
إشكالية بازاروف: قراءة في رواية الآباء والبنون لتورغينيف
قدّمتِ الرُّواية الرُّوسيّة في القرن التَّاسع عشر شخصياتٍ روائيةً كثيرةً رسختْ في الذاكرة العربية، مثل شخصية (أكاكي) في المعطف لغوغول (1809-1852) وراسكولنيكوف في رواية الجريمة والعقاب لديستوفيسكي (1821 – 1881)، وآنا كارنينا في رواية تولستوي (1828 – 1910)، وغيرها من الشّخصيات الرّئيسة التي دلّتْ على موهبة مبدعيها في تقديم شخصياتٍ حيّةٍ بدتْ وكأنّها تعيشُ في ذواتنا وحيواتنا، فشعرنا بعمقِ صراعاتها، وشدّة مأساتها، وتعقيد إشكالياتها.
لا تقلُّ شخصية (بازاروف) في رواية (الآباء والبنون) لتورغينيف (1818 – 1883) في أهميتها وقيمتها الأدبيّة عن تلك الشّخصيات، فقد استطاع تورغينيف بما امتلكه من موهبةٍ فذّةٍ، وفكرٍ عميقٍ تمثيلَ صراعاتها النفسيّة، وتجسيدَ إشكاليتها التي نهضت على أساس الفكر العدميِّ الذي اتخذه (بارازوف) نهجًا في حياته، وقد تبدّى ذلك في تصرفاته، وأفعاله، وأقواله، وعلاقاته مع شخصيات الرّواية، فانتقد القيم الأخلاقيّة، ورفضَ المبادئ الإنسانية والتقاليد الاجتماعيّة، وسخرَ من الرُّومانسيّة والزّواج والعلاقات العاطفيّة.
عمدَ تورغينيف إلى اختبار إيمان (بازاروف) بعدميته، وقوةِ تمسكه بمبدأ الرّفض، وذلك من خلال شخصية (أودينتسوفا) وهي
امرأةٌ جميلةٌ، مثقّفةٌ، استطاعتْ أن تكشفَ التّناقض, وهشاشة (الأنا) لدى بازاروف الذي عاشَ صراعًا نفسيًا بين مشاعره العاطفيّة تجاه (أودينتسوفا) وإيمانه العدميَّ المتمثّل في سخريته من الرّومانسيّة والمرأة، ورفضه الاعتراف بالجمال والقيم الإنسانيّة، ولكي يتخلّص بازاروف من هذا الصّراع قررَ الابتعاد عن (أودينتسوفا) محاولًا تأكيد قوة تمسّكه بعدميته، غير أنّه فشلَ في تحقيق ذلك، إذ يقول لأدوينتسوفا قبل موته: «كنتُ أحبُّكِ، وما كان لهذا الأمر أي معنى في السّابق، وليس له أي معنى الآن بالطّبع، فالحبُّ مجرد شكلٍ، أما شكلي أنا فقد أخذ يتفسّخ.» (الرّواية، ص486).
يكشفُ هذا القولُ إشكالية (بازاروف) الذي عجزَ عن تحقيق الانسجام بين عدميته وعاطفته الإنسانيّة، وهذا ما جعلَ تلك الشّخصية تتسم بصفةِ النّسبيّة، فهي من جهةٍ تثير إعجاب المتلقي لما تمتلكه من نبوغٍ وذكاءٍ وقدرةٍ على إقناع الآخرين بآرائها العدميّة، وتدفعُ المتلقي من جهةٍ أخرى إلى الإشفاق والحزن على مصيرها وصراعاتها النّفسية.
إنَّ إشكالية (بازاروف) لا تتعلّق فقط بصراعاته النّفسيّة وإنّما في عدم قدرته على التّعبير عمّا نفسه من مشاعر إيجابيّة تجاه الآخرين، يقول لصديقه (أركادي): «إنّ الكلام على نحو جميلٍ أمرٌّ معيبٌ» لأنَّ الإنسان الحقيقي في زعمه «ليس هو الذي يفكّر فيه الآخرون، بل هو الذي يخضعون له أو يكرهونه.» (الرواية ص392).
كلُّ ذلك وغيره ممّا لا يتسع المجال لذكره قد يجعل من شخصية (بازاروف) في رواية (الآباء والبنون) واحدةً من الشّخصيات الإشكالية في الرّواية الرّوسية، بيد أنّ صيتها لم ينتشر في الثّقافة العربية مثل (راسكولنيكوف) و(أكاكي) و(أنا كارنينا).
-رواية الآباء والبنون، تورغينيف، ترجمة: خير الضامن، دار المدى، بغداد، ط1، 2014.



