حوار مع إدغار مورانالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 11:27:13

يحيى بوافي

المغرب

حوار مع إدغار موران1 بمناسبة توقيع كتابه الجديد2

ترجمة: يحيى بوافي

  أجرى الحوار: جول دو كيس

 

"أود عَيْش بَقيَّة زمنٍ تُمكنني من رُؤية كيف يرتسم التاريخ الإنسانيِ"                                                    

أحد كبار المفكرين الفرنسيين؛ إنه عالم الاجتماع الذي يواصل بعد انصرام 100 سنة من عمره، الإمساك باليراع مع نظرة دائمة الحيوية على عالم اليوم، حيث نشر كتابا جديدا بعنوان: "لنكن أيقاظًا! «Réveillons-nous!».

حرب أوكرانيا وصعود الأفكار الرّجعية والأزمة المناخية....  تلك قضايا وغيرها نشر الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران حولها كتابه "لنكن أيقاظًا! "، بوصفه نداءً للضمائر حتَّى لا نتعرض أبدا لعنف الأحداث على شاكلة المصابين باضطراب السير أثناء النوم، فهو يكرِّر القول بملحاحيه واستعجالية "التفكير في المستقبل" وضرورة أن نتوقع اللاَّمتوقَّع حتى نقوى على الإبحار في لُجّة اللاّيقين.

 وإدغار موران الذي احتفى بعيد ميلاده المائة في يوليو تموز 2021 لم يفاجئه الهجوم الروسي على أوكرانيا؛ إذ ذَكَّرَ في الحوار الذي خص به موقع فرانس أنفو franceinfo، بتحذيره في السابق من "خطر انتقال عدوى" ضم روسيا لجزيرة القرم سنة 2014، كما يستحضر بأسف هزيمة اليسار الفكرية ونجاح "فرنسا الرجعية"("la France réactionnaire")، ويتأمل المستقبَل؛ مستقَبَلهُ هو ومستقبل العالم.

•  نشرتم كتابكم "لنكن أيقاظًا! «Réveillons-nous!»" باعتباره صدى ورجعا بعد مضي اثنتَا عشرةَ سنة على نشر المفكر والمقاوم ستيفان هيسيل لكتاب "فلتغضبوا! «Indignez-vous!» "هل تريد أن تخرجنا من صورة بعينها للخمول؟

 لما قال ستيفان هيسيل قال: "فلتغضبوا! «Indignez-vous !»"، فقد كان يتوجه إلى أناسفي حالة يقظة وصحو! أما أنا فلدي انطباع بأننا نخضع لعنف الأحداث ونتحملها بصورة أقرب ما تكون إلى المصابين باضطراب السير أثناء النوم، فبالإضافة إلى ما عشته في شبابي خلال السنوات العشر التي سبقت الحرب العالمية الثانية، فإن ما أطالب به هو محاولة فهم ما يجري، وإلا فإننا سنتحمل ونكابد الأحداث كما سبق لنا أن عانينا للأسف ويلات الحرب العالمية الثانية.

• كنت مقاومًا ومقاتلاً حين عاشت فرنسا الحرب، وأنت من المثقفين الفرنسيين القلائل الذين تمت ترقيَّتُهم إلى رتبة قائد بوسام جوقة الشرف بصفة عسكرية، كيف تعيشون عودة الحرب إلى أوروبا؟

طبعًا، هناك مفاجأة، لكنها ليست بالمفاجأة الشاملة، ما دُمْتُ  قد نبَّهت إلى ذلك  في مقال  سبق نشره بجريدة لوموند سنة 2014 (Le Monde en 2014)، إبَّان الأزمة الأوكرانية وانفصال المقاطعات الناطقة بالروسية في شبه جزيرة القرم، حيث كتبت: "حذار، إنّها بُؤْرة عدوى قد تكون لها عواقب وخيمة؛ غير أننا غضضنا لسنوات الطرف عن هذه العدوى، بينما كانت تعتمل حرب صغيرة دائمة في أوكرانيا، وتبقى  المشكلة الحقيقية في العمق، هي تلك  المُتمثلة في أن أوكرانيا فضلاً عن إرادتها في أن تكون ديموقراطية وأن تنظم إلى الاتحاد الأوربي، شكَّلَت رهانا و فريسة لقُوّتين عظيمتين هما روسيا التي يحكمها بوتين  الحالم ببعث روسيا العظمى وابتلاع أوكرانيا، والعالم الغربي، والولايات المتحدة الأمريكية  اللذان تطلّعا لضمها إلى الغرب وإدماجها فيه.

والاختلاف الكبير هو أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أثناء هذا الصراع القوي جدًا لكنه لازال دون حربٍ، في نفس الوقت الذي قدم فيه دعمًا ومساندةً حاسمة بالكلام، قال: "أنا لن أخوض الحرب"، وهو ما أدى منذ البداية إلى أن يكون هناك عدم توازن. واليوم، نحن نوجد في خضم ضرب من التناقض لأننا نُؤمن من جهة بأن المقاومة الأوكرانية عادلة؛ لأنها حرب من أجل الدفاع عن الوطن، غير أننا نعتقد أن دخولنا نفق هذا الصراع، سيفتحُنا على خطر ما أسماه دومينيك دو فليبان بـ"تسونامي عالمي": حيث يتم بلوغ الانفجار خطوةً خطوة.

• ما هي نظرتك للأوكرانيات والأوكرانيين الذي حملوا السلاح للدفاع عن بلدهم في مواجهة الروس؟

إنهم مقاومون بنظري، وهم يقاومون هذه المرة بسلاح وطني، بينما كنا نحن مقاومين من دون سلاح، وهو الأمر الذي أجده رائعًا، لكنني أومن أيضًا بواجب ألا نترك أنفسنا نَنْجرُّ للدخول في منطق الحرب والتدخل عسكريًا، وبالتالي فأنا أشعر بهذا التناقض الذي نعيشه ونَخبرُه جميعًا لكن لا مناص من تحمُّلِهِ.

• الكُتّاب الثلاثة الذين تفضِّلهم: دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف، هم كتَّاب روس، هل ساعدوك في فهم الحرب الحالية؟

كلاَّ، لقد ساعدوني خصوصًا بما حمَلهُ أدبهم من نزعة إنسانية روسية ملموسة، بخلاف النزعة الإنسانية الغربية التي تبقى على الخصوص ذات طابع مجرَّد؛ إنها نزعة إنسانية مترَعةٌ بالتعاطف مع الألم والبؤس الإنسانيين، وما علَّمني هؤلاء المؤلفون بصورة عميقة هو هذه النزعة الإنسانية  للتعاطف مع الألم والمعاناة، تُولستوي برواية "الحرب والسلام" وما قدَّمَهُ فيها من تحليلات لحرب المقاومة الروسية لنابليون،  يدفعُنا  إلى استحضار غزو روسيا الذي أراد  أن ينفِّذَهُ هتلر أكثر مما يدفعنا إلى التفكير في اجتياح روسيا  الكبيرة لأوكرانيا الصغيرة.

• في غضون أسبوعين سيتم إجراء الدورُ الأول من الانتخابات الرئاسية، وأنت تضع كتابكَ داخل هذا السياق، حيث تكتب: "حملة الانتخابات الرئاسية لسنة 2022 تظهر كم تقدمت اليوم فرنسا الرِّجعية على فرنسا النزعة الإنسانية، دون أن تكون مندهشا لحصول ذلك؟

 إنها سيرورة لم أتوقف عن تحليلها وقد وصلت إلى معاينة  تفاقمها؛ إن ما نعيشه منذ وقت ليس بالقصير هو توالي وتعاقب الأزمات مما يفسر اليوم هذا النمو الكبير لفرنسا الرجعية،  ولا بد لنا  أن نتذكر كون العالم بأكمله يعيش أزمة ديموقراطيات وأزمة تقدم؛ فقد اعتقدنا لمدة طويلة أن التقدم أمر مؤكَّد ويقيني وقانون تاريخي، غير أننا أدركنا أن المستقبل صار أكثر فأكثر اتصافًا باللاَّيقين  وباعثًا على القلق؛ هناك أزمة مستقبل وقلق، وما حصل من أزمات: الأزمة الاقتصادية سنة 2008 ثم الجائحة كورونا وما تولَّد عن ذلك من أشكال القلق أدت إلى التراجع والانتكاس والانغلاق على الذات والخوف وإرادة الدفاع عن الهوية التي تبقى، فضلاً عن ذلك، من طبيعة ميثولوجية، والخاصية المميزة للهوية الفرنسية، التي تَحقَّق بناؤُها على امتداد قرون، تتمثل في استدماجها لشعوب  يختلف بعضُها عن بعض: من الألزاسيين والفلامانيين والبريتونيين والكورسيكيين، إلخ.

• الهوية الفرنسية تمت أسطَرَتُها كما تقول، خصوصا من طرف إريك زمور، الذي تريد أن تقارِع أفكارَه في كتابك، فهو يأخذ كما تقول الأسطورة الأسوأ للنزعات الوطنية الحديثة، أي نزعة التطهير العرقي.

فرنسا واحدة ومتعددة في نفس الوقت، هذا أمر يجهله زمور جهلاً مطبقًا، وأنا أُناقضه عبر التذكير بماهي  فرنسا وما تكونه في الواقع؛ فهي تمتلك الكثير من الطبقات، لكن في نفس الوقت تبقى طبقتُها التاريخية الحقيقية هي تلك التي تم خلقُها انطلاقًا من الثورة الفرنسية ومن الجمهورية.

• كيف تفسرون ما يُعانيه مثقفو اليسار وسياسيوه من إفلاس فَهُمْ لا يقدمون إجابات ولا يُحسنون إسماع صوتهم.

لابد أوَّلاً من القول بوجود أزمة أفكار اشتراكية، فقد كانت للاشتراكية نظريةٌ تمت صياغتها من قبل كارل ماركس وهي تخلُق تمفصلاً جيدًا بين تصور للإنسان وللعالم وللتاريخ، غير أن هذه النظرية صارت تعاني اليوم فجواتٍ وثغرات كبيرةً.

هناك أزمة فكر سياسي عمومًا، خصوصًا ما ارتبط بهذا الجانب، أما فيما يتعلَّقُ بمثقفي اليسار فإنهم لم يستجيبوا لرسالة المثقف ولم يضطلعوا بها، تلك الرسالة التي تبقى اليوم على درجة كبيرة من الأهمية، لأننا نعيش في ظل عالم الخبراء والمتخصصين، عالم لا يرى فيه كل واحد منهم إلا جزءًا صغيرًا من المشكلات، المعزولة والمنفصل بعضها عن بعض، واليوم يوجد هذا النقص بصورة فعلية، بينما من يسمك بزمام الأمور ويدير الدفة هم المثقفون الناطقون باسم فرنسا الرجعية.

• لقد استحضرنا الحرب في أوكرانيا على خلفية التهديد النووي، وقد خصَّصت أيضًا أربعة فصول من كتابك للاحتباس الحراري، هل من الممكن في ظل هذه الظروف التفكير في المستقبل بهدوء وصفاء ذهن؟

لا يمكننا التحلي بالهدوء ونحن قبالة آفاق مقلقة تمامًا؛ فما أردْتُ إبرازه، حتى قبل أن تكون هناك حرب في أوكرانيا، هو أن سيف ديموقليس كان مُسَلَّطًا على رأس جميع الكائنات الإنسانية منذ كارثة هيروشيما وأن ذلك ازداد خطورة وتفاقم مع الأزمة المناخية حيث صار الغلاف الحيوي والعالم الحي ومجتمعاتنا، كل ذلك صار مُهَدًّدًا وليس فقط المناخ، لأن المناخ عنصر أو مكون من مكونات هذه الأزمة العامة قد فاقمت الجائحة بدورها من الخاصية العالمية للأزمة وأضافت إليها.

أعتقد أننا ولجنا حقبة جديدة؛ فلأول مرة في التاريخ، تكون الإنسانية مهددة بخطر الإمحاء والإبادة، ربما لن تكون إبادة كلية وشاملة؛ إذ قد يكون هناك بعض الناجين، كما حصل في فيلم "ماكس المجنون Mad Max"، لكنها نجاة تشبه نوعا من "معاودة الانطلاق من الصفر" والبدء من جديد في ظل ظروف صحية هي من دون شك ظروف مروّعة.

إن هذا الخطر الذي سبق لي أن قدمت تشخيصًا له بوصفه إمكانًا، هو الذي صار بصورة صادمة راهنا مع حكاية الحرب الروسية هذه.

• يفضِّلُ بعضُ المفكرين النظر إلى الماضي بينما يُؤْثر آخرون التَّمَعُّن في الحاضر، بينما يتكون لنا انطباع بأنكم تفضِّلون بدرجة أكبر التَّفكير في المستقبل؟

لكن تعلمون أننا لا يمكن أن نفكر في المستقبل إلا إذا كنا على وعي بالماضي وبما يجري ويحصل في الحاضر؛ إذ لا يمكننا أن نفكّر في المستقبل وحده، فالمستقبل صار اليوم مُتوقِّفًا على هذه التيارات الكبرى التي تَعبُر وتَخْتَرق الإنسانية والتي هي تيارات مهدِّدَة وعدوانية، لذلك أعتقد أنه من المستعجل والملح التفكير في المستقبل، لماذا؟ لأننا اعتقدنا لحدود الآن أنَّ المستقبل نوع من الخط المستقيم الذي سيتواصل ويستمر، مما يستدعي ضرورة تصور سيناريوهات مختلفة، والتحلي باليقظة والحذر. ولابد من توقع ما يستعصي على التوقع من أجل معرفة الإبحار في خضم اللايقين. هناك سلسلة كاملة من الإصلاحات التي تبقى ضرورية اليوم، أعني كيفية للتفكير وأخرى للتصرف والسلوك.

• هل يترك لك التفكير في المستقبل؛ مستقبل الإنسانية، وقتا لأجل التفكير في مستقبلك الخاص؟

لم يعد لي إلا النزر اليسير من المستقبل! فأنا أعيش الحاضر بشدة وكثافة، خصوصًا عبر كل الأحداث، وعلى الخصوص الحرب على أوكرانيا، أحاول أن أفكر بخصوص المستقبل، لكنني أريد أن أرى بصورة أوضح أود بقوة أن أعيش المزيد من الوقت لأرى قليلاً كيف يرتسم ا تاريخُ الإنسانية، وإذن فأنا أعيش يومًا بيوم مستقبلي الخاص؛ أعيش داخل اليقظة والحذر وداخل الاهتمام بالعالم وبالتالي بمستقبله.

 

المصدر:

1- https://www.francetvinfo.fr/culture/patrimoine/histoire/guerre-en-ukraine-campagne-presidentielle-crise-climatique-le-regard-d-edgar-morin-sur-l-etat-du-monde_5044906.html

2- Edgar Morin,Réveillons-nous ! Éditions Denoël(2022).

3- https://www.lemonde.fr/idees/article/2014/05/03/seule-une-ukraine-federale-garantira-la-paix_4411107_3232.html


عدد القراء: 3987

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-