«سَكَنَ الليل»... نوستالجيا الزمن الجميلالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 11:13:31

د. غانم حميد

الجزائر

ما زال يتردد في وجداني ـ شابًا ـ ذلك الصوت الأثيري الهادئ الرخيم العربيّ الصميم الذي كان ينبعث من إذاعة المملكة1 منذ أكثر من أربعين عامًا، وتحديدًا منذ أواخر السبعينيات من القرن الفارط. كان برنامجًا يُذاع متقدمًا على منتصف الليل بتوقيتنا في الجزائر، حيث كان للمذياع حرمة، ولموجاته نشوة. برنامج شاعري عنوانه: "سَكَن الليل" ولئن أنساني مرّ الغداة وكرّ العشيّ اسم المذيع، ما زلت أحفظ الافتتاحية الأدبية البليغة التي تتكرر كل ليلة قبل تقديم المادة الجمالية الجديدة، من عيون الحكم، ومأثور الكلم، وشجيّ الخواطر، وشفيف اللواعج. يقول المذيع فيها: "والليل يوغل في المسير، وعيون الأنجم نشوى. ترصد النسائم اللطاف، وتغفو على السكون. الكلمات بوح الخاطر، وصدى المشتاق".

 وفي موهن من كل ليلة يغشى مضاربنا على بُعد الشُّقة، وحرّ ليالي السّمائم2 نسائم نجديةٌ موشّحة بالطرب العذري الأصيل الذي ما زال يحفظ الشعر العربي متنًا وإيقاعًا، ونضارةً وإمتاعًا. أصوات تتخلل المقاطع الأدبية الملقاة في صفة معالجة روحانية. هي لُباب الشعر وإكسيره، لمن لم يكن في تلقي البيان العربي سليقيًا، مطبوع الذائقة، بل يحمله التمحل على أن يُعرب. وشتان بين ذا وذاك على حد قول الشاعر:

ولستُ بنحوّي يلوك لسانه

                      ولكنْ سَليقيٌّ أقول فُأُعربُ

تلك القصائد الروائع العصماء فصيحها ونبطيّها، كلاهما أخّاذ بمجامع القلوب، نفّاذ بكل لحن شجي طروب.  سيان أن تسلِم استرخاءك لـ"محمد عبده" وهو في "ليلة خميس" يردد للدنيا نشيد الطهر والعفّة... يصور مشهدًا مُهرّبًا من ربوع بني عُذْرة: بين عروة وعفراء، أو يزيد ووحشية ... في مقام السمع يتعطل الذهن عن تصوّر الوجه القاتم من الخلوة، ليس الشيطان ثالث اثنين في لقيا افتراضية، أريد لها أن تتم في حضرة شهود عدول، لا ينامون، ولا يكتمون الشهادة، ولا يخجل البلبل الصداح من حضورهم: "يا قمرة ... يا نجوم. اشهدي.. إنك بها الدنيا مُناي. نظر عيني ومطمعي" وتهبّ من العقيق نفحات غضة طرّية، في توليفة لا تكاد تفصل الحجازي منها عن النجدي. بيئة بدوية صميمة كأن الملك الضليل مازال ينثر من كنانتها درر البوح المفقود، والوجد المنشود في عزف منفرد للراحل "طلاّل مدّاح" يتجاوز قيود البحث في الترانزستور عن القناة المبتغاة. فهنا. لا بد من التوقف حتى يفرغ الشجي ما في جعبته. هنا تضرب صفحًا عن تلمس الأنباء الجديدة في نشرات الأخبار. عن نُشدان البرامج الثقافية والحصص الترفيهية. هنا أيضًا "سكنَ الليل" على إيقاع:

تعلقَ  قلبي  طفلة  عربية

                   تَنَعَّمُ بالديباج والحُلي والحُلَلْ

وإن كنت مهمومًا مغمومًا يأخذ بيدك الراحل مواسيًا ولسان الحال أن الشدة لا تدوم، بل إن في اشتدادها إيذانًا بتبدد غيومها، واندمال كلُومها:

اشتدي أزمةُ تنفرجي... قد آذن ليلُك بالبلجِ

على إيقاع "المتدارك" أو "الخبب" يتراءى لك النغم العذب يمتطي فرسًا يسير بثقة وروّية إلى حيث مطلع الشمس منتهى كل ليل بهيم"

"سَكَن الليل" سمفونية عربية عتيقة سمت بالذائقة في خضمّ مائج بالتشويش على أي خطاب ثقافي يروم إنعاش الذاكرة الظامئة إلى مواردها الصافية السّلسة، المُستَلبة المغزوّة ثقافيًا بالقيم المستوردة حتى في نطاق الوجدانيات. 

"نسائم نجد" لا تقلّ قيمة فنية وأدبية بل ورمزية أنثروبولوجية، عن "صبا نجد" الذي حفلت به قرائح الشعراء، مَن عاش منهم التجربة ومن يتعلل بالتلبس. ولله درّ ابن الدمينة إذ يقول:

 ألا يا صبا نَجـْدٍ متـى هجـت مـن نجد

               لقد زادني مَسراك وَجدا على وجـدي

رعــى  الله مـِـن  نـجـد  أنــاسا  أُحـبّـهـم

              فلو نقضوا عهـدي حفظـت لهـم ودي

سـقـى  الله نـجـدًا  والمـقـيـم  بـأرضـها

              سـحـابَ  غــوادٍ  خالـيـات  مــن الـرّعـد

وقـــد  زعـمـــوا  أن  الـمـحـب  إذا  دنـــــا

              يـمـلّ وأن البـعـد يشـفـي مــن الـوجـدِ

بـكــلٍّ تـداويـنـا  فـلــم  يـشــفِ  مـــا بـنــــا

              على  أنّ قـُرب الــدار خـيـرٌ مــن البـُعـد

على  أنّ  قـُـرب  الـــدار  لـيــس  بنـافـــع

              إذا  كان  مــَن  تـهـواه  لـيـس بــذي وُدّ

 

الهوامش:

1 - المملكة العربية السعودية

2 - السمائم: أربعون يومًا شديدة الحر نهاية شهر "تمّوز" وكلّ شهر "آب".


عدد القراء: 1349

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-