لا يتعلق الأمر بتأويل العالم بل بتغييره.. (أطروحات حول فويرباخ)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 17:13:05

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي - أغادير – المغرب

كارل ماركس

تعريب وتقديم: نبيل موميد

 

التقديم:

في ربيع سنة 1845، كتب "كارل ماركس – Karl Marx" (1818-1883) هذه الملاحظات التي نشرها للمرة الأولى "فريدريش إنجلز – Friedrich Engels" (1820-1895) سنة 1888، بوصفها ملحقًا بطبعة كتابه لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، الصادر بإنجلترا.

وقد أفاد "إنجلز" في تقديمه للكتاب أعلاه، أنه وجد في دفتر قديم من دفاتر "ماركس" إحدى عشرة أطروحة حول "فويرباخ" (1804-1872). كما أكد أنها ملاحظات سريعة كانت ستشكل برنامج عمل كتاب مستقبلي – الفصل الأول منه للدقة العلمية - لم يكتب له الطبع أو النشر قيد حياة "ماركس"، بيْد أنه في ذَات الآن شدَّد على أهميتها وقيمتها العالية، لاسيما أنها تشكل الوثيقة الأولى التي تحمل بذور تصور جديد وعبقري للعالم.

ولن ينشر هذا الكتاب الموسوم الإيديولوجية الألمانية (بالاشتراك مع "إنجلز" وآخرين) إلا في سنة 1932 على يد السوفياتي المختص في دراسة الماركسية ومؤلفات "ماركس"، "دافيد ريازانوف – David Riazanov" (1870-1938).

وبإجماع كل من اطَّلع على هذه الأطروحات، تبقى الأطروحة الحادية عشرة هي الأهم؛ وذلك بالنظر إلى أنها حددت برنامج عمل الفكر الماركسي ككل، ومهدت الطريق للمفكرين الاشتراكيين اللاحقين لكي يحددوا أسس الاشتراكية، ومحوريتها في صياغة تصور جديد لعالمٍ لا يكف عن التحول والتغير يوما بعد آخر.

وعلى حد علمنا، لم يسبق لهذه الأطروحات أن نُقِلت إلى اللسان العربي، باستثناء محاولة الكاتب والمفكر والمترجم الفلسطيني "سلامة كيلة" (1955-2018) الذي انشغل أساسًا بالفكر الاشتراكي الماركسي، إلا أنها غير متوفرة؛ لذلك نرجو أن يكون تعريبنا هذا ذو فائدة للمهتمين بتوثيق تاريخ الحركة المادية التي أفرزت المذهب الماركسي ومختلف نتائجه على المستوى العالمي.

نص التعريب:

1

تكمن النقيصة الأساس لجُماع الحركات المادية السَّالفة - بما فيها مادية فويرباخ - في أنهم لا ينظرون إلى الشيء، والواقع، والعالم المحسوس إلا باعتبارهم أشياءً أو حدسًا، وليس بوصفهم نشاطًا إنسانيًا ملموسًا؛ أي تطبيقًا، بعيدًا عن الذاتية. وهذا ما يبرر سبب اهتمام الحركات المثالية بتطوير الجانب النشط - على عكس المادية – ولكن بشكل مجرد؛ لأن المثالية بطبيعتها لا تعرف النشاط الواقعي الملموس. يريد فويرباخ أشياء ملموسة، متمايزة بشكل فعلي عن أشياء الفكر، غير أنه لا يعتبر النشاط الإنساني نشاطًا موضوعيًا. لهذا، افترَضَ في كتابه جوهر المسيحية أن النشاط النظري وحده هو النشاط الإنساني الحقيقي، بينما لم ينظر إلى التطبيق العملي ولم يثبته إلا في ممارسته الوضيعة لليهودية. لكل هذه الأسباب، لم يفهم فويرباخ أهمية النشاط "الثوري"، والنشاط العملي النقدي.

2

ليست معرفة إن كان بإمكان الفكر الإنساني أن يتوصل إلى حقيقة موضوعية مسألة نظرية، وإنما هي قضية تطبيقية؛ ذلك أنه على الإنسان أن يبرهن من داخل التطبيق العملي على الحقيقة؛ أي عن الواقع والقوة، بعيدًا عن فكره. ومن ثمة، لا يمكن لنقاشٍ حول واقعية الفكر أو لاواقعيته بمعزل عن التطبيق العملي إلا أن يكون محض كلام نظري مدرسي.

3

إن المذهب المادي القاضي بأن الرجال هم بمثابة نتائج لظرفيات ما وللتربية، وبأن الرجال المختلفين ما هم سوى ثمار لظرفيات أخرى [مغايرة]، ولتربية مختلفة، ينسى أن هؤلاء الرجال أنفسهم هم من يُغيِّرون الظرفيات، وأن الْمُربِّي يحتاج، في حد ذاته، إلى أن يحصل على تربية [ما]. لذلك ينزع هذا المذهب - حتما - إلى تقسيم المجتمع إلى قسمين متمايزين؛ بحيث يكون أحدهما فوق المجتمع. (مثلما هو الأمر عند "روبير أوين – Robert Owen"[(1771-1858)، اشتراكي مثالي إنجليزي]).

لا يمكن أخذ توافق تغيُّر الظرفيات والنشاط الإنساني في عين الاعتبار وفهمه بطريقة عقلانية إلا بوصفه تطبيقًا عمليًا ثوريًا.

4

ينطلق فويرباخ من أن الدِّين يُبْعد الإنسان من نفسه، ويجعل العالم مشطورًا إلى عالم ديني بوصفه موضوعًا للتَّمثُّل، وعالم واقعي. لذلك يتأسس عمل فويرباخ على تفكيك العالم الدِّيني عبر ردِّه إلى أساسه الزمني، دون أن يدرك أنه على الرغم من إتمام هذه العملية إلا أن أهم ما في الأمر لم ينجز بعد. فبما أن الأساس الزمني ينفصل عن ذاته ويُثَبَّت في السماء بوصفه مملكة مستقلة، فلا يمكن أن يفسر - تحديدًا - سوى بتفكك الأساس الزمني وتناقضه الداخلي. لذلك لا مندوحة ابتداءً من فهم هذا الأساس الزمني في تناقضه، في أُفق تَثْوِيرِهِ فيما بعد بطريق عملي من خلال إلغاء هذا التناقض. إذن، بمجرد ما نصل إلى أن العائلة الأرضية - على سبيل التمثيل - هي سر العائلة السماوية، فإن النقد النظري يجب أن يكون، من الآن فصاعدًا، من نصيب العائلة الأرضية، التي ينبغي تَثْوِيرها من خلال التطبيق العملي.

5

بالنظر إلى عدم رضا فويرباخ على الفكر المجرد، دعا إلى الإدراك المحسوس، بَيْد أنه لا يعتبر الحساسية بوصفها نشاطًا تطبيقيًا عمليًا لحواس الإنسان.

6

يُحِلُّ فويرباخ الكائن الديني داخل الكائن الإنساني، غير أن الكائن الإنساني ليس تجريدًا ملازمًا للفرد المعزول، بل هو - في حقيقته - مجموع العلاقات الاجتماعية.

سيكون فويرباخ ملزمًا، مادام لم ينصرف إلى نقد هذا الكائن الواقعي، إلى:

1. أن يضرب صفحًا عن دروس التاريخ، وأن يثبت الحس الديني في ذاته، وذلك بافتراض وجود فرد إنساني مجرد ومعزول.

2. اعتبار الكائن الإنساني، من ثمة، فقط باعتباره "نوعًا"، أي تعميمًا داخليًا، يربط بطريقة طبيعية خالصة مختلف الأفراد.

7

لهذا السبب، لا يرى فويرباخ أن "الحس الديني" هو في حد ذاته منتوجًا اجتماعيًا، وأن الفرد المجرد الذي ينخرط في تحليله، ينتمي في الواقع إلى شكل اجتماعي محدد.

8

إن الحياة الاجتماعية حياة تطبيقية بالأساس. وكل الأسرار التي تصرف النظرية ناحية التَّصوُّف [الديني]، تجد حلَّها العقلاني في التطبيق الإنساني، وفي فهم هذا التطبيق.

9

إن أعلى نقطة يمكن أن تصل إليها المادية الحدْسية؛ أي المادية التي لا تنظر إلى الحساسية باعتبارها نشاطًا تطبيقيًا، هي طريقة رؤية أفرادٍ منظور إليهم معزولين في "المجتمع البورجوازي". 

10

إذا كانت وجهة نظر المادية القديمة تكمن في المجتمع "البورجوازي"، فإن نظيرتها في المادية الجديدة تكمن في المجتمع "الإنساني"؛ أو الإنسانية المطبَّعة اجتماعيًا.

11

اقتصر عمل الفلاسفة على تأويل العالم بطرائق مختلفة، غير أن الأمر يتعلق [في الواقع] بتغييره.

 

مصدر النص المترجم:

Karl Marx, «Thèses sur Feuerbach» (Annexe), in Friedrich Engels, Ludwig Feuerbach et la philosophie classique allemande, Edition du Progrès, Moscou, URSS, 1979, pp: 83-87.

ملاحظة:

الكلمات والعبارات بين قوسين معقوفين [...] هي إضافات من المترجم زيادة في الإبانة والتوضيح.


عدد القراء: 527

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-