الذكاء الثقافي: التعايش مع الآخرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-29 05:01:55

أ. د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

في عالم اليوم تقاربت المسافات، وسهل السفر والتنقل والتواصل، ومقولة أن العالم أصبح قرية صغيرة، نراها تتحقق بصورة أكثر واقعية. لقد أصبحت المدن الكبرى في كثير من دول العالم، مدنًا متعددة الثقافات، نظرًا لكثرة الجنسيات، والأعراق لساكنيها، فتجد في مؤسسة العمل زملاء من مختلف الجنسيات، والألوان واللغات. اجتمعوا في بيئة عمل واحدة، ولكل منهم أهدافه الخاصة، أو أسباب تواجده، ولكن يجمعهم هدف عام وهو نجاح مؤسسة العمل. كذلك فإن لوسائل التواصل الحديثة، أثر كبير في تقارب شعوب العالم، وتفاعلهم مع بعضهم البعض، بطريقة افتراضية تحاكي الواقع.

من هنا ظهر مفهوم الذكاء الثقافي (Cultural Intelligence)، وبات مطلبًا، يسعى أصحاب العمل إلى اكساب مهاراته للعاملين في شركاتهم ومؤسساتهم، خاصةً تلك العابرة للقارات. إن فهم الآخر واستيعاب الثقافة التي أتى منها، يعتبر من أساسيات التعامل في الحياة المعاصرة. حيث الفهم المتبادل والتعامل على أساسه، يعتبر أحد الميكانزمات الضرورية للتعايش، والتقبل، وتخفيف حدة الصراع والمنافسة على أساس ثقافي أو عرقي. وللثقافة مفهوم واسع وشامل ومتعدد الأبعاد، يمس مختلف جوانب الحياة، فهو مفهوم يشتمل على مجموعة من القيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات، التي تحتفظ لجماعة بشرية معينة بهويتها الحضارية في إطار ما تعيشه من تطور له تفاعلاته الداخلية، والقابلية للتواصل والأخذ والعطاء (Lee, et al., 2010).

لذا، فإن هناك حاجة إلى الوعي الثقافي لفهم وتقدير القيم والمعايير السلوكية للأفراد الآخرين. ويرجع الاهتمام بدراسة تأثير العوامل الثقافية في الذكاء، إلى بدايات علم الأنثروبولوجيا، فقد نشأ المدخل الثقافي لدراسة الذكاء والقدرات العقلية داخل إطار علم النفس كاتجاه معاكس للاتجاه البيولوجي، فالاتجاه الثقافي السائد يفترض أن الذكاء مكون اجتماعي يتحدد في ضوء ثقافة المجتمع، وهذه الثقافة تحدد أشكال السلوك الذي يمكن وصفه بالذكاء، كما تحدد كيفية قياسه (Van Dyne et al., 2008).

والذكاء الثقافي يعتبر مفهومًا متعدد الأبعاد، يتضمن مكونات ما وراء المعرفة (Metacognition)1، والمكونات المعرفية والدافعية والسلوكية. ويعبر الذكاء الثقافي عن قدرة الفرد على التوافق والتكيف بفاعلية مع الثقافات الجديدة المحيطة به. لذا فقد أشار رامالو وآخرون (Ramalu et al., 2011) إلى أن الأفراد ذوي الذكاء الثقافي المرتفع يظهرون قدرة أكبر عند إصدار الأحكام والقرارات في المواقف المختلفة، كما أنهم يتكيفون بصورة جيدة في البيئة الثقافية الجديدة في كافة الأعمال التي يقومون بها. وعليه يمكن القول، أن هناك ارتباط بين الذكاء الثقافي والتكيف الثقافي، ذلك أن الذكاء الثقافي يشير إلى قدرة الفرد على التكيف بفاعلية في المواقف التي تتسم بالتنوع الثقافي (Ang et al., 2007). ويتضمن التكيف الثقافي (Cultural adaptation) القدرة على التفاعل والمشاركة مع الثقافة الأخرى المغايرة في كافة مستوياتها بحيث يتلاءم الشخص ويتوافق مع هذه الثقافة المغايرة.

وظهرت الحاجة إلى الوقوف على الذكاء الثقافي والاستفادة من مهاراته في مجالات عدة، من أهمها، بيئات العمل. ذلك عندما لوحظ أن الشركات متعددة الجنسيات تستقطب أفضل العقول من جنسيات وخلفيات ثقافية واجتماعية متباينة، وتتوقع أفضل الأفكار الإبداعية لزيادة منتجاتها، وأنسب الحلول المبتكرة للتحديات التي تواجهها، لكن النتائج تأتي عكس التوقعات. ذلك بسبب عدم التعايش الصحي بين الموظفين والعاملين من ثقافات مختلفة، والناتج عن عدم الفهم المتبادل فيما بينهم، وتركيزهم على الاختلافات، بدلاً من النظر إلى المشترك الإنساني فيما بينهم. من هنا ظهرت أهمية الذكاء الثقافي بوصفه مهارة لازمة الاكتساب، ويجب أن يتصف بها رجال الأعمال والموظفين في هذه الشركات، خصوصًا مع انتشار التجارة الالكترونية. 

والذكاء الثقافي يعتبر أعلى درجات الإدراك الثقافي، التي تجعل الشخص أكثر قدرةً في معرفة العادات والتقاليد، والقيم والمعتقدات، لمختلف الجنسيات والجماعات العرقية والدينية، والتعامل معها بذكاء وفعالية. إن امتلاك المعرفة الواسعة بهذه الجوانب، يعكس مدى دافعية الشخص وميله لمقاومة الموانع الثقافية، والثقة في قدرته على التواصل مع الناس من مختلف الثقافات. كذلك فان اكتساب مهارات الذكاء الثقافي من المعطيات الهامة للعاملين في السلك الدبلوماسي، لأنهم يمثلون بلدانهم في ثقافات ومجتمعات مختلفة، ويسعون إلى عقد الصداقات، وتقريب وجهات النظر.

ويحتاج الطلاب المبتعثين للدراسة في البلدان الأجنبية، اكتساب واستخدام مهارات الذكاء الثقافي وتنميتها، ربما أكثر من غيرهم. ذلك أنه بالإضافة للضغوط التي يواجهونها لدراسة وتعلم لغة أجنبية، ثم التخصص لنيل درجة علمية، فإنهم مطالبون بمعرفة وفهم الثقافة التي يعيشون فيها. فمثلاً، يواجه الطلبة الدارسين في بعض البلاد الأجنبية، مشكلات تتعلق بعدم قدرتـهم على فهم ما تنطوي عليه بعض الألفاظ الشائعة، وما تتضمنه من معانٍ ودلالات، وتضمينات سلوكية لفظية وغير لفظية، مما يجعلهم يشعرون بحالة من الاضطراب التي تسـهم فـي تشـكيل مدركاتهم عن العالم المحيط بهم. فالثقافة لها القدرة على السيطرة والتأثير في مدركات الطالب، لـذلك يجب أن يفهم الطالب المغترب كافـة الإيماءات وأنماط الكلام والسلوك التي قد يواجهها فـي البيئة الثقافية والاجتماعية الجديـدة، ويبذل الجهد للتعايش معها، حتى يحقق الأهداف التي من أجلها وفد إلى هذه البلاد، ويعود إلى بلاده مزودًا بالعلم والمعرفة، وباتساع الأفق الثقافي.

ويمكن النظر إلى الذكاء الثقافي باعتباره نظام عقلي- معرفي، يتكون من ثلاثة عناصر، وهي؛ المعرفة الثقافية، ومهارات التعامل ما بين الثقافات وما وراء المعرفة الثقافية، وتكتسب مهارات الذكاء الثقافي، من خلال تدريب النفس على بعض العادات المتصلة بالمهارات الاجتماعية، والمرونة العقلية والسلوكية، والمشاركة الوجدانية. وهناك بعض الطرق التي تساعد الشخص في تنمية مهارات الذكاء الثقافي لديه، منها ما يلي:

- أن يكون الشخص فضوليًا ومهتمًا بالتعرف على الثقافات الأخرى، ويمكن أن يكون ذلك بالاطلاع على الثقافات الأخرى من خلال القنوات المختلفة والمتعددة مثل الصحف، والأفلام، والكتب وشبكات التواصل الاجتماعية.

- تنمية الوعي الذاتي المحايد فيما يتعلق بالتحيز ضد الآخرين، بمعنى أن يكون عقلك سجلاً نظيفًا، حتى تتمكن من التعامل بموضوعية مع الآخر المختلف.

- القدرة على التكيف، والمرونة في تغيير السلوكيات بناءً على المتطلبات الثقافية المغايرة.

- تطوير المهارات الاجتماعية وزيادتها، من خلال الاستمتاع بالحديث والتفاعل مع أشخاص من ثقافات أخرى.

- تأمل آليات التفاعل الناجحة وغير الناجحة التي قمت بها، والعمل على تنمية التفاعلات الناجحة، والحد من التصرفات وردود الفعل غير الناجحة، وغير المفيدة.

- التسامح والمشاركة الوجدانية، وتفهم وجهات نظر الآخرين ومشاعرهم، من خلال تخيل نفسك في مواقف الأشخاص من ثقافات مختلفة.

- حضور الدورات وورش العمل الخاصة بتنمية مهارات الذكاء الثقافي، والبحث عن فرص العمل التطوعي مع أفراد من ثقافة أجنبية، كذلك السفر إلى بلد آخر.

- ملاحظة سلوكيات الآخرين وطرح الأسئلة بطرق مناسبة للطرف الآخر، وفي الوقت المناسب، إضافة إلى القدرة على تحليل المواقف والتأمل في سلوكك الخاص، وردود فعلك.

والواقع أننا جميعًا نحتاج إلى مثل هذه المهارات، فكما تمت الإشارة في بداية المقال، باتت المدن الكبرى في كثير من الدول، متعددة الثقافات والأعراق، وصرنا نتعامل يوميًا مع أشخاص يختلفون عنا في اللغة، والعادات والتقاليد، وكلنا نسعى إلى التعايش الإيجابي والبناء.

الهوامش:

1 - مراقبة وتتبع الإنسان لتفكيره واندماجه في عمليات التفكير، يطلق عليها عمليات ما وراء المعرفة أو التفكير في التفكير، أو التفكير فوق المعرفي، والتي تساعد على نمو القدرة على التعلم الذاتي، كما تؤدي إلى الفهم والتعلم الإيجابي والفعال.

 

أهم المراجع:

- النملة، يوسف بن إبراهيم (1433هـ- 2012م). المبتعث السعودي والذكاء الثقافي. (ط2). المملكة العربية السعودية: مكتبة الملك فهد الوطنية.

- Ang, S., Van Dyne, L., Koh, C., Ng, K.Y., Templar, K.J., Tay, C. et al. (2007). Cultural Intelligence: Its Measurement and Effects on Cultural Judgement and Decision Making, Cultural Adaptation and Task Performance. Management and Organization Review, 3(03): 71 – 335.

- Black, J. S. (1990). The relationship of personal characteristics with adjustment of Japanese expatriate managers. Management International Review, 30, 119- 13.

- Caligiuri, P. M., Phillips, J., Lazarova, M., Tarique, I. and Bürgi, P. (2001). The theory of met expectations applied to expatriate adjustment: the role of cross-cultural training. International Journal of Human Resource Management, 12(3): 357 - 372.

- Flavell, J. H. (1979). Metacognition and cognitive monitoring: A new area of cognitive inquiry. American Psychologist, 34, 906-911. doi:10.1037/0003-066X. 34.10.906.

-Lee, Y., Masuda, A. D., & Cardona, P. (2010). Multiple cultural identities in cultured intelligence and leadership in multicultural teams. Paper presented at 25th Annual Conference of the Society for Industrial and Organizational Psychologists, Atlanta, GA.

- Ramalu, S. S., Wei, C. C., Rose, R. C. (2011). The effects of cultural intelligence on cross-cultural adjustment and job performance amongst expatriates in Malaysia. International Journal of Business and Social Science. 2(9), 59- 71.

- Thomas, DC & Inkson, K (2004). Cultural intelligence: People skills for global business. Berrett-Koehler Publishers.

- Van Dyne, L., Ang, S., & Koh, C. (2008). Development and validation of the CQS: The cultural intelligence scale. In S. Ang & L. Van Dyne (Eds.), Handbook of cultural intelligence: Theory, measurement, and applications (pp. 16-38). New York, NY: Sharpe.

- Van Dyne, L., Ang, S., & Livermore, D. (2010) Cultural intelligence: A pathway for leading in rapidly globalizing world. In K. Hannum, B. B. McFeeters, & L. Booyson (eds.) Leading Across Differences, (pp. 131- 138) San Francisco: Pfeiffer.

- Van Aswegen, S., Swart, E. & Oswald, M. (2019).  Developing metacognition among young learners by using stories.  South African Journal of Education, Vol. 39, No. 2, pp 1- 1231.

- Ward, C., & Kennedy, A. (1993). Acculturation and cross-cultural adaptation of British residents in Hong Kong. Journal of Social Psychology, 133(3). 395 - 397.


عدد القراء: 1665

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة S-ALZHRANI من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2022-06-07 07:00:13

    بارك الله فيك وفي علمك يادكتور عبدالرحمن. أتمنى لو تكون هذه المقالات من ضمن المناهج الدراسية في التعليم العام. كنشاط مدروس بحيث يبُقي الطالب على اطلاع دائم عن ماهي الحياة؟؛ وبشكل أوسع لا يقتصر على مقرر ومن ثم اختبار..!! بودي لو يُطرح من مقامك الكريم مقال يحوي عن مدى تأثير الإشباع الثقافي في النفس. بمعنى هل ما يقال كلما زادت ثقافة الشخص ازداد بؤسه؟! كل التوفيق لك.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-