مجتمع الاتصال وتطورات التفكير الطارئةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-01-30 08:15:53

د. عبدالرحمن إكيدر

المغرب

كريستيان روبي  Christian RUBY

ترجمة : د. عبدالرحمن إكيدر

يسعى عالم الاجتماع آلان تورينAlain Touraine  إلى وصف "مجتمع الاتصال" الذي يراه مجتمعًا حديثَ عهدٍ هدفه الأسمى تحقيق مجتمع الحقوق والكرامة.

نشر آلان تورين البالغ من العمر 95 عامًا، الجزء الأخير من سلسلة مقالات تضم ما لا يقل عن خمسة كتب، إنه نوع من البرامج البحثية لعدد من المحللين المستقبليين الذين سيتعين بهم لدراسة هذا النوع الجديد من مجتمع آخذٍ في الظهور. يصر الكتاب على أهمية التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نشهدها اليوم والتي تجعلنا نترك المجتمع الصناعي لدخول عصر جديد؛ إنه عصر الاتصال بامتياز، والذي يتميز بالرغبة في تحرير نفسه من قبضة الدولة الاستبدادية مع التوفيق بين هياكل الدولة والمجتمع المدني، وذلك من خلال تثمين بعض العناصر الثقافية (خاصة من الشباب أو الحركات النسوية). وبعبارة أخرى، فإن مجتمع الاتصال يقوي المجتمعات ليس في أسسها المؤسسية فحسب، وإنما فيما يتعلق بها حقا مما هو "اجتماعي". وبعيدًا عن الوقوع في الحنين إلى الماضي أو تقديسه، يسعى آلان تورين جاهدا لإظهار ما يحمله هذا الشكل الجديد من المجتمع الإيجابي بشكل أساسي.

الإطار السوسيولوجي

تفتتح بعض فصول الكتاب بأدلة مستقاة من السيرة الذاتية التي تسمح لنا بفهم حياة المؤلف بشكل أفضل: لقد صادفنا أسماء إدغار موران Edgar Morin ورولان بارت  Roland Barthesوكلود ليفي شتراوس Claude Lévi-Strauss  وميشيل فوكو Michel Foucault، ونشهد ولادة علم اجتماع للعمل الذي كرس له آلان تورين حياته المهنية. يسعى هذا النهج العلمي إلى إبراز "موضوعات" العمل الاجتماعي بدلاً من النتائج الواقعية أو الإحصائيات، بدلاً كذلك من الحديث عن "الوظائف" أو حتى "الآليات الاجتماعية"، وفقًا لمفردات حتمية يعتبرها تورين متجاوزة، وهو بذلك يعطي الأولوية للجهات الفاعلة، وهكذا يظهر المجتمع كعمل جماعي.

وبناءً على هذه الطريقة، يطور عالم الاجتماع تفسيرًا سرديًا واسعًا يقدم فيه وصفًا للمراحل المختلفة للبشرية، مقترحا ثلاثة نماذج متتالية؛ بداية، كانت مجتمعات ما قبل الحداثة، وقد كانت منظمة بشكل أساسي حول أنظمة القرابة وقائمة على الترابط بين عالم الإنسان وعالم الحيوانات والنباتات والخوارق والآلهة. ثم المجتمعات الحديثة، التي توسع مجال التدخل البشري فيها بشكل كبير: فهي تتقدم عن طريق الغزو، وتُحدث الأنظمة القانونية والسياسية، وتبتكر المال، وتطور العلوم والتكنولوجيا. بيد أن هذا النموذج الذي يتسم بتقليل قيمة العلاقة الحميمة، فإن يمهد بذلك الطريق للهيمنة الذكورية؛ فمن خلال اختراع الصناعة، أطلق العنان للنضالات الاجتماعية التي ستهيمن في نهاية المطاف على تاريخ العالم. أما المجتمع الذي ندخله، أخيرًا، فإنه ينطلق من الثورة الرقمية، ويضع الاتصال في قلب الحياة الاجتماعية بدلاً من الإنتاج. إنه يستند قبل كل شيء إلى الاعتراف بحقوق الإنسان وإلى الاعتراف بالآخر (في الواقع، لا يمكن للمرء أن يتواصل دون الاعتراف باختلاف الشخص الذي يخاطبه). يتسم هذا النموذج عكس سابقه بتحرير الحياة الخاصة، حيث يثمن مجتمع الاتصال نضالات تحرر المرأة، كما يحول تجربتنا في الفضاء وذلك من خلال هيكلة العالم حول آلات الهاتف والألياف الضوئية.

يحثنا هذا السرد على ألا نتخلى عن أهداف الحداثة، ولكن بدلاً من ذلك أن نتعلم كيف نعيش في مجتمع تواصلي ما بعد صناعي، مليء بالخيال والقوة الإبداعية.

تطورات طارئة في التفكير

بالنسبة لعالم الاجتماع، فإن أي ظاهرة اجتماعية هي فرصة لاستكشاف المجتمع وتعزيز (أو تحدي) تحليلاته العالمية. على سبيل المثال، يوضح تورين أن الوباء قد تسبب في قطيعة مع نموذج التنمية التاريخي: فبعض البلدان ترفض التعليم العلمي، والبعض الآخر لم يكيف مؤسساتها؛ فهم غارقون جميعهم تقريبًا في أزمة متنامية. وبالنسبة للمؤلف، فإن العبور من المجتمع الصناعي إلى مجتمع الاتصالات وكذلك الثورة الرقمية المصاحبة له يجب أن يجعل من الممكن تفسير هذه الطفرة، ويبقى السبيل في هذا الصدد ابتكار الحلول السياسية الجديدة التي تتوافق مع هذه الطفرة.

من وجهة النظر هذه، فإن المشروعين الأكثر إلحاحًا يتعلقان بالتحرر من هيمنة الذكور وبقايا الهيمنة الاستعمارية. فيما يتعلق بالأول، يؤكد تورين على الوجود المطلق للثقافة الذكورية الجنسية في مجتمعنا، والتي صاحبها تطور التحليل النفسي، وللتغلب على هذه الثقافة يجب إعادة التفكير في العلاقات الرومانسية وابتكار نموذج للحميمية يعتمد بشكل أكبر على الاحترام والتواصل. أما فيما يتعلق بالهيمنة الاستعمارية، فلا بد من إعادة النظر فيها من خلال قضية الهجرة والنظرة الإقصائية والتهديدات التي يتعرض لها المهاجرون. هذه المرة، يتعلق الأمر بمسألة مهاجمة الأيديولوجيات السياسية والدينية التي تساهم في تفاقم هذه الهيمنة.

وفقًا لآلان تورين، لا يمكن تحقيق كل هذا إلا من خلال الدفاع عن قيم معينة، والمتمثلة في ثلاث قيم أساسية هي الحرية والمساواة والكرامة (بدلاً من الأخوة). ومع ذلك، يجب الدفاع عنها في السياق الجديد للحركات والشبكات الاحتجاجية، التي تتجاوز سيطرة الأجهزة السياسية على الرأي العام. تعني كرامة الأفراد الاعتراف بالتنوع الثقافي وسلامة الفرد ضد القوى التي تسعى لتقييده. وهكذا، فإن الكرامة تفرض نفسها فوق أي هوية، وأي انتماء، وأي تراث معين؛ إنها ببساطة مسألة قانونية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو توسيع نطاق هذه القيم: فهل يمكننا، كما يوحي الاتجاه الحالي، بتوسيع نطاق المطالبة بالكرامة إلى ما هو أبعد من البشر، لتشمل جميع الكائنات الحية؟

إن مفهوم الاتصال، الذي يركز عليه تورين في تحليلاته، يجعل من الممكن توضيح هذه الأسئلة. فلا معنى للكرامة ما لم تكن ردًا على بعض الممارسات والسلوكيات الشخصية والعلاقات بين الأشخاص التي تدعو إلى احترام الفرد. يعتمد المؤلف لدعم هذه الأفكار على مصادر فلسفية مختلفة: في كتابه نجد اسم أكسل هونثAxel Honneth  ومفهومه للاعتراف، ولكن أيضًا نجد اسم مانويل كاستيلز Manuel Castells  وفرناندو هنريكي Fernando Henrique لمساهمتهما في مفهوم الكرامة. يشكل مجتمع الاتصال في نهاية المطاف إطارًا نظريًا مواتيًا لفهم متطلبات الكرامة، لأن فعل الاتصال ذاته يدعو إلى مثل هذا الاعتراف. ثم تظهر مسألة العلاقة الرومانسية والحميمية مرة أخرى، لأنها أقوى تعبير عن الاعتراف بالآخرين.

وأخيرًا، يدعو تورين، الذي يتمتع بديمقراطية حازمة، إلى يسار جديد، ربما لا يزال قريبًا من اليسار القديم، الذي يسعى إلى تعزيز ذاتية المواطنين، ومشاركة جميع الجهات الفاعلة في تعزيز حقوق الإنسان، من قبل الجميع ومن أجل الجميع.

 

- عنوان المقال الأصلي:

 Vers une société de la communication : entre altérité et dignité

- مصدر المقال:

 https://www.nonfiction.fr


عدد القراء: 1322

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-