المناعة النفسية: خط الوقاية الخفيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-01-30 05:54:52

أ. د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

المناعة بمعناها الصحي (الطبي) أن يقوم الجسم ومن خلال آلياته الفسيولوجية بالتعرف على المواد والأجسام الغريبة، وتحييدها أو التخلص منها، أو استقلابها  دون إصابة أنسجتها. ولجهاز المناعة في الجسم ثلاث وظائف أساسية؛ تتمثل الوظيفة الأولى في البحث عن الخلايا الميتة، أو شبه الميتة، والتخلص منها. وتتمثل الوظيفة الثانية بتدمير الخلايا السرطانية، أما الوظيفة الثالثة فتتضمن حماية الجسم من مسببات الأمراض، والجزيئات والأجسام الغريبة، كالطفيليات، والبكتيريا، والفيروسات. ومثل ما هو الحال بالنسبة للمناعة الجسدية، هناك المناعة النفسية، والتي تتمثل إجمالاً في قدرة الإنسان على حماية وتعزيز صحته النفسية.

وتكثفت الأبحاث والدراسات في الآونة الأخيرة حول مفهوم المناعة النفسية (Psychological immunity)، ودورها في حماية الفرد من المشكلات والاضطرابات النفسية والعقلية، وانعكاس ذلك على صحته البدنية، خصوصًا مع ظهور وباء كورونا (Covid-19)، وتأثيره ليس فقط على الصحة الجسدية، بل أيضًا على الصحة النفسية والسلامة العقلية.

ويرى المفكرون والفلاسفة والعلماء على مر العصور في التاريخ البشري، أن الحالة المزاجية، وتوازن العواطف والانفعالات، لها أثر حاسم في الحفاظ على الصحة البدنية وفي التعافي من المرض. وهذا ثابت علميًا، حيث تراكمت الأدلة التجريبية مؤيدةً هذه الفكرة خلال العقدين الماضيين. فقد لوحظ أن التقلبات في الحالة العاطفية مرتبطة بالتغيرات في جهاز المناعة، وفي أداء القلب والأوعية الدموية. كما أن صلابة الفرد النفسية، واستقراره العاطفي تؤثر على الطريقة التي يتعامل بها في تفسير الأعراض الجسدية، وفي مدى قبول المعلومات حول المخاطر الصحية، ونتائج الفحوص ذات الصلة بالصحة والمرض. وتماشيًا مع هذه الاتجاهات، فإن النماذج والنظريات الحديثة المفسرة للصحة والمرض، ترى أنهما نتيجة معقدة لعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مع التركيز وبشكل خاص على أثر طبيعة الانفعالات والعواطف على هذه العوامل، من خلال درجة أو مستوى التعامل والتفاعل مع الأحداث الضاغطة في الحياة.

إن العنصر الرئيس ضمن الاطار النظري، آنف الذكر، والخاص بالعلاقة والتفاعل بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية لتفسير الصحة والمرض، يتركز على فهم الروابط الفسيولوجية المباشرة بين المشاعر والتوتر وبين المرض، وكذلك اختلاف الأفراد في طريقة ادراك التجارب المؤلمة والتعامل معها. ذلك أن البعض مرهف الحس لدرجة مفرطة، وسريع الانفعال ويفقد السيطرة على نفسه، وقد ينهار عند حدوث أمور لا تستحق المبالغة في ردود الفعل (Over reaction)، مما يدل على ضعف جهاز المناعة النفسية لديه. كما أن ضعف التواصل مع الآخرين، والخجل الاجتماعي، ونقص السلوك التوكيدي، والمجاملة لدرجة الاحتراق النفسي من أجل الآخرين، تعتبر من أعراض نقص المناعة النفسية.

ومهما بُــذل من محاولات عديدة لتحسين مقاومة جسم الإنسان للعدوى، والوقاية من الأمراض، من خلال التأكيد على أهمية النظافة، واستخدام المكونات المطهرة والمركبات الصيدلانية واللقاحات، وكذلك الفيتامينات، وممارسة الرياضة بانتظام، فإن تعزيز الاستجابات المناعية للجسم، لن يتكامل إلا من خلال وجود توازن نفسي يمثل كفاءة الجهاز النفسي ومناعته. والمناعة النفسية تعتبر نظامًا يحمل في طياته كل صور وأشكال التكيف والتوافق مع وقائع الحياة، ويتضمن الخصائص الإيجابية التي تعمل كأجسام نفسية مضادة في وقت الاجهاد والتعب، والمعاناة من المشكلات، سواء كانت جسدية أو نفسية. إن الحصانة أو المناعة النفسية تعني التفكير الإيجابي، والشعور بالتماسك، والسيطرة، وإدارة العواطف، والتوجه نحو الهدف، وقبل ذلك وبعده التسامح مع النفس والآخر، والاقبال على الحياة بحب وتفاؤل. متى ما تمتع الإنسان بهذه الصفات، فانه يمتلك جهازًا مناعيًا نفسيًا يعمل كعازل ضد الضغوط البيئية، والاجتماعية، والمشاحنات اليومية، والعواطف السلبية.

إن التركيز على تقوية جهاز المناعة النفسية من خلال تعزيز الصفات الإيجابية في المشاعر  والادراك والتفكير، والتحلي بالمرونة النفسية التي تتضمن قدرة الفرد على التعامل مع المواقف الصعبة وقبولها والتكيف معها، حتمًا سينعكس على تقوية ودعم جهاز المناعة الجسدية، فالنفس والجسد وجهان لعملة واحدة. ففي حالات الخوف، وغموض المستقبل، والقلق من القادم، كما يحدث في أوقات الحروب والكوارث والأوبة، تظهر أهمية ودور جهاز المناعة النفسي في مساعدة الأفراد على التعامل بشكل صحي مع مخاوفهم، وقلقهم ومتاعبهم البيئية والاجتماعية. ولجهاز المناعة النفسية مكونات محددة، يمكن تعزيزها لدى الأفراد من خلال التدريب والممارسة، ويمكن توضيح هذه المكونات بالصورة الآتية:

- التفكير الإيجابي (Positive thinking): ويتضمن قوة الشخصية التي تمكن الإنسان وتشجعه على البحث عن الأمل في المواقف الصعبة. 

- الشعور بالتماسك والتحكم (Sense of coherence and control): ويساعد هذا الشعور الأفراد في تحديد معنى الأزمات والمواقف، وتعزيز قناعاتهم بأن السيطرة على المواقف والأزمات تأتي من داخل أنفسهم.

- التنظيم العاطفي الإيجابي (Positive emotional regulation): بمعنى الإدارة الجيدة للعواطف والانفعالات، والتدريب على الثبات الانفعالي، خصوصًا في وقت المشكلات والأزمات، وأثر ذلك في مساعدة الأشخاص الذين يتعاملون مع المشاعر السلبية وما يرتبط بها من شكوك في المستقبل.

- التوجه نحو الهدف (Goal orientation): ويساعد الأفراد على إعادة بناء أهدافهم قصيرة المدى في الحياة، مع الأخذ في الاعتبار الأزمات والمشكلات التي يمرون بها، ويمكن تجزئة الأهداف، بوضع هدف واحد لكل يوم، يشجع الأفراد على العيش في ظل المشكلة أو الأزمة القائمة.

- الفعالية الذاتية الإيجابية (Positive self-efficacy): ولها دور في زيادة ثقة الأفراد بقدراتهم على تحقيق أهدافهم المحددة مسبقًا.

- مهارات حل المشكلات (Problem-solving skills): وتعتبر هذه المهارات، نوع من التفكير المركز الذي يساعد الأفراد على تحديد المشكلة، أو الأزمة، والبحث عن طرق وحلول بديلة للتعامل معها.

إن العمل على تقوية وتعزيز كفاءة الجهاز النفسي بما يتضمنه من أحاسيس ومشاعر وتفكير، يتم من خلال التركيز على دعم المكونات أعلاه، بالإضافة إلى تبني أسلوب حياة صحي يتضمن ممارسة الرياضة بانتظام، والغذاء المتوازن، والكفاية من النوم. كما أن اشباع الحاجات الروحية يعتبر أمرًا حاسمًا في تقوية المناعة النفسية، وفي الأبحاث النفسية يشار عادةً إلى ضرورة اشباع هذه الحاجات، وأخذ ذلك في الاعتبار في العلاج النفسي. فحسب علم النفس، كل شخص سواء كان متدينًا أو غير ذلك، هو بحاجة إلى أن يحب وأن يكون محبوبًا، وأن يكون لديه معنى وهدف في الحياة، كذلك الحاجة إلى الدعم والأمل، وإلى العيش بكرامة واحترام. ويبدو أن هذه الحاجات أقرب إلى مسألة تحقيق الذات، من كونها دوافع أو حاجات روحية، ذلك لتمركزها حول الذات، وغايتها أن يحقق الإنسان هوية نجاح في الحياة. ذلك ما دعا ماسلو (Maslow) إلى إضافة المستوى الأعلى في هرم الدوافع، الذي طرحه في أربعينيات القرن الماضي، وأطلق عليه مستوى التسامي (Transcendence)، الذي يبدو أكثر توافقًا مع مفهوم الروحانية. حيث يشير إلى أن الناس قادرون على التطلع إلى ما هو أبعد من اشباع الحاجات المتصلة بالذات، والالتزام بهدف أسمى، وأن إحدى أهم الحاجات في هذا المستوى، الحاجة إلى التدين. ويمكن النظر إلى هذه الحاجة على أنها تمثل الدوافع الأخروية، حيث فصل فيها علماء النفس المسلمون. فعندما يتسم الإنسان بالإيمان العميق بالله سبحانه وتعالى، وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره، فإنه حتمًا سيشعر بالطمأنينة، وراحة البال، وسيصبر مأجورًا على المصائب والمشكلات التي تواجهه. والنتيجة سيكون محصنًا من الناحية النفسية، الأمر الذي ينعكس إيجابيًا على مناعته الجسمية. 

 

أهم المراجع:

- Black, J. S. (1990). The relationship of personal characteristics with adjustment of Japanese expatriate managers. Management International Review, Vol. 30, 119-13.

- Case, P. W., & McMinn, M. R. (2001). Spiritual coping and well-functioning among

psychologists. journal of Psychology and Theology, Vol. 29: 29-40.

- Gupta, T. &  Nebhinani, N. (2020).  Let's build the psychological immunity to fight against COVID-19. Indian Journal of Psychiatry, Vol. 62(5): 601–603.

- Heidari M, Shahbazi S. (2016). Effect of training problem-solving skills on decision-making and critical thinking of personnel at medical emergencies. Int J Crit Illn Inj Sci, Vol. 6: 182–7.

- Herbert, T. B., & Cohen S. (1993). Stress and immunity in humans: A meta-analytic review. Psychosomatic Medicine, Vol. 55: 364–379.

- Keefer, K.V., Parker, J.D., Saklofske, D.H. (2009). Emotional Intelligence and Physical Health. In: Parker, J., Saklofske, D., Stough, C. (eds) Assessing Emotional Intelligence. The Springer Series on Human Exceptionality. Springer, Boston, MA. https://doi.org/10.1007/978-0-387-88370-0_11

- Papaleontiou–Louca, E. & Esmailnia, S. (2021). A Critical Review of Maslow’s Theory of Spirituality. Journal of Spirituality in Mental Health, Vol. 24 (4), 327-343.

- Rachman S. J. (2016). Invited essay: Cognitive influences on the psychological immune system. J Behav Ther Exp Psychiatry, Vol. 53: 2–8.

- Woolery, B., & Salovey, P., (2004). Emotional intelligence and physical health. Routledge.


عدد القراء: 3104

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة S_ALZAHRANI من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2023-02-08 09:37:51

    في اعتقادي أن التعرض للمشكلات النفسية سواء كانت مرض أو عارض مؤقت من الأزمات في الغالب تقوي الإنسان وتجعله يكون في الاتجاه الصحيح. نكتسب المناعة النفسية من التجارب والمواقف وكل شيئ كفيل بترميم النفس على المدى البعيد. بارك الله بعلمك يادكتور عبدالرحمن.

  • بواسطة د. أسامة العواصي من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2023-01-31 12:31:49

    مقال رائع وذو قيمة عالية للحاجة النفسية مع تفاعل أنماط البشر من حولك وفقكم الله

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-