إريش ماريا ريمارك وديستوبيا الرواية زمن الحربالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-30 18:30:27

شوقي بدر يوسف

ناقد من الإسكندرية

إذا لم نقض على الحرب، فإن الحرب سوف تقضى علينا

هـ . ج . ويلز

يعتبر المشهد اللاإنساني في رواية الحرب بكل تصنيفاته المعلنة وغير المعلنة في اشتغاله على مظاهر ديستوبيا السرد القائمة على تجسيد فظائع وويلات الحرب وما يحدث فيها من أحداث  وأهوال هو قمة الشر في أجل معانيه نظرًا لتعامله مع الوحشية اللاإنسانية، وظاهرة تداعى ما تفرزه من تيمات متنوعة يتناولها الأدب منذ زمن بعيد في كل أجناسه الإبداعية خاصة فيما يفرزه الفن الروائي،  وما يرتبط به من كتابات تجسد مظاهر الموت والدمار والقتل والتشريد وجميع المظاهر اللاإنسانية التي تتركها الحرب في أزمنة وأمكنة العالم المختلفة.

والإبداع الروائي الذي تناول إشكالية الحرب وما يحدث فيها معروف لنا جميعًا في مشاهده التاريخية والحديثة بكل ما يطرحه من ويلات وفظائع لا يستطيع العقل أن يتخيلها أو يتصور ممارساتها، وشكلها، وتداعيات نتائجها خاصة مع التقدم المستمر في اختراعات آلات الدمار والحرب الحديثة في كل المجالات التقليدية وغير التقليدية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ماذا لو قامت الحرب العالمية الثالثة وفق هذا التقدم التكنولوجي في أدوات الحرب وأسلحتها التدميرية الهائلة، وفي ظل انفتاح العقل الحديث على الذكاء الصناعي الذي بدأ يتصدر المشهد التكنولوجي العالمي الآن ويدلى بدلوه في منجزاته العلمية الحديثة بما فيها أسلحة الحرب وآلات الدمار. ربما تكون الإجابة على هذا السؤال من أصعب الأمور وفقًا لما نراه الآن في كل جبهات القتال الحاصلة في بقع وأماكن كثيرة من العالم.

ولعل أبرز من تناول أدب الحرب - خاصة أدب الحرب العالمية الأولى - بويلاته وفظائعه  غير المسبوقة هم: التشيكي جاروسلاف هاشيك في روايته "الجندي الطيب شافيك"، والأمريكي إرنست هيمنجواي في "وداعًا للسلاح"، والأمريكية دانيال ستيك في "التوأمتان"، و"امرأة صالحة"، والفرنسي لويس فرديناند سيلين في روايته الأولى "سفر إلى آخر الليل" 1932، والأمريكي سيباستيان جابريوت في "خطوبة طويلة الأجل"، وغيرهم كثيرون كتبوا عن ديستوبيا الشر الكامنة في روايات الحرب العالمية الأولى ومآسيها بصفة عامة، ولعل أبرز من كتبوا عن روايات هذه الفترة كان الروائي الألماني إيريش ماريا ريماك هذا الجندي  الشاب الذي شارك في الحرب العالمية الأولى كجندي من جنود الجيش الألماني وهو في الثامنة عشر من عمره على الجبهة الغربية، وكتب ملحمته الحربية المعروفة "كل شيء هادئ في الجبهة الغربية" 1929 التي وجهت الأنظار إلى أدب الحرب وما تطرحه في معارك الخنادق والوجه البشع في كمامات الغاز التي كانت ترمز للوجه القبيح في هذه الحرب الطائشة.

وقد يكون من المثير للدهشة أن يعمد هذا الكاتب إلى تأليف روايته جامعًا فيها بين الواقع والخيال لتصوير أهوال وويلات الحرب العالمية الأولى الذي شارك فيها بصفته إحدى جنودها على هذا النحو المؤثر في الوقت الذي انعقد فيه إجماع شبه عالمي على أن بلاده ألمانيا هي المسؤولة عن إشعال نار الحربين الأولى والثانية، وذلك إرضاء لنزعتها النازية العدوانية، وإرضاء لشهوات قادتها وأباطرتها العسكريين. ولكن الغرابة لا تلبث أن تزول إذا مضى المرء في قراءة هذه الرواية، واطلع على جوانب الصدق، والإخلاص، والتجرد في سرد أحداثها، واستخلاص الدوافع والأسباب والنتائج والدلالات المرتبطة بكل لحظة من لحظاتها. وهي في النهاية تعتبر إدانة دامغة لويلات ديستوبيا الحرب، وحملة شعواء على مشعلي نيرانها، ودعوة مخلصة للتبصر في عواقبها المدمرة للغالب والمغلوب على السواء. ومناشدة للضمير العالمي أن يحتكم إلى العقل والمنطق للسعي إلى تسوية المنازعات الدولية بالأساليب السلمية دفعا لهذه الويلات التي تكتوى الشعوب بنيرانها وتدفع الثمن من أرواح أبنائها ودمار مرافقها والقضاء على الأخضر واليابس على كل أرضها، وبالتالي الرجوع إلى عصر الظلام والموت.

اختار الكاتب أبطال روايته من مجموعة من الشبان لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشر كان هو أحدهم، تطوعوا للاشتراك في هذه الحرب الضروس تاركين معاهد العلم، متأثرين بالدعاوى التي كان الكبار يصبونها في آذانهم.

نشرت هذه الرواية مسلسلة في صحيفة "فوس" بداية من 2 نوفمبر حتى الأول من ديسمبر 1928، ثم صدرت في التاسع والعشرين من يناير 1929 وحققت منذ الحلقة الأولى من نشرها نجاحًا مدويًا، إلا أنها تسببت بعد ذلك بسلسلة من المتاعب لكاتبها من جانب الحزب النازي الذي تولى سدة الحكم في ألمانيا عام 1933، مما أدى إلى رحيل ريمارك من ألمانيا عندما شعر أن الحزب النازي الذي ناوئه العداء على وشك الصعود لذلك فكر في مغادرة ألمانيا، وبالفعل قبل عامين من صعود هتلر وحزبه إلى السلطة غادرها، وعاش فترة في منفاه الاختياري في سويسرا  وحتى انتهاء الحرب عام 1945، وقد منعت هذه الرواية وحرقت ضمن الكتب التي أحرقتها الدعاية الألمانية، وسحبت الجنسية من كاتبها ضمن من سحبت جنسيتهم عام 1938.

حياته ومنجزه

ولد إريش ماريا ريماك Erich Maria Remarqueفي الثاني والعشرين من يونيو عام 1898 في مدينة أوزنابروك في عائلة رومانية كاثوليكية من الطبقة العاملة لوالديه بيتر فرانز ريمارك الذي كان يعمل في مهنة تجليد الكتب، وآنا ماريا. التحق إريش بالمدرسة الكاثوليكية التي تؤهله لممارسة مهنة التدريس، لكنه كان يريد أن يصبح موسيقيًا أو رسامًا، جند إريش في الجيش الإمبراطوري الألماني في الثاني عشر من يونيو عام 1917، وهو في سن الثامنة عشر من عمره حيث تم نقله عقب تجنيده مباشرة إلى السرية الثانية القائمة بالجبهة الغربية بمستودع شعبة احتياطي الحرس الثاني في هيم- لينغيلت، ثم نقل إلى فصيلة المهندسين بالسرية الثانية بكتيبة المشاة 15 في السادس من يونيو 1917، حيث شارك في معارك الخنادق وعاش أهوال الحرب بين تورهوت وهوثولست ورأى بعينيه الموت والدمار، وعايش القصف والغازات السامة والخوف الذي تملكه طوال معايشته لهذا المناخ المرعب، حيث رأى رفاقه وأصدقائه يتساقطون من حوله، إما بالغاز أو بالرصاص الطائش، ومنهم من لم يتبق منه أي أثر بعد القصف المدفعي. في الحادي والثلاثين من يوليو 1917 أصيب بشظايا قذيفة في ساقه اليسرى وذراعه اليمنى ورقبته، وتم إجلائه من الميدان، حيث أدخل مستشفى الجيش، وقضى باقي مدة تجنيده وهو يتعافى من الجروح التي أصيب بها، قبل تسريحه.

انتهت الحرب، وعاد الجنود إلى أوطانهم، ورغم أن ريمارك قد نجا من الموت بأعجوبة، وعاد إلى مسقط رأسه، إلا أن الحرب بالنسبة له لم تنته أبدًا، بل ظلت حية داخله، تؤرقه تجاربها وصورها وذكرياتها، بحيث لم يستطع الاستقرار في أي مكان أو مهنة، بسبب هذه الحالة.

قام ريمارك بأولى محاولاته للكتابة في سن السادسة عشر كان من بينها كتابة المقالات وقصائد الشعر، وبدأ ينشر أولى محاولاته الأدبية وهي قصص قصيرة كانت تستوحى ذكريات الحرب، خلال تلك الفترة عمل ريمارك مدرسًا، ثم تركها ليعمل عازفًا على الأرغن في مصحة للأمراض العقلية، ثم أخذ يبيع شواهد القبور، فمراسلاً، فتاجرًا جوالاً إلى أن استقر به الحال في مكتب للدعاية تابع لصحيفة "إشوكونتينتال – صدى القارة" بالقرب من هانوفر. وخلال عمله زار إيطاليا وسويسرا ودول البلقان وتركيا. ثم انتقل إلى برلين حيث حالفه الحظ بمنصب محرر في جريدة "الرياضة المصورة". وهناك حاول محاولات مستميتة لنسيان جو الحرب وتجاوز تجاربه المريرة بالانغماس في الحياة الجديدة، إلا أن ريمارك لم يستطع نسيان ما حدث له أيام الحرب. وبدأت الذكريات عنده تتحول إلى مادة كتابية أدبية، بدأها برواية "غرفة الأحلام"، نشرت عام 1920 وهى رواية رومانسية الأسلوب، غير محددة الهدف، تتناول حياة فنان، ولا تعرض شيئًا واضحًا محددًا، وكانت هذه البداية لريمارك على درجة من الضعف، لم تكن تبشر أبدًا بما وصل إليه الفنان بعد ذلك في روايته الشهيرة "كل شيء هادئ في الجبهة الغربية" التي فاجأ بها العالم مفاجأة حقيقية، ونجحت بعد صدورها نجاحًا منقطع النظير، مما جعلها تحتل المكانة الأولى في الأدب الألماني، وتحدث ضجة في المشهد الروائي العالمي وقت صدورها عام 1929، وفي عام 1931 صدرت رواية "طريق العودة"، و"الرفاق الثلاثة" 1937 وصورت كفيلم ثم تم تقديمها على خشبة المسرح، وأثناء الحرب العالمية الثانية صدرت له رواية "فلتحب جارك" عام 1941، ثم "قبس الحياة" 1952، وفي عام 1954 صدرت روايته "للحب وقت وللموت وقت"، و"المحطة الأخيرة" 1956، ثم "المسلة السوداء" 1956، و"السماء لا تحابى أحد" 1961، كما صدرت روايته "ليلة لشبونة" التي كانت مسك الختام في منجزه الروائي عام 1963.

الراوي والجبهة الغربية

تمثل رواية "كل شيء هادئ في الجبهة الغربية" الأيقونة المهمة في أدب ريمارك بصفة خاصة وأدب الحرب بصفة العامة، وهي الرواية التي حققت له نجاحًا أدبيًا منقطع النظير، حيث ترجمت هذه الرواية إلى معظم لغات العالم، وشكلت حالة خاصة من هواجس الخوف للإنسان المواجه للموت زمن الحرب، ولا يعرف من أين يجئ له.  كتبت الرواية بضمير المتكلم لذا جاءت الرواية أشبه بمذكرات المعارك الحربية، وقد كتب ريمارك في مقدمتها: "الموت ليس مغامرة بالنسبة لأولئك الذين يقفون أمامه وجها لوجه".

ولعل مشهد الراوي وهو يقف بعد انتهاء إحدى المعارك في مستشفى الميدان بين عشرات ومئات الجرحى يواسى زميل له بترت ساقه وهو على وشك الموت نتيجة هذا البتر يرمز إلى مشهد من ملايين المشاهد التي نتجت عن أهوال الحرب وفظائعها ولحظاتها المأسوية: "تهدلت شفتاه، واتسع فمه، وبرزت أسنانه بيضاء كالجليد، وذاب لحمه، وبرزت جبهته وعظام وجنتيه، وغارت عيناه، ولن تنقضي ساعة حتى ينتهي.. ما أجدر العالم كله أن يطوف الآن بهذا الفراش ويقول: هذا هو ابن العشرين من عمره، لا يريد أن يموت.. لينقذه الله". وإذا يلفظ الشاب المنكود أنفاسه الأخيرة لا يجد الراوي ملاذا إلا في خواطره المعذبة: "وجدت من الظلام والهواء خارج المستشفى مخرجًا من أزمتي النفسية، وأخذت أتنفس ملء رئتي واتلمس النسيم في وجهي بحالة لم أعهدها من قبل في حياتي. راحت صور المروج المزهرة بالفتيات الحسان تظهر فجأة في مخيلتي، وأحسست بحافز في قدمي، فأسرعت في سيرى وجعلت أركض. كان الجنود يمرون بي فلا أعبأ بهم، وقصف المدافع يصدر من بعيد فلا أعيره اهتمامًا. كانت أطرافي تتحرك بنشاط، وعضلات جسدي تشتد وتقوى، وأخذت أتنفس من أعماقي بلهف وشغف. كان الليل حافلا بالحياة، فدبت، أحسست بجوع أشد من جوع البطن وحدها وهي أهم شيء في الميدان". (كل شيء هادئ في الجبهة الغربية، ترجمة محمود مسعود، دار الهلال، القاهرة، ص 9)

كذلك كانت مشاهد القتل التي جسدها الكاتب في الخنادق من أبشع المشاهد التي جسدتها الرواية، وصورت البعد اللاإنساني في ديستوبيا الخوف والرعب في رواية الحرب: "كنا في هذا الوقت حيوانات متوحشة، لم نكن نقاتل، بل رحنا ندافع عن أنفسنا أمام الموت الذي أطبق علينا من كل جانب، لم نكن نقذف قنابلنا في وجوه رجال من البشر، فقد كانوا في نظرنا وقتئذ رمزًا للموت، له أيد، وخوذات، يتعقبنا، ويروم حتفنا، لقد مرت علينا موجة من الوحشية هائلة جعلتنا في طرفة عين مخلوقات شيطانية، وقتلة، وسفاحين، وسفاكين للدماء.. وكانت هذه الموجة تضاعف قوانا وتزيدنا خوفا وجنونا وظمأ إلى الحياة". (الرواية ص 8) كان الراوي في معرض سرد ما كان يجري في المعارك يزجي هذه الصورة الرهيبة المروعة في أعقاب معركة استمرت أيامًا متوالية، ومثلت بعدًا تسجيليًا حيًا لما كان يجرى في مناطق القتال المختلفة: "التدمير.. الألغام.. الغازات الخانقة.. الدبابات.. مدافع الماكينات.. القنابل اليدوية.. قذائف الطائرات.. قاذفات اللهب، هذه كلها مجرد كلمات يمر بها القارئ مرورًا سريعًا، لكنها تنطوي في نظرنا على أبشع الأهوال، وأفدح الكوارث.. كانت موجودة هنا، مغطاة بالأوحال، وأفكارنا مشردة، وعقولنا ذاهلة، وقوانا خائرة، وأعصابنا محطمة، وعيوننا ملتهبة، وأيدينا ممزقة، وركبنا دامية.. لم تستغرق هذه المشاهد المروعة سوى أيام معدودة كانت في حسابنا بمثابة السنين.. كنا نزدرد الوقت ونحن نركض، ونقذف القنابل، ونطلق الرصاص، ونقتل، ونستلقي على الأرض إعياء أو احتماء.. شاهدنا رجالاً أحياء شجت جماجمهم، وجنودًا بلا أقدام يركضون بسيقان مبتورة دامية لاجئين إلى أقرب حفرة.. رأينا رجلاً يزحف ميلاً ونصفًا وهو يجر خلفه ركبته المهشمة.. وذهب آخر إلى المستشفى وهو يضغط بيديه على أمعائه التي كانت تنزلق من بين أصابعه.. والتقينا برجال بلا أفواه، ولا فكاك، ولا وجوه.. وأبصرنا رجلاً ممسكًا شريان ذراعه بين أسنانه ساعتين كاملتين حتى لا يتدفق دمه ويخر صريعًا، ولا تكاد الشمس تغرب والليل يهبط حتى يبدأ التدمير والمحق من جديد، أشد عنفًا وضراوة، فتزهق أرواح جديدة، وتمزق الأشلاء أي ممزق". (ص11) وكانت قمة المأساة البشرية في الحرب تتجلى على أشد الصور تأثيرًا وإيلامًا وابتعاثًا للدموع في المآقي، في هذه الصورة الإنسانية التي رسمها الراوي لجندي مهاجم استطاع هو أن يعاجله بإغماد سلاحه فيه قبل أن ينقض عليه في خندقه إبان معركة وحشية، إذ يقول: "... ولم يمت الرجل، كان في النزع الأخير.. لكنه فتح عينيه وجعل يحدّق إلىّ بعينين مفعمتين بأبلغ آيات الرعب والهلع.. كانت الجثة ساكنة، لكن رغبة الفرار التي نطقت بها عيناه كانت من بلاغة التعبير بحيث خيّل إلى أنها ستحمل الجثة حملاً وتفر بها ذعرًا من الموت، نأى مني، لئلا أجهز عليه.. لقد تخاذلت ساقاي أمام هذا المشهد، لكني همست له: "لا، لا، لا"، ورفعت يدي لكي يفهم أنني أريد إسعافه ومساعدته ووضعتها فوق جبينه، فأغمض عينيه، وذهبت عنه نوبة الفزع المميت.. كان فمه مفتوحًا، وحاول أن ينطق، ولكن كانت شفتاه متصلبتين، ولم تكن معي زجاجتي لكي أسعفه بمائها، لكن كان يوجد ماء في قاع الحفرة من الناحية الأخرى.. فهبطت إليها.. وأخرجت منديلي ونشرته وغمسته في الماء الآسن، وتلقيت القطرات التي أخذت تتسرب من مسام المنديل في راحة يدى.. تجرع قطرات الماء، وجئت له بغيرها، ثم فككت سترته لكي أضمد جرحه إن كان ذلك ميسورًا.. وعلى كل حال فقد كان لا بد من هذه المهمة، حتى إذا عثر الأعداء علىّ واعتقلوني رأوا أنني كنت أحاول إسعاف زميل لهم، فلا يعدمونني.. كان مصابًا بثلاث طعنات هي التي وجهتها إليه، فعصبتها بالضمادات التي نحملها في الميدان، وجلست أنتظر، موقنًا أن نهايته آتية لا ريب فيها.. كان هذا الرجل الذي قتلته بيدي هو أول رجل أتيح لي أن أشهده عن كثب يعاني سكران الموت" (ص16)

لعل هذا المشهد وغيره من مشاهد الحرب والقتال التي تعرض لها شباب الجنود الذين شاركوا فظائع هذه الحرب ويلاتها وفظائعها يجسد واحدًا من مآسي ديستوبيا الحرب في أنكى معانيها التي عرفتها البشرية في صورتها التي كانت، والتي عبر عنها الروائيون في روايات الحرب تعبيرًا نسف في معناها ومبناها كل معاني الإنسانية، وصورها القائمة على الموت والقتل، ولعل مشاهد ما كان يدور في الخنادق التي جسد ريمارك بعض وقائعها كانت تعبّر عن مشهد الحرب في معناه الحقيقي الموت ثم الموت ثم الموت".

ديستوبيا الحقيقة بلا رتوش

اللافت للنظر أن كل روايات ريمارك الصادرة بعد ذلك كانت تدور حول أزمات العصر، مثل الانهيار الاقتصادي، والهجرة الاضطرارية من ألمانيا فرارًا من النازي وإرهابه، ومعسكرات التعذيب، والرايخ الثالث، والحرب العالمية الثانية التي كانت على الأبواب. ففي روايته الثانية "طريق العودة" 1931، اختلفت حولها الآراء من حيث وصفها لواقع ما بعد الحرب، من خلال استعراض حياة بعض زملاء "باول بويمر" في ألمانيا خلال انتفاضة 1918 وما بعدها. ويركز ريمارك في هذه الرواية على نقل أسطورة "رفاق الجبهة" في حياتهم المدنية الجديدة. بعدها تتالت أعمال ريمارك الروائية والقصصية، حيث صدرت رواية "ثلاثة رفاق" عام 1938 التي اعتبرت نهاية مرحلة أدبية في مسيرة إبداع ريمارك الروائية.

ففي رواية "ثلاثة رفاق" 1938 التي تعتبر نهاية مرحلة أدبية في مسيرة إبداع ريمارك الروائي، إذ رغم أن السنوات الواقعة بين "طريق العودة" و"ثلاث رفاق" قد تميزت بمظاهر صعود الفاشية وانتشارها في كل من ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، من هنا كان التيار المناهض للفاشية كتيار عارم قد بدأ يسود الحركة الثقافية في معظم دول أوروبا، وامتد حتى وصل أمريكا اللاتينية. رغم ذلك نرى أن الجو العام للرواية بعيدًا عن الأحداث السياسية المقلقة التي برزت على سطح الحياة السياسية في هذه المرحلة.

تحكى الرواية عن حياة ثلاثة رفاق عايشوا الحرب على الجبهة، ثم التقوا بعد انتهاء الحرب وشاركوا في إنشاء ورشة لتصليح السيارات، واقتنوا سيارة للسباق كانوا يشاركون فيها في بعض السباقات المحلية، لقد أفقدتهم الحرب أحلامهم، ومعتقداتهم وتركت كل منهم بلا مستقبل ولا أمل في الحياة ولا هدف، يقتلون الوقت في عملهم، والبارات التي يقصدونها للمتع، ويشاركون أحيانًا في سباقات السيارات، والبحث عن أي مورد يعوضهم عن الكساد المسيطر على الحياة في ذلك الوقت، يتعرف أصغرهم "روبرت" على فتاته "بات هولمان" المصابة بداء السل، ويحاول الصديق الثاني "لينس" إثارة الشغب في اجتماع سياسي لحزب متطرف، يحتمل أن يكون الحزب النازي، لكنه يقتل، فينتقم له أصدقائه بملاحقة القاتل وتصفيته وتتحول القضية من جريمة سياسية إلى حالة ثأر فردي، ورغم أن ريمارك يؤكد هنا على ضرورة وجود واستمرار الأخوة والصداقة بين الأفراد كي يحافظوا على قدرتهم على الاستمرار في الحياة ومجابهة الصعاب، كما كانوا زمن الحرب، إلا أن هذا المصير يهتز أمام ضغط الحالة، وبحث كل منهم على مصيره بمفرده، ويطوي الموت لينس ثم بات ويترك روبرت وحيدًا منعزلاً في هذه الحياة الصاخبة.

وفي رواية "قبس الحياة" 1952 يصور لنا ريمارك معسكرات التعذيب، ويدور موضوعها حول الصراع من أجل مجرد البقاء، ورغم عنف الصراع وقسوة التعذيب نجد كثيرًا من الفضائل مثل الحب، والتآخي، واستعداد الناس في هذه المعسكرات لتقديم المعونة للآخرين – رغم أن هذا يعرض حياتهم لخطر أكيد – واستعداد أبطال ريمارك للتجاوب مع هذه الفضائل أمر نلاحظه في سرد الرواية، وهو ما جعل النقاد يقولون إن أبطاله معلمون في مدرسة الحياة العليا، ويعطون الناس دروسًا في كيفية مقاومة عدم احترام القوانين، والفوضى، والأنانية المقدسة التي تنجم عن انتهاج أسلوب نازي في الحكم، والسلبية واللامبالاة التي تجتاح الناس، فيفقدون إرادة الحياة ويفقدون الارتباط البشرى، كما يفقدون الإحساس بالمسئولية عما يحدث في المجتمع وللآخرين.

وفي رواية "وقت للحب ووقت للحرب" 1954 يعود الجندي إيرنست جريبر إلى موطنه بعد حصوله بالكاد على إجازة ميدان بعد معاناة شديدة بسبب ظروف الحرب، وبعد عودته إلى منزله وجده قد تعرض للهدم بفعل الغارات الجوية على المدينة، وفي هذا الإطار الفوضوي للمكان يبحث إيرنست عن والديه دون أن يتمكن من العثور عليهما حتى تملكه اليأس، لكنه يعثر على حبيبته إليزابيث كروز بطريق الصدفة. ويحاولان معًا الحفاظ على البقية الباقية من حضورهما العاطفي والإنساني في خضم هذه الأحوال والممارسات التي يعيشونها في هذا المناخ غير المسبوق مناخ الحرب. لقد كان رد الفعل عند إيرنست أقوى مما شاهده في ميدان القتال، فقد تملكه الخوف الحقيقي، على الرغم من خوف ميدان القتل يعنى في كل الأحوال الخوف القاتل، كانت ردة الفعل عن إيرنست عندما فقد والديه قويا، ورؤيته للخراب الذي حل بالمكان، وحول هذا المدلول يقول ريمارك: "إن الهجوم والهجوم المضاد، مجرد كلمات، لكن لو تدرون ماذا تعني هذه الكلمات على الجبهة، وأثناء القتال. إن أدب الحرب كله لا يمكنه تصوير مدلولها، وبشاعة هذا المدلول". (حول روايات الحرب للعقل وقت وللخوف وقت، مهدي النجار، ج المدى، بغداد، ع 592، 2 فبراير 2006) لقد عاشا (جريبر وإرينست) بطلا الرواية الخوف بكل معانيه، خوف الانهيار والشك المدمر والخوف على ضحايا لا ذنب لهم، الخوف من الطغيان، والقوة والوحشية، هذا هو الخوف الذي سيطر على العصر كله زمن الحرب. من هنا كان للحب وقت وللحرب وقت آخر.

وفي رواية "المسلة السوداء" 1956، وتدور أحداثها عام 1923ـ يجسد ريمارك الآمال المنهارة التي كانت تنشدها الأجيال الناشئة بعد الحرب الأولى، ويحذر فيها من عودة العسكرية الألمانية إلى الحياة بعد الصراع العالمي الأول، ومن الخطر الناجم عن هذا البعث من جديد. وقد أختار أحد المحاربين القدماء بطلا لقصته ويدعى "لودفيج بودمر" وكان يعمل في حانوت تشييع الموتى، ويعزف على الأرغن في كنيسة تابعة لإحدى مستشفيات الأمراض العقلية، وهي مهن مارسها ريمارك نفسه، فكأن ريمارك يتحدث عن نفسه بنفسه، لم يحفل لودفيج بتقاليد المجتمع جراء ما شاهده ومر به أيام الحرب، لقد همد حسه نتيجة ما شاهده، فلا الموت، ولا الحوادث البشعة تحرك شعوره الذي تبلد، وهو رمز لكثيرون تأثروا بالحرب، وعايشوا أهوالها، كما جسد أيضًا الكارثة المالية التي مرت بها ألمانيا نتيجة انهيار سعر العملة والآثار الناجمة عنها، مما أدى التفكك الاقتصادي والبطالة والتضخم، مما رسم لألمانيا مصيرها المظلم وأدى بها إلى كارثة تضخم كبيرة. ويسود الرواية في كل جزء من أجزائها صور هزلية "للمسلة السوداء" الرامزة إلى الحياة، وهي نصب جنائزي من الجرانيت، باهظ الثمن، يمثل الصلف والغرور الألماني، وقد ظل هذا النصب في الحانوت الذي يعمل به لودفيج بودمر زمنًا طويلاً، يحجم الناس عن شرائه، بل كان موضع سخريتهم وازدرائهم، ولكن "لودفيج" يهتدى أخيرًا إلى حل "لتصريف" هذه المسلة فوضعها فوق قبر بغّى معروفة إمعانًا في الترميز إلى عبثية الحياة، مما يعطى دلالة عما يريد أن يرمى إليه ريمارك حول الواقع المادي الذي وصلت إليه الأحوال في ذلك الوقت، والنتائج الرهيبة التي خلفتها الحرب، ذلك أن متعهد دفن الموتى قد ازدهرت أعماله بشكل لم يسبق له مثيل، بسبب تفشي الأمراض وهلاك الكثيرين، في نفس الوقت تزدهر المطاعم الفاخرة والنوادي الليلية وبيوت البغاء، واغتنى كبار التجار جراء التلاعب بالأسعار، وازداد الفقير فقرًا والغنى غنى، وأصبحت المعادلة الاجتماعية وقتئذ غير متكافئة نتيجة ما رأته هذه المسلة السوداء في الحالة الاجتماعية لهذا المجتمع.

وفي رواية "السماء لا تحابى أحد" وهى قصة سجين سابق لدى النازي أختار لحياته أسلوب المخاطرة، ودأب فيها على عشق التحديات بكل ألوانها، لذا نراه يتحدى الزمن في مواجهة القدر، وقصة امرأة في مقتبل العمر حباها الله جمالاً ساحرًا، اندفعت به تتحدى مصيرها المحتوم الناتج عن مرض السل، تضطرب بما يضطرب به الناس في حياتهم ومتعهم، غير عابئة بشيء في طريقها. سوى ما تستطيع أن تأخذه من متع الحياة ومسراتها، بسبب هذا المرض الذي تعرف أنه الأخير معها.

كانت حياة الرجل تمتد على مراحل تنتقل من سباق إلى آخر، أما المرأة فكانت حياتها أيامًا معدودة، إنها قصة المغامرة الجامعة لتناقضات الحياة والموت، ينتقل بها السرد مع روعة الطبيعة في كل أنحاء أوروبا، في وحشة جبال الألب، وسحر باريس في شتائها القاسي، وجمال الطبيعة في صقلية والبندقية، والهدوء الجاثم على الريفيرا. قصة اثنين جمعت بينهما الصدفة وطوقهما المصير المحتوم فشربا كأس الحب حتى الثمالة غير عابئين بما قدرت لهما السماء، "فالسماء لا تحابي أحد" ومصائر البشر مقدرة من يوم خلقهم بالرغم من ظروف فالحياة وما ينتهجونه من طرق المعيشة فيها، وتطرح الرواية في سردها اسئلة فلسفية حول الحياة والموت، المعنى ورغبات الجدوى لتضعنا في مواجهة الواقع أمام أنفسنا وجها لوجه وامام كل من اعتدنا التظاهر بعدم رؤيته.

أما روايته الأخيرة "ليلة لشبونة" 1963 تمتد لتروى حكايات المهاجرين الألمان الهاربين من قبضة الفاشية المتغلغلة داخل مفاصل المجتمع الألماني المختلفة، لذا تناول ريمارك (السارد) موضوع قدره المأزوم من خلال شخصية مواطن ألماني يحاول الهرب مع زوجته من (لشبونة) البرتغالية إلى أمريكا، ولما كانا لا يملكان المال اللازم لشراء تذاكر السفر، ولا تأشيرة الخروج، وقد بيعت كل التذاكر الخاصة بهذه الرحلة، وكان وضعهما في هذه الورطة ميئوس منه تمامًا. وتلعب الصدفة دورًا غرائبيًا في إنقاذ حياة هذا الرجل وزوجته بعد أن فقدا الأمل في النجاة من هذه الحياة المليئة بدوستوبيا الخوف من ويلات الحرب، وتداعياتها المرعبة التي عمت كل أنحاء ألمانيا، كان الخوف المسيطر عليهما قد جعلهما نهبًا لعدم القدرة على التفكير في أي شيء، وهو على حد تعبير روزفلت يكاد المرء يخاف من الخوف نفسه لأن الخوف نفسه قطب هام من أقطاب ديستوبيا فساد الإنسانية وشرورها، لذا كان بطل الرواية يحيا على حافة الخطر جراء هذا الخوف المسيطر عليه هو وزوجته، وتلخص الرواية بكثافة الواقع المأسوي الذي تركته النازية في حياة الناس، وفي محاولة لكسر حاجز الخوف، بدأ الراوي المحاولة بالمقامرة بالنقود التي معه: "هذه الخطوة يائسة بحد ذاتها، فلو افترضنا أنني ربحت في المقامرة كان لا بد من حدوث أعجوبة لنتمكن من ركوب تلك السفينة، الإيمان بحدوث الأعاجيب هو إحساس ملازم لهؤلاء الذين يعيشون حالة الفرار واليأس والخوف، ولولا هذا الإيمان لفقد الإنسان قدرته على الاستمرار، خسرت ستة وخمسين دولارًا من أصل أثنين وستين دولارًا كانت في حوزتي". (ص6)

ويقود القدر لهما المواطن جوزيف (العائد من فرنسا ومعه أوراق سفر باسم شيفارتيس) للبحث عن زوجته هيلين شقيقة أحد الجنرالات الألمان، التي انتحرت بسبب مرضها بالسل الذي كانت تخبئه عن حبيبها، ومن ثم تسود الدنيا في عينيه، ويتملكه اليأس من هذه الحياة، ويفقد الرغبة في الهرب من واقعه الجديد ويقرر أن يمنح تذكرتي السفر إلى أمريكا إلى أي أحد يقبل أن يسمع حكايته كلها في ليلة واحدة. ويسوق له القدر هذا الشاب الواقف على رصيف المرفأ ينظر إلى السفينة المقرر سفرها غدًا إلى أمريكا. بينما زوجته تنتظره في مكان آخر، وكان كأنه على موعد مع القدر حينما اقتحم خلوته شيفارتس الذي كان يتابع هذا الشاب من مكان إلى آخر حتى استوقفه، وعرض عليه صفقة العمر بأن يعطيه التذكرتين اللتين تمنحانه صك الحرية وتوصله وزوجته إلى بر الأمان، مقابل أن يقضي الليل معه ليسمع حكايته التي من المؤكد سوف لن ينساها أبدًا، لم يصدق الراوي هذا العرض إلا بعد أن رأى بعينيه التذكرتين وتأشيرة السفر. بينما زوجته تنتظره في مكان آخر من المدينة. وتبدأ أحداث هذه الليلة التي يحكيها جوزيف عن فراره من الألمان وسفره إلى باريس وحصوله على جواز سفر من رجل كان يحتضر، ثم سفره إلى ألمانيا لإنقاذ زوجته ثم تجواله في أوروبا ووفاة الزوجة، ثم استقراره هو في البرتغال، يتم تحويل جواز السفر والأوراق التي ورثها جوزيف من الرجل الميت إلى اللاجئ المستمع. وبعد ذلك يختفي الراوي ويبقى المستمع الذي يسافر إلى أمريكا حيث طلقته زوجته بعد ستة أشهر من وصولهما.

بهذه البانوراما الحربية نجد أن أريش ماريا ريمارك قد استخدم عدسة مكبرة في إبداعه الروائي حتى يمكننا من خلالها رؤية الديستوبيا في زمن قدر أن تكون الحياة فيه بهذه الوحشية الطاغية.


عدد القراء: 768

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-