العدد الحاليالأدب والنقدالعدد رقم 48

تأويلية النص الأدبي

النص المكتوب هو نص مفتوح ما بعد حداثي، يختلف جوهريًا عن النص الكلاسيكي؛ فقد كُتب حتى يستطيع القارئ، في كل قراءة، أن يكتبه وينتجه. وهو يقتضي تأويلًا مستمرًا ومتغيرًا عند كل قراءة. ولهذا يتحول دور القارئ إلى دور إيجابي نشط، دور منتج وبانٍ، حيث يشارك (إن لم يتجاوز) الكاتب في إنتاج النص¹.

لم تستقر تعريفات النص حتى الآن نهائيًا؛ لأنها ارتبطت بالتوجهات المعرفية والثقافية والسوسيولوجية والنظرية للباحثين العرب والأجانب، واختلاف رؤيتهم تجاه العالم والواقع والإيديولوجيا. حيث إن مسألة «وجود تعريف جامع مانع للنص مسألة غير منطقية من جهة التصور اللغوي. ويؤكد ذلك الاختلاف بين علماء اللغة الذين ينتمون إلى مدارس لغوية مختلفة حول حدود المصطلحات التي ترتكز عليها بحوثهم»².

إن مصطلح النص في اللغة العربية يختلف اختلافًا جوهريًا عن المصطلح في اللغة الأجنبية. ولقد جاء مفهوم النص، أو تعريفه، في اللغات الأجنبية مشتقًا من الاستخدام الاستعاري في اللاتينية لمعاني الحياكة والنسيج، وبخاصة في اللغة الفرنسية؛ إذ إن مصطلح «Texte» يرتبط بالنسيج أو الأسياخ المظفرة، فالنص «نسجٌ من الكلمات»³.

ويقول محمد عزام عن النص الأدبي إنه: «وحدات لغوية ذات وظيفة تواصلية دلالية، تحكمها مبادئ أدبية، وتنتجها ذات فردية أو جماعية»4، بينما يرى محمد مفتاح أن النص «وحدات لغوية طبيعية منضدة متسقة منسجمة»5.

وعند تودوروف، يكون «النص إنتاجًا لغويًا مغلقًا على ذاته، ومستقلًا بدلالاته، وقد يكون جملةً أو كتابًا بأكمله»6. ويكرّس هذا التعريف مفهوم الانغلاق الذي جاءت به البنيوية؛ فالنص مكتفٍ بذاته، مستقل بخصائصه وعناصره، وأيضًا بقوانينه الباطنية. ويكون مفهوم النص عند بارت تعدديًا (تناصًّا)، يظهر من خلال اللغة والمنهج فقط، وهو مستملَك من قبل القارئ، يقرؤه قراءةً إنتاجيةً مقتربةً من الكتابة، يعيد فيها بناء معانٍ جديدة للنص، فيكتب من خلال قراءته نصًّا جديدًا فوق النص: «قراءة إنتاجية، تقرب القراءة من الكتابة، حيث يصبح القارئ كاتبًا لنص جديد»7. بينما يرى بول ريكور أن النص هو خطاب ثُبِّت بالكتابة، حيث يقول: «لنسمِّ نصًّا كلَّ خطاب ثبَّتته الكتابة. تبعًا لهذا التعريف، يكون التثبيت بالكتابة مؤسسًا للنص نفسه»8.

وبما أن النص، باعتباره يحول الكلام إلى نص بفعل الكتابة، «ينتظر ويستدعي قراءةً ما، وإذا كانت القراءة محتملة، فذلك لأن النص غير منغلق على نفسه، بل منفتح على شيء آخر، والقراءة تعني، في كل فرضية، ربط خطاب جديد بخطاب النص. هذا الربط لخطاب بخطاب يشي، في صياغة النص ذاتها، بقدرة أصيلة على الاستئناف، التي هي ميسمه المفتوح»10.

فالقراءة هنا هي الخطاب الجديد المتكوّن من خلال خطاب النص؛ أي إنها القراءة النقدية الموازية للنص، أي يبقى النص يستدعي التأويل، ويستدعي إمكانية إنتاج خطاب جديد مرتبط بالنص ومختلف عنه في آن.

وعند جوفري هرتمان، فإن النص هو أي «قطعة ما ذات دلالة وذات وظيفة، وبالتالي هي قطعة مثمرة من الكلام»11. وإن وجود الوظيفة، وبخاصة الوظيفة الاتصالية التي يدل عليها الكلام، يوحي بأن هرتمان يمنح النص بعدًا تداوليًا، ومن ثَمَّ فهو لا يختلف عن الخطاب.

وهنا يعتبر ريكور أن النص هو خطاب، وكذلك عند هرتمان لا يختلف النص عن الخطاب، وهذا ما ذهبت إليه جوليا كريستيفا أيضًا عندما اعتبرت النص الأدبي خطابًا: «فالنص الأدبي خطاب يخترق حاليًا وجه العلم والإيديولوجيا والسياسة، ويتنطع لمواجهتها وفتحها وإعادة صهرها، ومن حيث هو خطاب متعدد، ومتعدد اللسان أحيانًا، ومتعدد الأصوات غالبًا»¹¹.

وعليه، استُعمل مصطلح الخطاب في أغلب الأحيان مرادفًا لـ النص عند كثير من الباحثين العرب والأجانب، ما دام النص نتاجًا لغويًا أو ملفوظًا ماديًا قابلًا للدراسة والتحليل.

وهناك بعض الباحثين يميّزون بين النص والخطاب؛ فكل ما هو شفهي منطوق يُعد خطابًا، وكل ما كان مكتوبًا يُعد نصًا. بمعنى: كل منطوق = خطاب، وكل مكتوب = نص. ولكن هذا التحليل يبدو واهيًا عند بعض المفكرين، باعتبار أن النص ملفوظ يتقابل مع الخطاب، وأن التعبير، سواء أكان كتابيًا أم صوتيًا، يُستعمل لإبراز الفعل اللساني؛ أي إن كل منطوق أو مكتوب يمكن أن يكون خطابًا أو نصًا. وبذلك يمكن لكل نص أن يكون خطابًا، وبالعكس، ففي النتيجة النهائية لا يوجد تمييز واضح بينهما. ويذهب بعض النقاد إلى ارتباط مفهوم النص بالشكل الكتابي، بينما يرتبط مفهوم الخطاب بالشكل الشفهي.

أمّا نظرية باختين فتتلخص في تحديد هوية النص، ومنهج البحث فيه (التأويل)، وفهمه الذي يعتمد الاستجابة. ويرى أن النص، سواء أكان مكتوبًا أم شفهيًا، هو أساس جميع حقول دراسته (اللسانيات، وفقه اللغة، والدراسات الأدبية)، وللعلوم الإنسانية عامة أيضًا؛ فهو الواقع المباشر، حيث يستطيع الفكر في هذه الحقول جميعًا أن يكون نفسه حصرًا؛ فحيث لا يوجد نص، لا يوجد موضوع للاستعلام والمساءلة، ولا يوجد فكر.

إن فهم النص أو تأويله يعتمد على إدراك العالم الذي يحيل إليه النص؛ فالنص هو الذي يحقق المعنى من خلال قوانينه وتقاليده. فإن القراءة التأويلية تقتحم عالم النص بقصد تفسيره وتأويله، تأويلًا يتماشى مع شمولية القراءة التي يشكلها واقع النص.

والتأويل في اللغة اليونانية كان يعني فنًّا، بمعنى فن التأويل أو كشف المحتجب من المعنى. لذا يتوجه غادامير، في كتاب «الحقيقة والمنهج»، إلى استخدام عبارة «فن» تأكيدًا على فنية التأويل، أو لنقل: التأويل في أبعاده الفنية.

فيتأكد أفق التأويل بالجانب اللغوي للتأويل؛ فالنص يكون هنا هو من يتكلم من خلال التأويل، حيث تنحصر مهمة التأويل، بالدرجة الأولى، في فهم النص، لا في فهم المؤلف. فلا ذاتية المؤلف ولا ذاتية القارئ هي النقطة المرجعية، وإنما المعنى التاريخي نفسه بالنسبة إلينا في الزمن الحاضر. وهكذا يكون ربط النص بالوقت الحاضر، وهذا ما كانت قد أهملته سابقًا التأويلية التاريخية والأدبية؛ لأن التأويل، بوصفه فنًّا للفهم، يقوم على أداة تحليلية تسمى الدائرة الهرمينوطيقية.

وتعني، بحسب شلايرماخر، اجتماع الأجزاء مع الكل، واجتماع الكل مع الأجزاء في النص. وبيان ذلك أنه ينبغي، لفهم النص، أن نفهم جميع أجزائه، التي لا يمكن فهمها إلا بالاعتماد على الكل أو المجموع.

في حين يرى غادامير أن التأويل مهم وضروري عندما يصبح فهم دلالة النص متعسرًا، إذ يقول: «نتحدث عن التأويل عندما لا يمكن فهم دلالة النص، فالتأويل في هذه الحالة ضروري؛ إذ ينبغي صياغة تفكير واضح حول الشروط التي تجعل من النص يتخذ هذه الدلالة أو تلك»¹².

إذ إن النص ليس تعبيرًا عن ذاتية المؤلف، بل إن النص يظهر إلى حيز الوجود الحقيقي في حوار المؤول/الناقد/القارئ الذكي مع النص، ويكون موقع المؤول شرطًا مهمًا لفهم النص.

كذلك هي الكيفية التي يحدد بها المؤول قصد النص، بينما يرى غادامير أن المؤول لا يستطيع أن يخرج من وجهة نظره الذاتية، التي تشكل أفق تأويليته، وهذا الأفق يضيق ويتسع، ويكشف أن الذات والمعرفة المطلقة غير ممكنتين.

إن التأويل الحديث يكون نتيجةً للتفاعل بين النص والقارئ، وأن القارئ هنا قد أصبح طرفًا مهمًا في إنتاج المعنى من خلال التأويل؛ «فعلاقة المفسر (القارئ) بالنص هي نقطة البدء والقضية الملحة عند فلاسفة الهرمينوطيقا»¹³.

وتبعًا لذلك، فإن عملية القراءة تقترن بالعملية التأويلية، والتأويل عملية تقوم على النصوص باعتبارها خطابات منفتحة باستمرار على قراءات متعددة. ذلك لأن استمرارية النص وقيمته الفنية الإبداعية تكمنان في انفتاحه على كل قراءة مختلفة من حيث الزمنية، والخلفية الثقافية، وهو الأمر الذي يجعل من التراث خطابًا متفاعلًا متداخلًا مع الحاضر.

وهنا تتميز القراءة النقدية بأنها قراءة جادة، تحاول بكل ما تملكه من خلفية فكرية ولغوية وثقافية أن تمنح النص فعله الأدبي والفلسفي والبلاغي، مما تستدعيه السياقات النقدية القائمة في فعل القراءة؛ لأن «مفهوم القراءة بمعناها النشط هو نقد ينتج معرفة النص، وأن النقد بمعناه المنتج هو قراءة تمكّن من يمارسها من أن يكون له حضوره الفاعل في النتاج الثقافي في المجتمع، وأن يكون معنيًا بالحياة التي تنمو وتتغير حوله، فيسهم، من موقعه في المجتمع، في تطويرها»14. وهذا يتم عندما يكون بمقدور القارئ أن يفهم النص، ويفككه، ويعيد تشكيله.

ويعد مارتن هيدغر الفهم أساسًا لكل تفسير، وبحسب كتابه «الكينونة والزمان» فإن التأويل يعني الفهم الذي يقوم بفهم ذاته. ولتكون القراءة النقدية متماهية مع النص المقروء باستنطاقه واستجوابه، يظل السؤال التاريخي الحقيقي: «ماذا قال النص؟» تحت هيمنة السؤال التأويلي المناسب: «ماذا يقول النص لي؟ وماذا أقول للنص؟»15.

ويرى ريكور أن النص هو محل انبعاث المعنى؛ فالنص، إذا لم يكن في علاقة مع القارئ، فليس بنص، فـ«من دون قارئ يتملك عالم النص لا وجود لعالم يمتد أمام النص»16. وهكذا، فالشرط الأساسي لكي يكون النص نصًا هو أن يقدم عالمًا؛ أي يفتح إمكانًا لعالم من الفهم، ولهذا السبب وجد. وليست هذه الإمكانية في وجود عالم من الفهم الذي يقترحه النص إلا مشاركة القارئ للعالم الذي يقترحه ويختزنه.

ففي التأويل، لا تكون القراءة فهمًا للنص فحسب، بل فهمًا للذات المؤولة في علاقتها بالنص؛ أي إن الذات تتأمل نفسها عبر وساطة الرموز والعلامات والآثار الثقافية، بما في ذلك تفسير النصوص، الذي سيكون غير ذي فائدة إذا لم تتم من خلاله عملية فهم الذات لذاتها، ضمن ما يسمى بالتفكير الهرمينوطيقي للذات؛ إذ إن التأسيس الفلسفي للذات لا ينفصل عن التأسيس الفلسفي للمعنى.

ولقد أكد غادامير أنه دائمًا ما نقترب من النص عن طريق إعادة صياغته بالقراءة المتعمقة للموضوع.

يحاول كوزريو أن يقدّم إجابةً عن سؤال طرحه، وهو: لماذا نحتاج إلى علم لغة يدرس النص؟ ويجيب عنه قائلًا: «إن علم لغة النص -في رأيه- ليس في الحقيقة شيئًا غير المقدرة التأويلية، ونظرية علم لغة النص ليست شيئًا غير نظرية علم التأويل (التفسير)»17.

ويشير بارت إلى أنه ليس هناك نص نقي أو أصيل، وإنما النص هو تلاقٍ وتلاقح بين النصوص، وكل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر؛ فالنصوص هي التي تفسر بعضها بعضًا.

فالنص عند بارت «مصنوع من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض، ولكن ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية، وهذا المكان ليس الكاتب، كما قيل إلى الوقت الحاضر، إنه القارئ»18.

وقد فتحت جماليات التلقي آفاقًا جديدة في النقد الحديث، بحيث حاولت أن تقلل من مركزية النص وهيمنته، التي أشار إليها بارت وأكدها، ومن بعده التفكيكيون، لتؤكد أن عملية القراءة تسير في اتجاهين متعادلين متساويين: من القارئ إلى النص، ومن النص إلى القارئ.

ودليلنا على أن النص (Texte) هو النسيج (Tissu) من خلال عملية الكتابة النقدية، أي كتابة الناقد على النص المنقود، التي هي أيضًا كتابة؛ فالناقد هنا يقدم نصًا موازيًا للنص موضوع القراءة.

فلا نقد من دون قراءة، والقراء يعرفون أن «النقد يعتمد النص موضوعًا له، فالنقد نص، لكنه يشتغل على نص آخر، والشغل على نص آخر يعني، أولًا وقبل كل شيء، قراءة هذا النص ومعرفته، فليس من نص نقدي من دون نص مقروء»19.

وعملية القراءة لا تهدف إلى مجرد تقديم تفسير للعمل، أو البحث عن الآليات التي تعمل علاماته وفقًا لها، بل تهدف إلى تقديم نص موازٍ للنص المقروء، يصبح بدوره نصًّا مقروءًا.

وليس ثمة جوهر واحد للنص ينبغي على القارئ اقتناصه ليزعم بعد ذلك أنه يمتلك الحقيقة والمعنى، بل ثمة معانٍ مختلفة ومنظورات متعددة لا تتعامل مع النص على أنه وحدة منغلقة لها معنى واحد ووحيد، بل تتعامل معه بوصفه عملًا مفتوحًا -على تعبير إيكو- مفتوحًا على عوالم مختلفة، متعددة، وغير متوقعة، تمنح القارئ لذة الاكتشاف والدلالة والتأويل.

وعليه، فإن «النص يثير باستمرار وجهات نظر متغيرة لدى القارئ، وأنه من خلال هذه الوجهات يبدأ اللاتماثل في فسح الطريق لبلوغ الأرضية المشتركة لوضعية ما، ولكنه من خلال تعقيد البنية النصية…»20.

وبما أن التأويل هو الصلة بين القارئ والناقد، فإن الناقد/المؤول يجب عليه أن يبين أكبر عدد من وجوه التأويل، كما قال جان غروندان في تعريفه للتأويلية: «إنها حمّالة عدة وجوه»²¹.

وهنا تكون وظيفة التأويلية هي إزاحة ذلك الغموض الموجود في نص ما، ما دام هذا النص يبدي أدنى حالة من الغموض، أو -على الأقل- جعله قابلًا للإدراك.

وبعبارة أخرى: «فإن وظيفة جزء من النص محددٍ تحديدًا مفرطًا هي جعل الأشياء واضحة للقارئ العزيز الذي يُشفَّر بوصفه قارئًا يفتقر إلى الروح النقدية (hypo-critical)، في حين تكون وظيفة الجزء المحدد تحديدًا أقل هي الغموض وإخفاء الشيء (وقد يكون إخفاءً كبيرًا في نص معقد)، حتى لا نهين ذكاء القارئ العزيز إلى درجة تنفيره من النص»²².

يميز بول ريكور بين مقاربتين كبيرتين للتأويلية، تتأسسان على المنحى الذي تتخذه الذات المؤولة:

هيرمينوطيقا الشك.

هيرمينوطيقا الثقة.

فإذا كانت هذه الأخيرة، «هيرمينوطيقا الثقة»، تستمد المعنى كما هو معطًى، وترى فيه تعبيرًا عن إرادة أو ذكاء يهب التفكير، فإن الأخرى محتاطة بهذا العطاء الأول للمعنى، ومشككة في كونه يكون، على الدوام، متجددًا بواسطة إيديولوجيا معينة أو مصالح باطنية، حيث يتمثل دور الهيرمينوطيقا الشكية في تسليط الضوء عليها²³.

وجمع غادامير كونية التأويلية بالمصير اللغوي لكل مفهومية؛ إذ إن اللغة هي الوسط الذي تجري فيه عملية الفهم، لأن من آليات التأويل عنده الدائرة اللغوية (المتعلقة بالدلالات والمعاني)، إلى جانب الدائرة الجمالية (المتعلقة بالأعمال الفنية)، والدائرة التاريخية (المتمثلة في كل ما له صلة بالماضي).

ولأن فعل التأويل يوجد، على الدوام، داخل لغة المعنى، فإن كل ما في مقدورنا فهمه هو اللغة. إلا أن التأويلية اليوم غالبًا ما يجري فهمها انطلاقًا من اللغة؛ فاللغة هي الحافظة للتأويلية بكاملها عن العالم، وهي المولدة لكافة التأويليات.

وإن الفكرة ما بعد الحداثية تتميز بـ«عدم إحاطة المعنى بإطار تأويلي شامل، ناجم أحيانًا عن تاريخ الماورائيات (دريدا)، وأحيانًا عن المعرفة العامة لعصر ما (فوكو)، وأحيانًا عن التقليد أو الإرث (فاتيمو)، أو عن إطار المنفعة العامة التي تحدد ثقافتنا (رورتي).

هنا لا نجد تطابقًا وسط نظام معين، بل محوًا لكل معيار خارج اللغة، بما يجعل قبول تعددية التأويلات ممكنًا.

إذًا، إذا كانت التأويلية شاملة بحق، فذلك لأننا كائنات تعيش كليًا في عنصر المعنى الذي لا يمكن تجاوزه، المعنى الذي نجهد لفهمه، والذي نفترضه ضرورة. وهذا هو معنى الأشياء بالذات، وما تريد قوله، وهو المعنى الذي يتجاوز تأويلاتنا الفقيرة بالأفق المحدود.

ولكن، نشكر الله، أن المعنى يمتد بامتداد لغتنا»24.

وهنا يحق لنا أن نتساءل، كما تساءل بول ريكور، عن نوع الإحالة اللغوية التي تكون إحالةً استعاريةً رمزيةً: «لو لم تكن اللغة تحيل، بعمق، إلى الخارج، فهل كانت ستكون ذات معنى؟»25.

عندما نحاول أن نقرأ نصًّا سرديًّا، فإننا نستطيع أن نتأمله طبقًا لما دعاه بارت بشفرة الألغاز أو الشفرة التأويلية؛ لأن فعالية القراءة تعتمد على الطريقة التي يستخدم بها القارئ الشفرات الثقافية المتنوعة التي يُزوَّد بها لفتح النص وتأويله.

إن القارئ يجب أن يشترك في إبداع العمل، وذلك بأن يستكمل ذلك الجزء غير المكتوب من العمل؛ فإن الجزء غير المكتوب هو الذي يتيح لنا فرصة تكوين صورة متخيلة، ولكنه جزء موجود في العمل وجودًا ضمنيًّا فقط. يقول أيزر: «نحن نعرّي بوساطة القراءة الجزء غير المصوغ للعمل الأدبي، وإن ناتج هذه التعرية يمثل قصد النص. وقد تكون مقاصد النص متعددة، بل حتى لا متناهية، ولكنها ماثلة دائمًا بشكل جنيني في العمل ذاته، ومتضمنة فيه، ومخطط لها من طرفه، وأخيرًا مستشفة منه»26.

ولكي نفهم الكيفية التي تتم بها تأويلية النص الأدبي، علينا استحضار النص إلى التأويل الذي ينبغي لنا فهمه؛ لأنه «لا بد من فحص الفهم الذي اشترط التأويل؛ إذ إن فهم النص ذاتي أيضًا. إلا أن مثل هذا الفهم الذاتي يكون تأويليًّا دائمًا، ما دام الشخص القادر على إخضاع نفسه بموضوعية غير موجود. وينتج عن ذلك، أولًا، أن الفهم هو فهم ذاتي، وأن من الضروري أن يتضمن النقد نقدًا ذاتيًّا أيضًا. إذ يشتمل نقد التأويل الآخر على تأويل، ما دام هذا التأويل يكون تأويليًّا بحد ذاته»27.

 

الهوامش والإحالات

1 – د. ميجان الرويلي، ود. سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، ط3، 2002، ص 274.

2 – سعيد حسن بحيري، علم لغة النص: المفاهيم والاتجاهات، الشركة المصرية العالمية للنشر (لونجمان)، القاهرة، 1997، ص 107.

3 – محمد مفتاح، المفاهيم معالم: نحو تأويل واقعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، 1999، ص 16.

4 – محمد عزام، النص الغائب: تجليات التناص في الشعر العربي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق/سوريا، 2001، ص 16.

5 – محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، 1993، ص 14.

6 – محمد عزام، النص الغائب، ص 14.

7 – المصدر نفسه، ص 19.

8 – بول ريكور، من النص إلى الفعل: أبحاث التأويل، ترجمة: محمد برادة، وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2001، ص 105.

9 – المصدر السابق، ص 117.

10 – سعيد حسن بحيري، علم لغة النص، ص 101.

11 – جوليا كريستيفا، علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، ط3، 2014، ص 13.

12- هانز جورج غادامير، فلسفة التأويل: الأصول – المبادئ – الأهداف، ترجمة: محمد شوقي الزين، المركز الثقافي العربي، بيروت/لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة/الجزائر، ط2، 2006، ص 149.

13 – نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، 1999، ص 13.

14 – يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت/لبنان، 1986، ص 13.

15 – بول ريكور، الزمان والسرد: الزمان المروي، ج3، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس/ليبيا، 2006، ص 263.

16 – المصدر نفسه، ص 246.

17 – سعيد حسن بحيري، علم لغة النص، ص 33.

18 – رولان بارت، نقد وحقيقة، ترجمة: د. منذر عياشي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق/سوريا، 2019، ص 21.

19 – يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل، ص 14.

20 – فولفغانغ أيزر، فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب، ترجمة: د. حميد لحمداني، والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، الدار البيضاء/المغرب، 1995، ص 99.

21 – جان غروندان، ما هي التأويلية؟، ترجمة: بلقناديل عبد القادر، مجلة مخبر الفينولوجيا وتطبيقاتها، العدد الخامس والسادس.

22 – كرستين بروك-روز، قارئية الإنسان، ضمن كتاب: القارئ في النص، تحرير: سوزان روبين سليمان، وإنجي كروسمان، ترجمة: د. حسن ناظم، وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس/ليبيا، 2007، ص 157.

23 – جان غروندان، ما هي التأويلية؟

24 – جان غروندان، التأويلية، ترجمة: د. جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس/ليبيا، 2017، ص 129.

25 – بول ريكور، نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، وبيروت/لبنان، 2003، ص 51–52.

26 – جين ب. تومبكنز، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم، وعلي حاكم صالح، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس/ليبيا، 2016، ص 27.

27 – ديفيد كوزنز هوي، الحلقة النقدية: الأدب والتاريخ والهرمنيوطيقا الفلسفية، ترجمة: خالدة حامد، منشورات الجمل، كولونيا/ألمانيا – بغداد/العراق، 2007، ص 236.

Facebook
X
WhatsApp
Threads
Telegram

أسامة غانم

ناقد من العراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى