الإسلام ودوره في تأسيس الفكر الدّيني العالميالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 09:24:23

د. محمد كَزو

المغرب

الناظر بتمعّن إلى النصوص الدينية قبل الإسلام، وما أنتجته من معرفة دينية أو إنسانية لم تتجاوز منطقتها أو جماعتها، ولم تخض في زوايا معرفية أخرى، لأن طبيعة الرسالة لديها محصورة بالزمان والمكان. ومع هذا الحصر الواضح، فقد تأثّر علماء اليهود والمسيحية بِمُتكلّمي المسلمين، وبدؤوا يُطوّرون المعرفة الدينية على هذا الأساس، فلم يكن لليهود ولا للنصارى قبل مجيء الإسلام كلام.

إذ فعلوا هذا بعد قدوم الإسلام، وفيما قبل كانوا أكثر التزامًا بالنصوص، وإن تأثروا بالمعتزلة كالفيومي، مثلًا، في الديانة اليهودية. بحيث النقاش الفلسفي سيكون فيما بعد، مع ابن ميمون في اليهودية وطوما الأكويني في المسيحية متأثرًا كلاهما بالحركة الفكرية الأندلسية، خاصة بابن رشد، وترجماته عن الأرسطية.

لذلك في مقارنة بسيطة حول هذا الشأن، سنتطرق لمسألة الإيمان، كيف ناقشها العلماء في الديانات الإبراهيمية؟ لكي نترصد الفرق حول تأسيس الفكر الديني على النص والوحي.

لذا بخصوص الإسلام: فأركان الإيمان ستة، والخلاف في قضية الإيمان هل يزيد أو ينقص، أما الأصل فهو التصديق. والعمل شرط صحة، أي شرط لا يمكن فصله عن الإيمان، فالإيمان يحصل بالتصديق. وعند الخوارج مثلًا: الإيمان شرط صحة في العمل، فكفروا مرتكبي المعاصي. وأما عند المرجئة: الإيمان ما وقر في القلب ولو لم يُصدقه العمل، وهكذا. يعني اختلافات كلامية، أما الأصل فهو التصديق، ولا يناقشه أحد.

أما في المسيحية: فما هو الإيمان عند متكلمي المسيح؟ أوّل شيء يواجهنا قضية المسيح عليه السلام: الإيمان بالمسيح أوّلاً وأخيرًا، أي الإيمان به كرسول وابن الله والمُخلِّص والفادي. فكل قضايا الإيمان في القرآن المنسوبة لله تُنسب لعيسى عليه السلام في المسيحية. والقرآن الكريم نفسه يناقش هذه الأشياء، ودخل مع النصارى في حوار حول ألوهية المسيح، مثلاً في قوله تعالى: ﵟوَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ ﵞ المائدة127. وفي النسق نفسه فالإيمان في المسيحية متمركز حول شخصية المسيح عليه السلام نفسه (المُخلّص، الفادي، الذي يَملِك الغفران)، وتطور الأمر حتى وصل إلى البابا الذي أخذ صلاحيات المسيح عليه السلام، وأصبح لا يُخطّأ. فكيف عالج القرآن الكريم هذه الأشياء؟ فهو تحدث عن المسيح عليه السلام، ثم تحدث عن أصل المسيح، قال تعالى: ﵟإِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﵞ  آل عمران59. بخلاف الرؤية عند المسيحية التي تعتمد إلهًا مركّبًا [الابن- والروح القدس]، ثم ما هي طبيعة هذه الروح القدس؟ تتكون من الأب فقط شرق أوروبا، ومن الأب والابن غرب أوروبا.

بينما في اليهودية: نحن أمام مشكل مُختلف تمامًا، فالتصديق نعم موجود فيها؟ ولكن مَن هو هذا الإله؟ في اليهودية إله خاص بجماعة بني إسرائيل، فهو إله عِرقي أو قومي. فكل نصوص العهد القديم تتحدث عن قوم بني إسرائيل، وهي جماعة مُميّزة خَلَقها الله لعبادته. لذلك نلحظ أن التلمود كله حديث عن كيف يخدم إسرائيل الله، وكيف يخدمُ الجميع بني إسرائيل. وفي الإطار نفسه فالتوراة مليئة بالتجسيم، مثلاً قصة الأكل من الشجرة، التي هيمن عليها منطق إضفاء الصفات البشرية، على الذات الإلهية (عدم العِلم، عدم المعرفة... وغيرهما)؛ ولنلحظ أسئلة القرآن في القضية نفسها (الأكل من الشجرة)، فهي أسئلة تدل على القصة، ولكن بمنطق مختلف، بمعنى أنّ تمّة عِلم إلهي مُحيط بكل ما حدث، وبكل ما يحدث. فحينما نتعامل مع النصوص مباشرة نصل إلى هذا، ولكن عندما نرجع إلى مؤلفات وعلماء الديانات الكبار، نجد هذا التأويل حاضرًا، خاصة من زاوية الفلسفة، كما حدث بعد الإسلام ودخول الترجمة بين القرنين 2و6 الميلاديين.

وختاما فالإيمان في القرآن الكريم ثابت بالتصديق ولا يناقشه أحد، في حين الإيمان نفسه يختلف عن اليهودية بين شخص المسيح، وبين الشعب اليهودي. ومع ظهور الإسلام تغير فكر علماء الديانتين قليلاً وإن مع فارق طفيف، ولكنه جاء نتيجة للنسق الفكري الذي فتح القرآن الكريم، في الحوار والجدل والمعرفة ما باقي النصوص، فكانت بداية التأسيس للفكر الديني العالَمي.


عدد القراء: 811

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-