الهدف الوهم وخيبة الأمل كما هو الحال في رواية (أطول رحلة)، حيث يشعر مجددًا بالدونية الروحانية لكثير من النساء واغترابهن عن المثل والقيم المغروسة في شباب أوكسبردج، ولكنها خيبة الأمل هذه يتحملها أيضًا بجلد وثبات استوحاه من أكسفورد.

ربما تشير المشاهد التي يرى فيها القراء نيكي وفين وأصدقاءهما يناقشون المشاكل الفلسفية إلى البدايات الأولى لمجموعة (بلومزبيري)؛ جيث يجتمع ليتون ستراتشي، وفورستر، وليونارد وولف، وكليف بيل، وآخرون في غرفة "جي. إي. مور" في كيمبردج لمناقشة بعض القضايا مثل الوجود الذاتي أو الموضوعي للأشياء، أو المبادئ، بحرية تامة تضاف إليها احترام تام للحقيقة.

1.7.4. غرفة يعقوب

ليس مدهشًا أن تجد صدًى وانعكاسًا للحياة والقيم العليا في كيمبردج في رواية فيرجينيا وولف (غرفة يعقوب/1922)؛ فكوينتن بيل -ابن أخت وولف وكاتب سيرتها الذاتية- يخبرنا بأنه بعد وفاة أخيها (ثوبي) المفزع والمبكر حاولت مرارًا وتكرارًا أن تقنع زملاءه في جامعة كيمبردج أن يمدوها بالتفاصيل الخاصة بحياته الفكرية هناك، إنها ترى أنه فضول وحب استطلاع ممتع ومرير بخصوص المجتمع الذكوري المترفع في كيمبردج، وقد خصص الفصل الثالث من الرواية للحياة الجامعية في عام (1906م)، وتعد هذه الرواية رواية انطباعية، وهي محاولتها الأولى للتجريب الروائي، ويبدو تعبير بيل: " فضول ممتع ومرير" مناسبًا؛ لأن النغمة في هذا الفصل تبدو أكثر سخرية من باقي الرواية؛ فهي - على سبيل المثال - تجعل مشاعر يعقوب وهو في الجامعة معادية للنساء؛ حيث يشعر أن زوجات الأساتذة القبيحات كالخطايا، واللاتي يحضرن  بعض الطقوس الدينية في كنيسة كلية الملك يبدون - كما يشعر- شاردات الذهن؛ لذا يجب أن يمنعن من دخول هذا المكان كما يمنع الكلاب، ويؤكد أيضًا أن أنشطتهن الاجتماعية وعلاقاتهن بطلاب أزواجهن أو زملائهم وحشية دموية.

إن المشاهد الانطباعية الهزلية للحياة في كيمبردج تصور ليس فقط الطلاب، بل أعضاء هيئة التدريس أيضًا، وإن إعجابها المتردد بالقيم الأخلاقية لكيمبردج لا يظهر بوضوح في أي مكان كما هو الحال في صورها الساخرة عن الأساتذة غير المتزوجين الذين يلاحظهم يعقوب وهم يعبرون المبنى بعد العشاء، وإذا نظرنا إليهم من الخارج؛ فإن هؤلاء الرجال مليئون بالعيوب التي تجعلهم يرون الإنسانية فريسة لهم؛ فـ(هاكستبول العجوز) مخمور وضيع للغاية، و(ستوبوز) أعرج وثرثار، و(كوان) راضٍ عن نفسه، ولكن تقول وولف: "ففي حالة اشتعال أي ضوء فوق كيمبريدج يجب أن يكون من غرف مثل غرفهم؛ هنا يشتعل الأدب اليوناني، وهنا العلم، والفلسفة في الطابق الأرضي".

وبالرغم من استيائها فقد رأت أن عليها الاعتراف بأن رأس (هاكستيبول العجوز) يحتوي على أفكار أكثر من كل الرؤوس الأخرى المجتمعة في عربة قطار تحت الأرض، ومن يستمعون إلى أحاديث (ستبوز) في أيامهم الجامعية، سيتذكرونها ويستغرقون في الاسترخاء، ويتأملونها ثانية فينعشون ذاكرتهم مرة ثانية، وعندما يرتل (كوان) اللاتينية تبدو اللغة كما لو كانت خمرًا على شفتيه، حتى ولو عاد (فيرجيل) مرة أخرى للحياة فلن يستمع في أي مكان إلى ما يشبه ذلك، إن عبارة "ليس في أي مكان آخر" مهمة فكيمبردج ترث شيئًا فريدًا لهؤلاء  المحظوظين لدرجة أنهم ترددوا على مناطقها المتفرقة؛ فهي تذكر – مثلًا - أحد طلاب المنحة الإقليميين الذي حاول - في حياته اللاحقة - أن يَحُطَّ من شأن أمسيات ستوبوز العجوز التي تبدو كلها صبيانية عبثية [...] لا، ليس كلها، سوف يرسل ولده هناك، سيدخر كل قرش ليرسله هناك، وتحاول وولف أن تثبت هنا أن أسطورة أوكسبردج قوية حتي عند الذين لا يرتاحون لهما، وذلك بسبب الأساتذة الساحرين، و(غرفة يعقوب) تعكس بإعجاب غموض مشاعرها تجاه كيمبردج فهي تشعر بالاستياء بسبب استحواذ الذكور عليها ذلك الاستحواذ الذي تم نقده ببراعة في رواية (غرفة خاصة بك) ، وفي الوقت نفسه تشعر بالإعجاب والاحترام لما تمثله من انجازات فكرية.

وتعد (غرقة يعقوب) رواية مثيرة للذكريات. وفي أواخر العشرينيات بدأت روايات أكسفوردية تحمل قدرا أكبر من الحنين بسبب التغيرات التي حدثت في أكسفورد في فترة ما بعد الحرب، خاصة مع وصول كبار السن ممن كانوا يخدمون في الجيش، وعدد كبير ممن حصلوا على المنح، وزيادة عدد الطلاب إلى حدّ جعل من المستحيل أن يعيشوا جميعًا في الكليات، وأخيرًا بسبب انهيار القيم التقليدية لمجتمع التعليم في أوكسفورد، وقد نُشرت روايتان في (1921م)، الأولى: للكاتب جيرالد هوبكنز (مدينة في المقدمة)، والثانية: لبيفرلي نيكولز (تلاقيط)، تؤكدان خيبة أمل البطلين في أكسفورد التي تختلف الآن تمامًا عما هو في رواية (شارع مشؤوم)؛ حيث يشعر الطلاب - خاصة الحاصلين على منح - أن حصولهم على الدرجة العلمية يمكنهم من الحصول على وظيفة؛ لذا أولوا أهمية قصوى لحضور المحاضرات أكثر من التأملات والحوارات والندوات الفلسفية والفكرية الخاصة بـوجود الأشياء وفلسفة الحياة.

1.7.5. الرواية البوليسية

منذ ثلاثينيات القرن العشرين فصاعدًا ظهر نوع أدبي جديد يعالج موضوعات تتعلق بــ أوكسبردج، ويتخذ جامعتي أوكسبردج مسرحًا لأحداثه: الرواية البوليسية، وكان المؤلف (غالبًا) أستاذًا من كيمبردج أو أكسفورد، ويتم سرد الأحداث من قبل الأساتذة وليس الطلاب. وتجد القصة البوليسية مجالاً في الوسط الأكاديمي؛ نظرًا لأن جماعات المشبوهين التي يتطلبها هذا النوع، أمر طبيعي في مثل هذا السياق، كما أن الحياة الجماعية التي قد تكون خانقة في الجامعة الأقدم تمنح المؤلف مادة خصبة لمؤلفاته، إذ يجد مجموعة من الشخصيات الذكية وربما غريبة الأطوار، وقد يكون كل منهم معرضًا لارتكاب الجريمة –غالبًا تكون القتل.

إن التدريب الأكاديمي فرصة ثمينة لكتاب القصة البوليسية، والعلاقة وثيقة بين البحث الأدبي والتاريخي والاستجواب الشرطي؛ فإن معظم الرسائل الأكاديمية تهتم بتفسير عدد من الوقائع أو الوثائق والبحث عما فيها من دلالات، وهذا في الواقع شبيه بما تفعله الرواية البوليسية؛ فإن نتائجها تعتمد على اكتشاف الجريمة عن طريق تفسير المعلومات (الأدلة).

لقد نُشرت أكثر من ثلاثين رواية ما بين 1933م و1965م، تدور أحداثها في جامعة إنجليزية؛ ثلاث عشرة منها في أوكسفورد، وسبع في كيمبردج، والباقي في أماكن متفرقة ما بين دبلن، وادنبرا، ولندن؛ وفي كثير من الأحيان يجري التحقيق من قبل أستاذ جامعي، ويكون المتهم أستاذ آخر أو بواب داخل الجامعة.

لبعض هذه الروايات عناوين متميزة، منها: (أستاذ بين الأموات)، (قتل في كيمبردج)، و(قتل بواسطة الرياضيات)، ورواية جون سيسل ماسترمان (مأساة أكسفورد) تسير على نفس المنوال: يقتل شخص، وغالبًا ما يكون مدرسًا فظًّا غير محبوب، ويقوم أحد الأساتذة الزائرين بحل لغز الجريمة، وقد استلهم (سنو) و(ستيورات) هذه التيمة في أعمالهما لاحقًا، وتؤكد هذه الروايات باستمرار الكثير من الحب والحنين الرسمي لذكريات جامعة أوكسفورد وجمالها وهندستها المعمارية.

وقد قدمت (دوروثي سِيرز) بعد عامين اتجاهًا جديدًا للرواية الجامعية البوليسية عندما وضعت روايتها التاسعة (ليلة المهرجان) في كلية البنات في أوكسفورد، ولا يتعامل الكتاب فقط مع جرائم القتل، ولكن يلقي الضوء على مظاهر التخريب والتهديد في أثناء مهرجان أوكسفورد للخريجين، وقد كشفت (هاريت فين)، كاتبة الرواية البوليسية، شخصية المجرمين وخطيبها العميل السري الارستقراطي (لورد بيتر ويمزي) الذي يعد حقيقة إعادة تجسيد للسوبرمان الأوكسفوردي الرومامنسي (دوق دورست)؛ فهو يتسم بالذكاء، والشجاعة، وممارسة الرياضة، وروح الشباب، وعشق النبيذ الأحمر، والكتب؛ وبما أن (هاريت فين) لم تعد إلى كليتها منذ فترة طويلة فإن سيرز لديها كثير من الفرص الشرعية لتسجل مظاهر الحياة الأكاديمية.

إن الرواية - في مجملها - أكاديمية: الشخصيات الرئيسة أكاديميون، وهناك الكثير من الإشارات لهيئة التدريس النمطيين في أوكسفورد، والأنشطة الطلابية مثل: تسلق برج مجدلين قبل شروق الشمس في عيد العمال، وتناول الخمر والبسكويت في غرفة وردون، ويتحدث الكتاب بتقدير وإعزاز عميقين عن المنحة الدراسية والحياة الفكرية، فكل فصل يتضمن اقتباسًا ينم عن جلال المعرفة كعنوان، ويتصدر الكتاب اقتباس من (جون دن) يؤكد أن: "الجامعة جنة أنهار المعرفة، فمن هناك تنساب الفنون والعلوم." وبصرف النظر عن مزايا الرواية أو عيوبها فإنها تقدم صورة حية لكليات البنات أكثر مما فعلته رواية فيرجينيا وولف (غرفة خاصة بك).

وقد نشر الكاتب (جي.  آي. إم. ستيورات) رواية (وفاة في مسكن الرئيس) عام (1935م)، ويطلق عليها أيضًا (سبعة مشتبهون في أمريكا)، وهي تعد أول رواية أكاديمية بوليسية بواسطة كاتب أثرى الوسط الأكاديمي بالعديد من الروايات الأخرى سواء بوليسية أو غيرها، وقد تلقي ستيورات تعليمه في أوكسفورد، وعمل مدرسًا هناك من عام 1948م إلى سن التقاعد، وكل كتب ستيورات عن أوكسفورد تعكس عاطفة جياشة وإعجابًا بالجو الفكري والبيئة الجغرافية لهذه الجامعة التي التحق بها سابقًا. تم استدعاء المفتش (أبلبي) إلى كلية سانت أنتوني حين قُتل رئيس الجامعة (بطلق ناري) في مسكنه، وكثرت الفضائح والاشاعات، عندما اتضح أن الشبهة تقتصر على زملائه السبعة الذين يسكنون قريبًا منه، وقوّى الاشتباه أن أماكن الإقامة معزولة (تشبة الكمبوند)، وهم وحدهم الذين لديهم مفاتيح، وقد حاول المحقق حل ألغاز الجريمة عن طريق القرائن الزائفة، والحيل المتنوعة. والرواية مكتوبة بسلاسة، مع لمسة بارعة في النهاية.

 

المصادر:

 

Thomas Hughes’s Tom Brown at Oxford -

John Henry Newman’s The Idea of a University-

Fast Set (later called “outrageous in J. I. M. Stewart’s novels)-


عدد القراء: 399

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-