سحر الاندماجالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-29 06:39:44

إبراهيم عبدالله العلو

مترجم سوري مقيم بمدينة يوما – ولاية أريزونا - الولايات المتحدة الأمريكية

ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو

تأليف: أندرو بلم. مؤلف كتاب: "الأنابيب: رحلة داخل مركز الانترنت" وكتاب: "آلة الطقس: رحلة داخل التنبؤ الجوي". كتب العشرات من المقالات في كبريات المجلات والصحف الأمريكية.

قبل وقت ليس ببعيد مع بداية عام 2007 عاش سكان العالم في انقسام تكنولوجي جلي. امتلك نصفهم هاتف جوال: ثلاثة مليارات إنسان. لم يتمكن ربعهم من استخدام الانترنت وكانت الهواتف للتحدث. تطلب الانترنت وجود حاسوب. وامتلك الناقلون والتجار-المحامون والعملاء والساسة-هواتف بلاك بيري من أجل البريد الالكتروني والتي نقروا على لوحات مفاتيحها القزمة. وغير ذلك تطلب الاتصال بالإنترنت وضعية طبيعية ثابتة. كان تصفح الانترنت يتم جلوسًا وبسكون. وكان انترنت الألفية الثانية طفلاً داخل المنزل تحدث أسعد أوقاته على الأريكية أو خلف مكتب.

تغير كل ذلك مع الأسبوع الثاني من السنة الجديدة عندما قام ستيف جوبز رئيس مجلس إدارة شركة أبل بإخراج أول أي فون من جيب بنطاله الجينز على مسرح مؤتمر في سان فرانسيسكو. كان منهكًا من سرطان البنكرياس الذي أودى بحياته فيما بعد ورغم ذلك كان في أقوى حالاته كتقني. كان الأيبود iPod الذي أطلق عام 2001 ظاهرة فريدة- متابعة قيمة لنجاح جوبز الأول حاسوب ماكنتوش Macintosh الأصلي الذي أطلق عام 1984. سيكون هذا الشيء الجديد أكبر من الاثنين. ويقول جوبز "يحضر بين الحين والآخر منتج ثوري يغير كل شيء، وهذا هو ثلاثة أشياء ثورية في آن معًا: هاتف ومتصل انترنت رائد وآيبود عريض الشاشة."

عرض على الشاشة الموجودة خلفه بيكتوغراف pictographs (لوحة فحص البصر) للثلاثة تتداخل فيما بينها مثل بطل خارق يغير ملابسه.

 صرخ جوبز بينما ضحك الجمهور ثم هدر بأعين مفتوحة على اتساعها وهم يشهدون تلك اللحظة التاريخية من الخيمياء alchemy ومن التحول ومن الاستحالة – وربما بدت كلها معقدة باستثناء كل ما حضر منذ ذلك الوقت.

يصعب استحضار كل ذلك الآن ولكن قبل مرآة جوبز السوداء كنا جنسًا من الضاغطين على الأزرار. لم يصل أي شيء من ذي قبل إلى سيولة الأيفون iPhone وبدا مثل لوح النبوءة بلا نهاية. لا غرابة إذًا أن تبيع أبل ما يقرب من ملياري جهاز أيفون مما جعلها واحدة من أغنى الشركات في التاريخ وبقيمة تتجاوز 2 تريليون دولار.

يستخدم 40% من سكان العالم اليوم هاتفًا ذكيًا. ابتعدت الديموقراطية والحقيقة بسبب استحواذ الهواتف على اهتمامنا وأظلمت في ظل تمريرنا المعذب وفقدت الأمان في غثاء عبثنا اللاهي.

تغير قفزة تكنولوجية مفردة من حين لآخر ما نتوقعه من العالم ومقدرة الإبداعية البشرية على تشكيله. ثنى الحصان الحديدي لسكة الحديد جيوسياسات القرن التاسع عشر كما فعل محرك الاحتراق الداخلي والوقود الأحفوري اللازم لها بالقرن العشرين. وهو خط مستقيم من طائرة الأخوين رايت Wright المصنوعة من أجزاء من دراجات هوائية في عام 1903 إلى أحدث طائرات البوينغ المصنوعة من ألياف الكربون. وتحدّت جميعها ما كان ممكنًا. بدا كل منها في البداية مثل السحر وإن كان من نوعين مختلفين. تبدأ خارقة للعادة ونوعًا من الشعوذة وبعد قليل تماثل السحر على المسرح وحيلة متقنة نابعة من سنوات من التدريب والتكرار. وبينما يعتمد سحر المسرح على خفة اليد أو نوع آخر من الحيل يتطلب سحر التكنولوجيا المتكرر كشف دواخل أعماله وعرضها وفهمها- من أجل تمحيصه والبناء عليه وجعله أكثر غرابة وعقلانية.

لاحظ دافيد هيوم David Hume في كتابه "البحث المتعلق بالفهم البشري" عام 1748 أن المعجزات لا تعتبر معجزات عندما تصبح مرئية على الملأ. ويكتب "لم يوجد على مر التاريخ أية معجزة وثقها مجموعة من الرجال من ذوي العلم والتعلم والنباهة لدرجة تحمينا من التضليل" فالشرح يدمر المعجزات والألفة تفرغها من محتواها.

ولكن السحر التكنولوجي متواصل. ويخضع للتمحيص ويعيد الشحن خلال الليل ويبحر بسرعة الطرقات السريعة ويقدم الشراب والأفلام على متن الطائرات. ولكن هيوم كان مصيبًا حول الانطباع الأول عن المعجزة تلك المفاجأة الابتدائية والذهول. هناك عتبة بين تخيل التكنولوجيا وتحولها إلى حقيقة بما يكفي لتحملها بيدك-لحظة عندما يصبح السحري حقيقيًا وعندما تحدث الأشياء التي حلمنا بها أخيرًا وعندما تحملك آلة إلى السماء أو عندما يُلمع دواء جديد حافة خشنة من الهشاشة البشرية.

وجدت نفسي خلال هذه السنة الماضية من التغضن البشري متشوقًا لتلك الإبداعية المتطرفة وتلك العجائب التي قلما تصل ولكنها تكون حاسمة. اتضح على مدى عقد أو عقدين من الزمان مدى احتياجنا لتقانات طاقة جديدة لتوفر لنا الدفء والنور والحركة والأشياء التي نطلبها بدون تسخين الكوكب بصورة كارثية. ولكن هذا العام جلب حاجة أكثر تحديدًا وإلحاحًا: تقنية مجهرية لتعلم الجسم مكافحة فيروس كورونا والبنية التحتية الصناعية والعلمية لتصنيعها وإيصالها للأيادي البشرية. ومع وصول اللقاحات بشكل مذهل وإن بشكل غير متسق يُغري المرء بالصلف: لقد فعلها العلم. قد نخشى من أن تكون المعجزة مرة أخرى قصيرة العمر. ولكنها جعلتني أتساءل ما هي القفزات الأخرى التي قد نشهدها؟ وما هو الممكن الآخر؟

عشية يوم 18 آذار(مارس) من عام 1987 كانت الجمعية الفيزيائية الأمريكية وهي المنظمة الاحترافية لعلماء الفيزياء في البلاد، والتي بلغت قرنًا من الزمن، في نصف مؤتمرها السنوي عندما تزاحم الحضور في ممرات فندق هيلتون في نيويورك متشوقين لشق طريقهم نحو القاعة الكبرى في الطابق الثاني لحضور ندوة مسائية خاصة. اكتشف عالما الفيزياء ج. جورج بيدنورزJ. Georg Bednorz وكارل اليكس مولر Karl Alex Müller قبل عام مضى أن بعض المركبات من مواد السيراميك كانت "فائقة الموصلية" للكهرباء بشكل مذهل: تدفقت الالكترونات عبرها بدون أي فقد. وبينما كانت المقاومة أمرًا مفروغًا منه في أي ناقل للكهرباء-بما في ذلك الألمنيوم والنحاس المستخدم في أسلاك الطاقة-لم يمتلك ذلك السيراميك الجديد أي مقاومة حتى عند درجات حرارة أعلى من الموصلات الفائقة المبكرة. يحافظ علماء المادة-المكثفة من أمثال بيدنورز ومولر على بروفيل خفيض بعكس علماء الفيزياء الفلكية المعتادين على الاستحواذ على الأضواء بإعلانات ضخمة حول طبيعة الكون. ولكن في هذه الحالة ومع تلك الموصلات الفائقة الجديدة التي ترفع احتمالات تطبيقات مذهلة جديدة- القطارات المرفوعة والسيارات الكهربائية وأدوات التصوير الجديدة مثل المرنان- أصيب الحقل بالهيجان.

بدأ علماء الفيزياء حول العالم يحدوهم الأمل باستنساخ (إن لم يكن تجاوز) نجاح بيدنورز ومولر الفائق الموصلية وبدأوا باختبار تراكيب جديدة من المواد باحثين عن مزيج عضوي يتمكن من الموصلية الفائقة عند درجات حرارة مرتفعة. وباستخدام مقياس كالفين Kelvin (الذي يبدأ عند الثابت العلمي للصفر المطلق أو -273 درجة مئوية) رأى بيدنورز ومولر موصلية فائقة عند الرقم الصادم آنذاك 35 كالفن (أو -238 درجة مئوية). بدأ الآخرون بعدها بالقفز إلى الأمام واكتشفوا موادًا جديدة عملت عند درجة حرارة 38 كالفن ثم 52 كالفن. يقول الدكتور دوجلاس سكالابينو Douglas Scalapino وهو أستاذ في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا بدا الأمر وكأن الجميع يخوضون سباق الجري لميل واحد خلال أربعة دقائق: "تستطيع الذهاب إلى أي مضمار وتجد شخصًا ما يحطم الرقم."

وفي حقبة ما قبل الانترنت آنذاك وحيث كان معدل الاكتشاف العلمي يسبق عملية النشر تعطش علماء الفيزياء لأخبار الاكتشافات المؤخرة. احتشد أكثر من ثلاثة آلاف منهم في قاعة فندق هيلتون لحضور ندوة الموصلية الفائقة في درجات الحرارة العالية بينما تابع مئات الباقين على أجهزة التلفاز الموضوعة في ممرات الفندق. كانت ندوة ماراثونية عرفت لاحقًا "بو ودستك الفيزياء"Woodstock of physics حيث قدمت 51 ورقة بحثية لغاية الساعة 3:15 صباحًا ومثال إثر مثال عن مصير الموصلية الفائقة. أصبحت حادثة متفردة في العلم الحديث خلدتها جائزة نوبل في ذلك العام لبيدنورز ومولر وموضوع الغلاف على مجلة تايم (الموصلات الفائقة).

كانت معظم الإثارة فجة. وبما أن تلك الموصلات الفائقة كانت مصنوعة من السيراميك بدلاً من المعادن لم تكن قابلة للثني مثل الأسلاك التقليدية وكانت متقصفة مثل أطباق الطعام. ولكي تكون مفيدة توجب على العلماء –أو بالأحرى المهندسين-تصنيع هذه المواد الفائقة التوصيل بحيث يمكن لفها وتغليفها. وتطلبت التطبيقات العملية زمنًا أطول من المتوقع عقود وليس سنوات.

لم يتمكن أحد قبل أن ينهي بوب مومجارد Bob Mumgaard أطروحة الدكتوراه في فيزياء البلاسما التطبيقية في معهد ماساتشوستس للتقانة في عام 2015 من تقديم صفًا واعدًا من الموصلات الفائقة عند الحرارة العالية والمصنوعة من مواد عرفت باسم ريبكو -  ReBCO اختصارًا لعبارة أوكسيد النحاس المصنوع من الباريوم الأرضي النادر-والتي وصلت نقطة الامكانية الجديدة. يقول مومجارد "الشيء المهم في هذه المادة هو أن تراها في حقل مجاور وتتحسن أكثر فأكثر" وهو ينحني باتجاهي على كاميرا حاسوبه في أحد الصباحات من عام 2020.

 تعمل الموصلات الفائقة المصنوعة من ريبكو عند درجات حرارة مرتفعة (100 كالفن) ويمكن نشرها على طبقة رقيقة ويمكن بالتالي غزلها لتصبح مغانط electromagnets كهربائية قوية وفعالة بشكل مذهل.

استخدمت المغانط الفائقة الموصلية في آلات التصوير "المرنان" في المشافي وفي التجارب العلمية الكبرى لمسارعات accelerators الجسيمات بما في ذلك صادم هادرون Hadron الكبير خارج مدينة جنيف السويسرية. ولكن مومجارد وهو المختص بالفيزياء النووية نظر إلى امكانيتها لتلبية الوعد الأكبر في تخصصه: الاندماج fusion.

كانت النار هي المصدر الأول للطاقة خارج الجسم والتي اتقنتها مجتمعات ما قبل التاريخ قبل 250000 سنة. قدمت حيوانات التحميل لقدماء البشر طاقة أكبر من رتبة أعلى. ولكن لم يحدث قبل أن يشيع استخدام الدواليب المائية في حقبة العصور الوسطى أن وجد أي مصدر جامد شائع يمكن اتقانه.

يلاحظ المؤرخ الكندي فاكلاف سميل Vaclav Smil أن كتاب ونشيستر Domesday وثق وجود 5624 طاحونة مائية في جنوب وشرق بريطانيا في أواخر القرن الحادي عشر أي بمعدل واحدة لكل 350 شخص. وتطلب الأمر 800 سنة حتى الثورة الصناعية لرفع أدائها بمقدار قيمة أُسية أخرى.

ثم تسارعت الأمور. وبحلول عام 1880 تم الاعتراف بالشبكة الكهربائية كما نعرفها الآن وبدأ النفط الخام نهضته للسيطرة على النقل. وثور لثور ودولاب مائي لدولاب مائي وآلة لآلة ارتفعت المقدرة العظمى لوحدات التوليد الفردية بمقدار 15 مليون مرة خلال عشرة آلاف سنة وحدث 99% من ذلك الارتفاع خلال القرن العشرين. كان الانشطارFission النووي أكثر تلك القفزات درامية أي تقسيم الذرات. 

شكلت الأسلحة الانشطارية السياسات الجغرافية في ذلك القرن ولا تزال محطات توليد الكهرباء العاملة بالانشطار توفر 10% من كهرباء العالم.

 استنفذ الانشطار مساره الآن. تراجعت شهية المجتمع للخطر النووي في أعقاب كارثة فوكوشيما. كما أن التكاليف الهندسية لرفع درجة الأمان تجعل طاقة الانشطار أقل اقتصادية بالمقارنة مع تراجع تكاليف المصادر المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية. يتطلب تفادي مزيد من الكارثة المناخية تغيرات عريضة في السياسة-وتكنولوجيات أساسية جديدة. سيفتح التحسين في تخزين الطاقة طرقًا جديدة لاستخدام الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية في الليل وطاقة الرياح في الأيام الرائقة. وقد تساعد الطرق الأكثر فعالية لإزالة الكربون من الجو على نطاق واسع في تغيير المناخ مرة ثانية.

يبقى الاندماج هو أكبر الابتكارات الكامنة وأقرب ما يكون إلى الطلقة التكنولوجية الفضية. والاندماج هو الذي يغذي الشمس: وهو تفاعل مكتفي ذاتيًا حيث تندمج نظائر الهيدروجين عند درجات حرارة تقدر بعشرات ملايين درجة مئوية لتشكل الهليوم وتطلق كميات مهولة من الطاقة خلال العملية. لا يحمل الاندماج أي أخطار كارثية كأخطار الانشطار. ومواده الأولية متوافرة وآمنة وتستخرج بشكل أساسي من مياه البحر. ونفاياته مشعة في الحدود الدنيا مثل الناتجة من المشافي عوضًا عما تنتجه منشآت الطاقة الانشطارية. ولا يوجد خطر الذوبان: وعندما تطفئ طاقة المفاعل الاندماجي يتوقف التفاعل.

يكمن التحدي في نوع مختلف من التحكم. تأخذ تفاعلات الاندماج شكل البلازما الساخنة المعكرة والتي تحترق عند حرارة تزيد عن 50 مليون درجة مئوية. استحوذت هندسة احتوائها- وضع "الشمس في قارورة" في تشبيه تقليدي- على اهتمام العلماء منذ الخمسينيات. تمثلت الاستراتيجية الرائدة في مفاعل يسمى توكاماك tokamak  غرفة على شكل كعكة تستخدم المغانط الكهربائية لحفظ البلاسما في المكان. تمثلت العقبة الأداء منذ تخيل التوكاماك في الخمسينيات من قبل العالم السوفيتي أندريه ساخاروف Andrey Sakharov في إيجاد المغانط القوية بما يكفي لاحتواء البلازما والفعالة بما يكفي بحيث تتطلب طاقة أقل من تفاعل الاندماج الذي تولده. (وإلا ما الغاية من هذا التفاعل؟). وهنا يأتي دور الموصلات الفائقة.

يقول مومجارد: "إذا تمكنت من إيجاد طريقة لصنع مغناطيس من هذه المادة تتوقف المادة نفسها عن البقاء كعائق وتصبح الهندسة نفسها هي العائق. وإذا تمكنت من فعل ذلك تستطيع صنع مفاعلات اندماج صغيرة بدون الاضطرار لتحقيق اختراقات علمية كبرى في حقل فيزياء البلاسما."

لم نتمكن من انجاز مفاعل اندماجي عامل بعد ولكن المغناطيس المصنوع من الموصلات الفائقة سيقدم بلا ريب طريقًا جديدًا.

أسس مومجارد بالتعاون مع شركاء آخرين شركة كومنولث لأنظمة الاندماج في عام 2018 لدى إدراكه أن التقنية ستكون جاهزة لاستخداماته. وطوال فترة دراساته العليا تابع عن كثب تطور تصنيع الفيلم الرقيق وهي العملية اللازمة لتشكيل الموصلات الفائقة المصنوعة من السيراميك في أشكال مفيدة. دفع الإنتاج الاقتصادي لمنتجات الفيلم الرقيق الأخرى مثل الألواح الشمسية ورقاقات الحاسوب المصنوعة من السيليكون على نطاق واسع إلى تحسينات تقنية مستمرة. وإذا تمكنا من فعل ذلك بمواد ريبكو يمكن آنذاك تشكيلها ولفها على هيئة مغانط كهربائية هائلة القوة – وقوية بما يكفي لتكون القطعة الناقصة في الاندماج.

ستبدأ شركة كومنولث في عام 2021 بناء مجمعًا رئيسيًا مصممًا لاحتواء تصنيع واختبار المشروع المكون من مرحلتين. الأولى هي مغناطيس هائل القوة مصنوع من الموصلات الفائقة تحت الحرارة المرتفعة. تستخدم المرحلة الثانية المغناطيس كمركب تحويلي في مفاعل اندماج قادر على توليد طاقة أكثر من الطاقة التي يستهلكها. يدعى المشروع سبارك SPARC ويثير الانتباه لحجمه الصغير نسبيًا حيث لا تشغل الوحدة برمتها حجم ملعب للكرة الطائرة. وهذا بسيط للغاية بالمقارنة مع الحجم الضخم لمشاريع الاندماج الأخرى وأشهرها ايتر ITER وهو مشروع دولي لا يزال قيد التشييد في جنوب فرنسا. صُمم المشروع قبل عدة عقود وبدأ في عام 1988 ولا يستحصل توكامك ايتر على كافة المنافع للموصلات الفائقة العاملة عند درجات حرارة مرتفعة ويتطلب أن يتناسب مغناطيسه مع الحجم من أجل توليد قوة كافية لاحتواء البلازما. وارتفعت ميزانيته إلى عشرات المليارات من الدولارات (لا يزال الرقم الدقيق موضع خلاف حاد).

 لا يتوقع أن يحدث أول تفاعل اندماج فيه حتى عام 2035 بالرغم من بداية التشييد عام 2013.

يعتبر هذا التوقيت بالنسبة لمومجارد (وربما لمعظمنا) متأخر كثيرًا ولن يكون مفيدًا بالدرجة الكافية. يعتزم وزملائه وفق الجدول الزمني الذي أقروه أن يضغطوا على زر التشغيل الذي يبدأ تفاعل الاندماج قبل عام 2025. وعندما يضغطوا عليه ثانية سيتوقف التفاعل. ستكون الطاقة الصافية الناتجة أول ضوء لامع- فعليًا -لشمس من صنع البشر. ويقول: "نعتقد أن يكون أمرًا بالغ الأهمية. فالاندماج صنع كافة الذرات ونحن أليس كذلك؟".

وهو أقوى شيء في الكون: إذ تبدأ 99.999 من كافة الطاقة الموجودة في الكون بالاندماج".

ومتى تمكنا من تشغيل وإطفاء تلك الشمس حسب الرغبة سيصبح التحدي استخلاص طاقتها الفائضة وتوضيبها في شيء يشبه معمل لتوليد الطاقة ومن ثم البدء ببنائه سريعًا.

من السهل الانهزام أمام التغير المناخي. فالمصاعب السياسية خلال السنوات القليلة الماضية والحرائق الجامحة وذوبان الجليد السرمدي والفيروس الماحق تجعل منظور الاضطراب الحاد مألوفًا. ويبدو إن حذف قطعة من مكونات التحدي الذي يواجه البشرية- إيقاف حرق الوقود الأحفوري- جزء من الحل.

 يتطلع مومجارد لتخيل شاحنة الوقود تتوقف في المصنع في اليوم الأول لتضخ مجموع نظائر الهيدروجين والتي تنقل على شكل غاز والكافية لتشغيله مدى الحياة. لا قطارات فحم ولا خزانات ولا أنابيب تحت الأرض من الهيدروكربونات المتدافعة. يستطيع المرء في السنوات اللاحقة تخيل استبدال آلاف معامل التوليد العاملة بالوقود الأحفوري، والتي توشي الكوكب وتطلق الغازات وتطبخنا، بآلاف مفاعلات الاندماج.

لن تحل تلك المفاعلات محل التقدم الهائل الذي حصل بالموارد المتجددة ولكنها ستعوض نقائصها. يتطلب تخليق شبكة كهربائية يُعتمد عليها بشكل حصري من توليد متباين-أي معتمد على الريح أو الشمس- بناء مقدرة إضافية لتغطي الأيام الغائمة وما يستلزمه ذلك من بطاريات ضخمة لتغطي الفجوات والليالي ولكنها ضعيفة الفعالية. نحتاج لطاقة "قابلة للنشر"- سهلة التشغيل وسهلة الإطفاء. قد يصبح الاندماج ذلك ومن ثم إزالة (أو تخفيف) العواقب الخطرة للانشطار النووي والوقود الأحفوري.

سيتغير العالم إذا نجح الاندماج. ستستبدل الهيدروكربونات التي أسست المجتمعات على الصورة التي نعرفها الآن بمصدر للطاقة النظيفة- سحر على الأقل في الوقت الراهن كما لو كان من الخيال العلمي. (في النسخة الأصلية لستار ترك Star Trek التي عرضت في عام 1966 وصف مصدر الطاقة بأنه نوع من الاندماج).

ما الذي سيتكشف آنذاك؟ وأية اشكال جديدة؟ ستتوفر المياه العذبة بكثرة إذا توفرت الطاقة لإزالة ملوحتها. وعند تخفيض كلفة الطاقة سيتم إعادة تدوير الكثير من المنتجات والمواد بصورة اقتصادية وتفتح إمكانيات جديدة لتدفق المواد الدائري. إنها رؤية مشوقة ومجملة. لطالما كان الوقود الأحفوري واجهة الاقتصاد العالمي ولكن ما الذي سيحدث لدى إزالته من المعادلة؟

يقول مومجارد "الإبداعية البشرية والطاقة هي السوق الأساسي. وهي الثانية من الوصايا العشرية التي تلزم كومنولث نفسها بها. (الأولى: الطاقة والبيئة الصالحة للعيش هي حقوق إنسانية أساسية) ".

وما يفزعني أن الاختراعات السحرية قد حدثت من ذي قبل رغم أنها بدت غير قابلة للتصديق.. ولطالما نفث الاندماج الطاقة المتميزة للتفكير السحري الذي يصبح أكثر غرابة مع اقترابه من الحقيقة. ما الذي يحدث عندما يتحول السحري إلى حقيقي؟ عندما يطير الناس عبر الهواء وعندما تضيء الكتب بمعرفة بلا نهاية وعندما تكون الطاقة بلا حدود؟

 هناك على الأقل فسحة من الأمل لهذه الإمكانية – حيث تلتحم الفجوة العريضة بين الحقيقة والخيال. تلك هي إثارة التكنولوجيا المتواصلة حيث تلزمنا أحيانًا بالنظر بعيدًا عن مؤثراتها الخارجية- من المعادن المثيرة للصراع والانبعاثات والضجيج والنماذج المدعومة بالإعلانات التي تمتص انتباهنا وتدمر حياة صانعي الحضارة والسياسات المغلفة- نحو مستقبل معجز أو مجرد مستقبل قابل للعيش.

نعيش على الحافة القاطعة لكل ذلك الآن. هل ستهزم اللقاحات ذلك الفيروس؟ هل ستحضر البدائل التكنولوجية للوقود الأحفوري بالسرعة الكافية لتحجم معاناة- وربما الانهيار الحتمي-التغير المناخي؟

تكمن وعود التكنولوجيا في إمكانية تحقيق كل تلك الابتكارات الصغيرة تلك المعجزات التي أصبحت شديدة الشيوع لتصبح السحر الكبير للحياة المستمرة على الأرض.

 

المصدر:

https://www.laphamsquarterly.org/technology/fusion-magic


عدد القراء: 750

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-