العدد الحاليالعدد رقم 48مراجعات

آلــة اللانهايــة

الكتاب: آلة اللانهاية The Infinity Machine

المؤلف: سيباستيان مالابي

الناشر: دار بنجوين للنشر

عدد الصفحات: 480 صفحة

اللغة: الإنجليزية

تاريخ النشر: 9 يونيو 2026

في زحمة الكتب التي تحاول الإمساك بلحظة الذكاء الاصطناعي، يختار سيباستيان مالابي – الزميل في «مجلس العلاقات الخارجية» والمرشّح مرتين لجائزة بوليتزر- أن يقترب من العاصفة عبر نافذة إنسانية: سيرة رجل واحد. ففي «آلة اللانهاية: ديميس هاسابيس، وديب مايند، والسعي إلى الذكاء الخارق» يرسم بورتريهًا لمؤسس «ديب مايند»، الحائز جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، ومن خلاله يروي تاريخ السباق إلى «الذكاء العام الاصطناعي». والكتاب، وإن بدا سيرة ذاتية وتاريخًا للتقنية في آنٍ واحد، ينتهي إلى سؤال أخلاقي عن السلطة، والنية، والمصير.

يستند مالابي إلى وصول استثنائي إلى هاسابيس، شمل أكثر من ثلاثين ساعة من المقابلات، فضلًا عن شهادات خصومه ومنافسيه، ليقدّم صورة غير مألوفة لملياردير تقني. فبطل الكتاب زاهد في المظاهر، يعمل في علّية متواضعة بلا إطلالة، ولا يكاد يجد متعة خارج حضور مباريات فريقه المفضل. بدأ حياته بطلًا للشطرنج في الثالثة عشرة، ثم غيّر كتاب Gödel, Escher, Bach «غودل، إيشر، باخ» مساره الفكري، فحوّل حدّته التحليلية إلى هوس بفهم الدماغ وصناعة آلة تحاكيه. وحتى تصوره لبذل الجهد يكشف نزعةً تقارب الزهد القاسي؛ إذ يرى أن على الإنسان أن يدفع نفسه «إلى النقطة التي تسبق الموت مباشرة». إنه، كما يصوّره مالابي، النقيض الهادئ لصخب سام ألتمان وإيلون ماسك.

لكن مالابي لا يكتب سيرة رجل فحسب، بل يؤرخ أيضًا لمسيرة فكرة. فمن تأسيس «ديب مايند» عام 2010، إلى بيعها لغوغل عام 2014، ثم الانتصار التاريخي لـ«ألفا غو» على أبطال لعبة «غو» أمام نحو مئتي مليون مشاهد، وصولًا إلى «ألفا فولد» الذي فك شيفرة طيّ البروتينات وفتح آفاقًا جديدة للطب، في الإنجاز الذي نال عنه هاسابيس جائزة نوبل. وعلى امتداد هذا المسار يظل سؤال أكثر عمقًا حاضرًا: هل يستطيع أذكى الناس، وأنبلهم نية، قيادة تحول حضاري من داخل مؤسسة عملاقة، من دون أن تعيد تلك المؤسسة تشكيل أولوياتهم؟

ولا تغيب عن الكتاب دراما الشركات وصراعات النفوذ. إذ يتتبع مالابي مناورات هاسابيس داخل غوغل، من فكرة فصل «ديب مايند» إلى دمجها في قلب الشركة، وصولًا إلى مطاردة سوق أعاد إطلاق ChatGPT عام 2022 رسم موازينها. فقد ظل هاسابيس متحفظًا طويلًا تجاه نماذج اللغة الكبيرة، معتقدًا أن تغذية النماذج بنصوص الإنترنت لن تقود إلى قفزة نوعية، فوجد «ديب مايند» متأخرة أمام «أوبن إيه آي». غير أن إطلاق «جيميناي» أعاد شيئًا من التوازن، في واحدة من أبرز قصص العودة في تاريخ صناعة الذكاء الاصطناعي. وفي الخلفية يتحرك إيلون ماسك لاعبًا مؤثرًا، ممولًا «أوبن إيه آي» لتشكيل قوة موازنة لنفوذ غوغل.

هنا تتجلى المفارقة المركزية في الكتاب. فقد باع هاسابيس شركته إلى غوغل لأنها كانت السبيل الوحيد إلى الموارد اللازمة لملاحقة حلمه، فإذا به يجد نفسه جزءًا من سباق تسلح تقني لم يكن يرغب فيه أصلًا. وليس من قبيل المصادفة أن يتكرر اسم أوبنهايمر أكثر من عشر مرات؛ فهاسابيس يجسد التوتر الأخلاقي ذاته بين نشوة الاكتشاف والخوف من تبعاته. وحين يعترف بأن تحقق الحلم «لا يشبه ما تخيلته»، ويقول إنه يأمل أن «يتدبر العالم أمره بطريقة ما»، يلتقط مالابي لحظة إنسانية كاشفة عن هشاشة الطمأنينة التي يتشبث بها صناع المستقبل.

أسلوبيًا، يكتب مالابي بثقة الراوي المتمرس. فسرده حيوي، يزاوج بين الحكاية الشخصية والشرح التقني من غير أن يثقل القارئ. ويعرض مفاهيم مثل التعلم المعزز، والشبكات العصبية، ونماذج اللغة الكبيرة بلغة واضحة، ويمنحها بعدًا دراميًا يستثمر فيه خبرته السابقة في كتابة السير، ولا سيما سيرته لآلان غرينسبان. ومن أقوى مشاهد الكتاب استعادته لمباراة «ألفا غو»، إذ يوازنها بهزيمة غاري كاسباروف أمام الحاسوب قبل عقدين، ليجعل من المشهدين علامتين فارقتين في تاريخ العلاقة بين الإنسان والآلة. ورغم أن البناء يتبع التسلسل الزمني، فإنه يبقى مشدودًا إلى السؤال الأخلاقي الذي يمنحه وحدته، فلا يتحول إلى مجرد سجل لإنجازات تقنية.

ويمتاز «آلة اللانهاية» عن كثير من كتب الذكاء الاصطناعي بأنه يقاوم إغراءي التهويل والتبشير معًا. فهو لا يقدم بطله نبيًا للتقنية، ولا يبشر بمستقبل حتمي، بل يرسم شخصية مركبة تتقاطع فيها المعرفة والطموح والخوف. وبينما انشغلت كتب كثيرة بشخصيتي سام ألتمان وإيلون ماسك، يختار مالابي أن يسلط الضوء على الحلقة الأقل تناولًا في «ثالوث» الذكاء الاصطناعي. والأهم أنه، حين يبلغ الأسئلة الأكثر حساسية – أهي أزمة حوكمة أم أزمة تقنية؟- يعرضها بقدر ملحوظ من الاتزان، من دون أن يغري القارئ بإجابات سهلة.

غير أن أبرز مزايا الكتاب هي أيضًا أبرز مواطن ضعفه. فالسيرة التي تقوم على تعاون وثيق مع صاحبها تخاطر، بطبيعتها، بأن تستعير شيئًا من صورته عن نفسه. وحين يخرج هاسابيس من الصفحات هادئًا، محبوبًا، ونبيل المقاصد، في مقابل منافسين أكثر خشونة، يحق للقارئ أن يتساءل: هل خفف القرب من حدة المساءلة؟ صحيح أن مالابي يوازن هذه الصورة بشهادات المعارضين، إلا أن مركز الثقل يبقى منحازًا إلى رؤية بطله. كذلك فإن إطار «الرجل العظيم» يمنح الفرد مساحة قد تتجاوز وزنه الحقيقي في ظاهرة تشكلت عبر جهود مؤسسات، وآلاف الباحثين، وتفاعلات السوق والسياسة، ويجعل أسئلة السلامة والمسؤولية تبدو رهينة حسن النيات أكثر من كونها نتاجًا لبنى الحوكمة وآليات الرقابة. وإلى ذلك، فإن تسارع تطورات هذا القطاع يجعل بعض صفحات الكتاب تبدو، بعد وقت قصير من صدوره، أقرب إلى تأريخ لمرحلة تجاوزتها الأحداث، وإن كانت عودة غوغل القوية تضفي على هذا الحكم قدرًا من التعقيد.

تكمن القيمة الحقيقية لـ«آلة اللانهاية» في أنه يحول أكثر مفاهيم عصرنا تجريدًا إلى دراما إنسانية نابضة، ويعيد صياغة السؤال الأكثر إلحاحًا في زمن الذكاء الاصطناعي: هل تُفسد الرأسمالية حتى أنبل النيات؟ وهل يكفي أن يدرك صانع التقنية مخاطرها لكي يحول دون وقوعها؟ وفي المحصلة، يقدم مالابي كتابًا آسِرًا لكل مهتم بتاريخ التقنية، والذكاء الاصطناعي، وسياسات العلم، ولكل من يفضّل فهم التحولات الكبرى من خلال صانعيها لا من خلال معادلاتها. أما من يبحث عن نقد بنيوي صارم لصناعة الذكاء الاصطناعي، أو عن تحليل تقني معمق، فقد يجد هذا العمل أقرب إلى بورتريه بديع لشخصية استثنائية منه إلى محاكمة فكرية شاملة.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

المحرر الأدبي

مجلة فكر الثقافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى