التباهي والتفاخر 2-2الباب: حياتنا

نشر بتاريخ: 2016-02-15 10:42:55

عبد الله بن محمد اليوسف

يبحث الكثير عن التميز، وعن الجديد في عالم متحرك متجدد، وتجدد متغير.. نبحث عمّا نظنه   الإضافات لذواتنا ... نحتاج لتكملة الفراغات في حياتنا .. مؤكد أن التميز حق مشروع لكل طموح  راغب، ولكن لكل منا سمة أو قد لا توجد عند الآخر، وقناعة قد لا يأخذ بها الآخر، وقيم قد لا  يبالي بها الآخر، انتشرت ثقافة التباهي بالمظاهر، وفلسفة التفاخر بالتكلف لتشمل فئة كبيرة من شرائح المجتمع رجال وإناث ونتيجة لذلك يقع بعضهم تحت ضغط الديون أو الظروف المادية الصعبة بالرغم من ذلك فإنهم يكلفون أنفسهم بشراء كل ما يجول في خاطرهم دون حساب حتى لو كان ذلك سيشكل قائمة جديدة لديون جديدة منهم شباب مغرمون بأرقام مميزة، ولوحات مبهرة.. عقولهم عاطلة، وجيوبهم فارغة وبعضهم مهووسون بالجلوس دومًا في مطاعم مكلفة أو مقاهٍ مرهقة .. فيدفعون الكثير وهم يعانون.

ومجتمعنا الخليجي مثلاً  - نجد إنه في حالة السفر يستهلك ميزانيات ضخمة، حيث ذكرت بعض التقارير أنه تصرف ضعفي ما يصرفه السائح الأوروبي ويستمتع ويستفيد أكثر، والغريب أن الأموال تهدر في التجهيز فقط لملابسه وبعض تفاصيله، خصوصًا لدى بعض النساء، فيصرفن مبالغ ضخمة قيمة ملبوسات ومستلزمات متكلفة، وكذلك الرجال، فلا يوحي الأمر بأن الرجال سيستمتعون بالمناظر السياحية ومواقعها.

أن ثقافة التباهي مستوطنة عند كثير من الأسر لدينا، وخصوصًا المترفة، وتبعهم من الشرائح الوسطى من يحاول التقليد، أو مسايرة متطلبات التفاخر, وثقافة التباهي حتى وإن كانت الكلفة كبيرة، والنساء محرك أساسي في قضية التجديد وتضخيم مثل تلك المتطلبات لكثرة اتباعهن للموضة ..

ومن مظاهر التباهي والتفاخر، ظاهرة التفاخر بالأحساب والأنساب، ظاهرة التباهي والتفاخر والبذخ والتبذير.

ظاهرة الطبقات في المجتمع والنظرة الدونية: وأرى هذه من أخطر الظواهر والأمراض الاجتماعية، لأنها تتشعب وتتعدد آثارها على المجتمع والأمة.

ولا يخلو مجتمع من المجتمعات منها، ولدينا في عالمنا العربي وخصوصًا المشرق منه نجد التفاخر بالأنساب والادعاء برفعة بعضها عن بعض، وهذا أمر منهي عنه شرعًا  ومحرم دينًا، وهو من خصال الجاهلية المذمومة ، وقد جاء الإسلام بإبطاله والنهي عنه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)  الحجرات:11. وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات:13. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"، وروى أيضًا في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة...".

ولا حرج أن يتعلم الرجل نسبه، بل يطلب منه ذلك شرعًا ليعرف أرحامه وأقرباءه ويصلهم، وقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر".

•وهذه الظاهرة لها تبعات وآثار سلبية على المجتمع كالنظرة الدونية لبعض المهن، ومن منا لا يعرف أن العمل هو آية الحياة ودليل الوجود, ولولا العمل لما أثبت كل إنسان في هذا الكون وجوده، ليصبح أداة نافعة لها دورها الفعال في المجتمع، فها نحن نرى أن مجتمعنا كالجسد الواحد، ولكل عضو فيه دوره الذي لا يمكن للحياة أن تستمر دونه, والعضو العاطل في هذا الكيان ما هو إلا عبء ثقيل، بل يبدو في جلية الأمر كماء آسن ينوء بحمله كل إناء.

لقد قدس الإسلام العمل ورفع شأنه، ونبذ البطالة والتعطل، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جدًّا منها:

قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) التوبة: 105، ويروى في السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم قبل يد أحد الصحابة رضي الله عنه وكانت خشنة من كثرة العمل وقال عليه الصلاة والسلام: "هذه يد يحبها الله ورسوله". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل: لا حرفة له، سقط من عيني.

وغني عن البيان أن الأنبياء عليهم السلام كان يعمل كل منهم بحرفة، منهم من كان نجارًا، ومن كان خياطًا.. وخاتمهم صلى الله عليه وسلم اشتغل بالرعي وبالتجارة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح كانوا يحترفون أعمالاً مختلفة، بجانب أنهم كانوا يطلبون العلم وينشرونه..

ويقرر علماء الإسلام دور الدولة في وجود الحرف الصغيرة، فيقول ابن تيمية في مؤلفه "الحسبة في الإسلام" ما مفاده: أنه إذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا، يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل.

ويقول الغزالي في مؤلفه "إحياء علوم الدين": إن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش، وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل، وتكفل كل فريق بعمل، ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهكذا.

ويقرر محمد شلتوت في كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" أن ما لا يستغنى عنه من قوام أمور الدنيا فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية، ومن ذلك أصول الصناعات كالفلاحة والخياطة والحياكة.. وكل ما هو ضروري لحياة الناس. ولا ريب في أن هذه الحرف والصناعات ضرورية للحياة، والضروريات من أعلى مراتب مقاصد الشريعة، وتحصيل الضروريات واجب، ولن تحصل إلا بتعلم تلك الحرف وممارستها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وبلا شك أن هذه الحرف الصغيرة تسهم في النهاية في التنمية الاقتصادية، وترفع من مستوى معيشة أصحابها، وبالجملة كله يصب في صالح الاقتصاد القومي.

وصدق عمر بن الخطاب حين قال: والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة. (موقع المنتدى التعليمي باختصار)

آثار البطالة على الفرد والمجتمع:

الجانب الأمني: إن البطالة لها آثارها على المستوى الاجتماعي والسياسي والأمني أيضًا باعتبار أن البطالة ترتبط البطالة بانقطاع الدخل ومن ثم صعوبة الحياة نتيجة العجز في تلبية الحاجات الإنسانية الضرورية مما يترتب عليه الجنوح إلى الجرائم الاجتماعية والإرهاب والعنف.

الجانب الاقتصادي: الإنسان هو المورد الاقتصادي الأول ، ومن ثم فإن أي تقدم اقتصادي يعتمد أول ما يعتمد على الإنسان بإعداده علميًّا حتى يتحقق دوره في الإسهام في نهضة المجتمع .

الجانب النفسي والاجتماعي والصحي: تؤدي حالة البطالة عند الفرد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي ، إضافة إلى أن كثيرًا من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية فمثلاً، يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة، مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية، كما ثبت أن العاطلين عن العمل تركوا مقاعد الدراسة بهدف الحصول على عمل، ثم لم يتمكنوا من ذلك، يغلب عليهم الاتصاف بحالة من البؤس والعجز، والأمراض وحالة الإعياء البدني كارتفاع ضغط الدم ، وارتفاع الكولسترول، الذي من الممكن يؤدي إلى أمراض القلب .

وتنعكس البطالة التي يعاني منها الأفراد على سلوكهم وتلقي بظلالها على المجتمع الذي يعيشون فيه حيث بدأت تظهر في مجتمعنا صورة متكاملة لأوضاع شاذة في شكل تعاطي المخدرات والسرقة والاغتصاب والإحساس بالظلم الاجتماعي، وما تولد عنه من قلة الانتماء والعنف وارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية، وهناك فئة أخرى تقوم بالكبت بداخلها مما يتحول بمرور الوقت إلى شعور بالإحباط وينشئ شبابًا مدمرًا نفسيًّا وعضويًّا، وأن نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير الذات ويشعرون بالفشل، وأنهم أقل من غيرهم، كما وجد أن نسبة منهم يسيطر عليها الملل، وأن يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة، وأن البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب، الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي. كما أن البطالة تولد عند الفرد شعورًا بالنقص بالإضافة إلى أنه يورث الأمراض الاجتماعية الخطيرة كالرذيلة والسرقة والنصب والاحتيال، وتضيف أن الفرد العاطل يشعر بالفراغ وعدم تقدير المجتمع فتنشأ لديه العدوانية والإحباط، والبطالة تحرم المجتمع، من الاستفادة من طاقة أبنائه، وكذلك في الأسر التي يفقد فيها الزوج وظيفته، فإن التأثير يمتد بدوره إلى الزوجات سلبًا وينعكس الأمر على العلاقة الأسرية ومعاملة الأبناء .

كما أن البطالة قد تسبب تفاقم مشكلة الهجرة، ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين هناك فرد واحد من كل خمسة وثلاثين شخصًا حول العالم يعيش مهاجرًا، وإننا إذا جمعنا كل المهاجرين في مكان واحد فإنهم سيكونون دولة هي الخامسة على مستوى العالم من حيث تعداد السكان.

و تشكل هجرة الكفاءات العربية خسارة فادحة للوطن العربي على المدى القريب والبعيد، ويكرس مزيدًا من التبعية للغرب، مما يتطلب وضع إستراتيجية عربية عاجلة يتضافر فيها الجميع، وترتكز على تشجيع الإبداع والمبدعين، وتطوير نظم التعليم، ووضع الفرد المناسب في المكان المناسب، والعمل على استعادة العلماء، وتسهيل تبادل الكفاءات بين الأقطار العربية المختلفة.

إن مشكلة البطالة من أخطر المشكلات التي تواجه وطننا العربي نظرًا لما لها من آثار سلبية خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فعلى المستوى الاقتصادي تفقد الأمة عنصرًا مهمًّا من عناصر التنمية ألا وهو عنصر الموارد البشرية وذلك سواء من خلال عدم الاستفادة بهم وتهميشهم أو من خلال هجرتهم إلى الخارج أما اجتماعيًّا فان البطالة توفر الأرض الخصبة لنمو المشكلات الاجتماعية وجرائم العنف والسرقة والقتل والاغتصاب والانتحار ..إلخ، وأمنيًّا تؤدى إلى انتشار ظاهرة الإرهاب الذي يجد في أبنائنا العاطلين عن العمل ملاذًا له، مما سبق نجد أن مشكلة البطالة تحتاج منا إلى الوعي جيدًا بخطورتها والعمل على إيجاد الحلول الكفيلة بالقضاء عليها، كما إن البطالة تؤدي إلى السخط الشعبي، علاوة على التوترات والأخطار السياسية والاجتماعية التي تنجم عن حالة اليأس والضياع التي يعيشها العاطلون (منتدى ستار تايمز باختصار).


عدد القراء: 6165

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-