«المنتمي .. دراسة في أدب نجيب محفوظ» للدكتور غالي شكريالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-29 04:49:50

شوقي بدر يوسف

ناقد من الإسكندرية

الكتاب: "المنتمي .. دراسة في أدب نجيب محفوظ" 

المؤلف: شكري غالي

الناشر: الهيئة المصرية لقصور الثقافة

تاريخ النشر: 2018

عدد الصفحات: 196 صفحة

نشر هذا الكتّاب لأول مرة على شكل حلقات مسلسلة في مجلة "العلوم" التي كانت تصدر في بيروت في بداية الستينيات من القرن الماضي، وكان توجه غالي شكري لهذا الإصدار المبكر عن عالم نجيب محفوظ هو أن يربط بين نجيب محفوظ وخاله الأدبي أستاذه ومعلمه سلامه موسى، ويكشف عن علاقة التأثير والتأثر التي كانت قائمة بينهما بقوة، لذا كان هذا الكتاب بهذا العنوان الدال على عمق انتماء نجيب محفوظ لأساتذته والتعبير عن هذه الموتيفة المهمة في هذا الكتاب النقدي المبكر. طبع الكتاب أكثر من طبعة لريادته وأهميته الخاصة، وربما أيضًا لأنه أول كتاب نقدي شامل ظهر عن إبداع نجيب محفوظ – الطبعة الأولى صدرت عام 1964 عن مكتبة الزناري بالقاهرة – ثم توالت بعد ذلك العديد من الطبعات المنقحة والمزيدة، في مصر وبيروت ولأنه يتناول موضوعًا شائكًا معقدًا، بل هو من أهم الموضوعات التي عالجها النقد الأدبي والفلسفي في عالم نجيب محفوظ الإبداعي، وهو موضوع الانتماء الإنساني بمختلف أشكاله، وتوجهاته، لذا أخذ هذا الكتاب أهميته وريادته النقدية والفنية في مسار النقد عند كاتبنا الكبير، فقد عني نجيب محفوظ في إبداعه القصصي والروائي بتجسيد النسيج الأساسي للبرجوازية الصغيرة، وقدم صورًا عدة للمنتمي في نزعته اليمينية، واليسارية كخطين أساسين ولكنهما لم يكملا الصورة المثلى لذلك  بحسب رؤية الناقد غالي شكري، فظهرا في شكلهما التقريري المباشر الذي يوميء بضعف حركة الانتماء، ويبدو هذا واضحًا في أعماله الروائية الثلاثة "القاهرة الجديدة"، "خان الخليلي"، "بداية ونهاية"، إلا أن نزعة المنتمي واللامنتمي في أعمال نجيب محفوظ الروائية شهدت تطورًا مهمًا بعد ذلك ظهر في عدة أعمال روائية بعد هذه الأعمال الثلاثة، ولعل الثلاثية، كانت هي البداية في تجسيد هذه النزعة في شخصياتها المختلفة، بدءًا من الشخصية الملتبسة شخصية السيد أحمد عبدالجواد، مرورًا بأفراد الأسرة بما فيهم الزوجة أمينة، وحتى الجيل الثالث الذى انتهت به الثلاثية في بداية الأربعينيات من القرن الماضي.

يمثل كتاب "المنتمي" طبقًا لما رصده كاتبه جيل المأساة، وملحمة السقوط والانهيار، والمنتمي بين الدين والعلم والاشتراكية، ورؤيا الثورة الأبدية، ثم أخير المنتمي في أرض الهزيمة. 

وكان الدكتور علي الراعي قد كتب يقول، منذ سنوات، كان كمال عبدالجواد في الثلاثية يمثل اللامنتمي في أدبنا المصري، وجاء غالي شكري ليقول إن كمال عبدالجواد، ومن ورائه نجيب محفوظ، يمثلان نموذجًا خاصًا للمنتمي في عالمه الخاص، ولكي يثبت غالي شكري وجهة نظره عكف على دراسة جميع أعمال نجيب محفوظ التي كتبها في الفترة الواقعة ما بين عامي 1938 و1963، وفي هذه الدراسة الجادة الشاملة أكد لنا أن نجيب محفوظ وهو يقدم لنا كمال عبدالجواد كان وكأنه يسجل وثيقة فنية عن جيل الأزمة في تاريخنا الحديث. ففي الفصل الأول كتب غالي شكري عن جيل المأساة، وفيه يثبت أن شخصية كمال عبدالجواد هي الإعلان الحقيقي عن ميلاد البطل التراجيدي في الرواية المصرية على المستوى الفني. كما أن هذه الشخصية تعتبر ميثاقًا حضاريًا عن أزمة جيل مأساة الحرية في بلادنا على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي.

أما الفصل الثاني وعنوانه "ملحمة السقوط والانهيار" فيقدم لنا نماذج عن شخصية الضائع، والمضطهد، ومسارب النفس من خلال الطريق القصير، والطريق المسدود والسراب في خماسية "القاهرة الجديدة"، "خان الخليلي"، "زقاق المدق"، "بداية ونهاية"، و"السراب". ولما كانت الملحمة تنتهي في أغلب الأحيان بانتصار البطل. فقد يبدو أن ثمة تناقضًا وقع فيه غالي شكري حين اختار عنوان الفصل الثاني. واعتقد أن البطل المنتصر في هذه الملحمة هو الشعب المصري الذي ربما تقهقر ريثما يأخذ أنفاسه ولكنه لا يلقي السلاح أبدًا أو يسلم بدواعي الهزيمة. وليست نماذج السقوط والانهيار إلا كأوراق صفراء تتساقط من هذه الشجرة السامقة التي تقف في شموخ وكبرياء وصمود. على أن غالي شكري قد أراد من هذا الفصل أن يجسد الوضع المأسوي للبرجوازية الصغيرة حين قال: "عقدة الكرامة دائمًا في مأساة البرجوازية الصغيرة هي إحساس حاد ملتهب بالنقص الاجتماعي.

وفي الفصل الثالث "المنتمي بين العلم والدين والاشتراكية" يرسم غالي شكري سيرة البطل العظيم – الشعب المصري – في طريق العلم والاشتراكية. وفي هذا الفصل يركز تركيزًا واضحًا على العمل الكبير الذي لم ينشر بعد في كتاب لنجيب محفوظ، وأعني به رواية "أولاد حارتنا"، وقد كتبها نجيب محفوظ بعد صمت دام سبع سنوات (وقد تم نشرها بعد ذلك على صفحات الأهرام في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1959).

وفي نهاية الكتاب يشير غالي شكري في رؤيته الخاصة نحو عمل الناقد الذي يقتصر على تحليل العمل الفني إلى عناصره الأولية ثم صياغتها على نحو رؤيوي جديد. تتجلى فيه أوجه الاختلال أو التوازن أو الاهتزاز في الرؤية، كالفنان الذي يحلل العالم إلى عناصره الأولية، ومن ثم يعيد صياغته على نحو جديد، ومن خلال الصياغة التعبيرية لهذا العالم يتبين لنا موقف الفنان ووجهة نظره بل ورؤاه تجاه العمل الأدبي من نواح من المفترض أن تكون نابعة من داخل العمل نفسه وباستقراء واقعه ومحددات موضوعاته وقضاياه وإشكاليات تنوع ما يريد أن يحققه من أفكار وآراء وقضايا.

ولا شك أن كتاب المنتمي يمثل حالة أولية خاصة في نقد عالم نجيب محفوظ بأحداثه وأمكنته وأزمنته وشخوصه، وأن ملحمة السقوط والخلاص والتنبؤ هي بالدرجة الأولى محددات الانتماء في هذا العالم السردي الثري الذي يعبر عن مصر كلها بجميع انتماءاتها.


عدد القراء: 119

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-