
لماذا نتذكر؟
الكتاب: «لماذا نتذكر؟»
المؤلف: تشاران رانجاناث
الناشر: دابلداي
اللغة: الإنجليزية
عدد الصفحات: 304 صفحة
تاريخ النشر: 20 فبراير 2024
يقدّم كتاب «لماذا نتذكر» لعالِم الأعصاب تشاران رانجاناث إسهامًا معرفيًا لافتًا في حقل دراسات الذاكرة، ليس فقط من حيث ما يعرضه من نتائج علمية مستندة إلى علم الأعصاب المعرفي، بل من حيث إعادة صياغته الجذرية لمفهوم الذاكرة ذاته، بوصفها عملية بنائية، ديناميكية، وموجّهة بالمعنى، لا وظيفة استرجاعية محايدة أو مخزنًا سلبيًا للتجربة الماضية. ينخرط الكتاب في تفكيك تصورات راسخة حول الذاكرة، لا سيما تلك التي تختزلها في معيار الدقة والاكتمال، ويقترح بدلًا من ذلك فهمًا وظيفيًا-تأويليًا يرى في الذاكرة أداة تكيف معرفي ووجودي، تُعيد تشكيل الماضي بما يخدم الحاضر ويؤطّر إمكانات الفعل المستقبلي.
ينطلق رانجاناث من نقد النموذج الكلاسيكي للذاكرة بوصفها جهاز تسجيل داخلي، وهو نموذج هيمن طويلًا على الوعي العام وبعض المقاربات العلمية المبكرة. في مقابل هذا التصور، يبيّن المؤلف، استنادًا إلى أبحاث عصبية معمّقة حول الحُصين والشبكات الدماغية المرتبطة بالتعلّم والسياق، أن الذاكرة تعمل عبر عمليات انتقائية معقّدة، تُعيد تنظيم الخبرة وتفككها وتعيد تركيبها. فالدماغ، في هذا الإطار، لا يهدف إلى حفظ الوقائع كما هي، بل إلى استخراج أنماط ودلالات تساعد الفرد على فهم العالم والتعامل معه بفعالية. ومن هنا، تصبح الذاكرة ممارسة تفسيرية، لا وظيفة أرشيفية.
يحتل مفهوم المعنى موقعًا مركزيًا في أطروحة الكتاب. فالذكريات التي تستقر وتستمر ليست تلك الأكثر حداثة أو كثافة معلوماتية، بل تلك التي ترتبط بشحنة دلالية أو عاطفية، أو تلك التي تتقاطع مع أهداف الفرد وقيمه وهويته. هذا الطرح، الذي تؤكده الأدلة العصبية التي يعرضها رانجاناث، يضع الذاكرة في صميم النقاشات الفلسفية حول الذات والهوية، إذ يكشف أن ما نعدّه «ماضينا» ليس معطًى ثابتًا، بل بناء سردي متحوّل، يتغيّر بتغيّر الحاضر الذي يُستدعى فيه.
في هذا السياق، يقدّم الكتاب إعادة تقييم جذرية لمفهوم النسيان، الذي اعتادت المقاربات الشعبية والطبية النظر إليه بوصفه خللًا أو عطبًا معرفيًا. يبيّن رانجاناث أن النسيان ليس نقيض الذاكرة، بل شرطًا بنيويًا لفاعليتها. فمن دون النسيان، يغرق الدماغ في فائض من التفاصيل غير القابلة للتنظيم، ما يعوق القدرة على التمييز واتخاذ القرار. بهذا المعنى، لا يُفهم النسيان كفشل في الاحتفاظ بالماضي، بل كآلية انتقائية تتيح للذاكرة أن تؤدي وظيفتها التكيفية. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في سياق ثقافي معاصر يتّسم بهوس التوثيق والحفظ الرقمي، حيث يُعاد تعريف القيمة المعرفية للذاكرة من خلال الكم لا المعنى.
يمتد التحليل ليشمل العلاقة بين الذاكرة والسياق، حيث يؤكد الكتاب أن الذكريات لا تُستدعى في فراغ، بل ضمن أطر زمانية ومكانية واجتماعية محددة. فالذاكرة ليست حدثًا داخليًا محضًا، بل عملية تتشكّل عند تقاطع الفرد مع بيئته. وعلى الرغم من أن رانجاناث لا يطوّر هذا البعد اجتماعيًا أو سياسيًا بصورة موسّعة، فإن تحليله العصبي يتيح إمكانات تأويلية خصبة لفهم الذاكرة بوصفها ظاهرة ثقافية، تتأثر بأنماط العيش، وباقتصاد الانتباه، وبالتكنولوجيات المعاصرة التي تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والمعنى.
ومن اللافت أن الكتاب، وإن كان ينتمي بوضوح إلى حقل علم الأعصاب، يتجنّب النزعة الاختزالية التي تختزل الإنسان في بنيته البيولوجية. فالدماغ، في سرد رانجاناث، لا يُقدَّم كجهاز مستقل عن الخبرة، بل كمنظومة مفتوحة تتفاعل مع العاطفة، والسرد، واللغة، والتجربة المعاشة. وهذا ما يمنح العمل طابعًا بينيًّا (Interdisciplinary)، يجعله قابلًا للحوار مع حقول الفلسفة، والدراسات الثقافية، ونظريات السرد، حتى وإن لم ينخرط المؤلف صراحة في هذا الحوار.
يتعامل رانجاناث بحذر نقدي مع الخطابات المعاصرة التي تَعِدُ بتحسين الذاكرة عبر تقنيات أو تمارين سريعة، ويرفض اختزال الذاكرة في مهارة قابلة للضبط التقني. في المقابل، يؤكد أن تعزيز التذكّر لا يتحقق عبر تكثيف المعلومات، بل عبر تعميق الارتباط بالمعنى، وبالسياق، وبالخبرة الشخصية. وبهذا، يقدّم الكتاب نقدًا ضمنيًا للنماذج التعليمية السائدة التي تفصل المعرفة عن التجربة، وتقيّم التعلّم بمعايير الاستظهار، متجاهلة الطبيعة السردية والعاطفية للذاكرة الإنسانية.
من حيث المنهج والأسلوب، يتميّز الكتاب بتوازن محسوب بين العرض العلمي الصارم والسرد التوضيحي. غير أن هذا الخيار الأسلوبي قد يثير بعض التحفّظات في سياق النشر الأكاديمي الصارم، إذ إن بعض النقاشات النظرية تُقدَّم بصورة موجزة، لصالح الأمثلة التطبيقية. كما يظل تركيز الكتاب منصبًّا على الذاكرة الفردية، في حين تحضر الذاكرة الجمعية والسياسية حضورًا هامشيًا، رغم ما تحمله أطروحات المؤلف من إمكانات واضحة لتوسيع التحليل في هذا الاتجاه.
مع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تقلّل من القيمة العلمية للعمل، بل تضعه ضمن حدوده المنهجية المعلنة. فـ«لماذا نتذكّر» لا يطمح إلى تقديم نظرية شاملة للذاكرة بوصفها ظاهرة اجتماعية كلية، بل يسعى إلى إعادة تأسيس فهم علمي-إنساني لكيفية عمل الذاكرة، وما يترتب على ذلك من نتائج معرفية ووجودية. وفي هذا الإطار، ينجح رانجاناث في تقديم نص يُعيد ربط العلم بالسؤال الإنساني، ويحرّر الذاكرة من اختزالها في وظيفة تقنية.
في الخلاصة، يمثّل كتاب Why We Remember «لماذا نتذكر» إسهامًا نوعيًا في دراسات الذاكرة المعاصرة، لأنه لا يكتفي بتحديث المعرفة العلمية حول الدماغ، بل يعيد صياغة سؤال الذاكرة بوصفه سؤالًا عن المعنى، والهوية، والانتقاء. إنه عمل يزعزع التصورات السائدة حول التذكّر والنسيان، ويفتح أفقًا نقديًا لفهم علاقتنا بالماضي في عالم يتسارع فيه الزمن وتتراكم فيه المعلومات. وبهذا، يقدّم الكتاب مادة غنية للباحثين في العلوم المعرفية والدراسات الإنسانية على السواء، ويؤكد أن الذاكرة ليست ما نحتفظ به فحسب، بل ما نعيد تشكيله باستمرار كي نستمر في الفهم والعيش.



