التحفيز العلمي وجائزة نوبلالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-05-31 20:14:38

أ.د. يعرب قحطان الدُّوري

جامعة الشارقة، الإمارات العربية المتحدة

نقرأُ بفخرٍ واعتزازٍ ما أنجزهُ العرب المسلمون الأوائل في العصور الإسلامية علميًا وفكريًا وإنسانيًا جعلهم منارةً للدنيا وقبلةً للآخرين ومصدرًا لأولئك الغربيين الذين اقتبسوا من أمتنا وعلمائنا الأوائل مُؤلفاتهم وأبحاثهم قادهم إلى العالم الحديث في شتى مجالات الحياة، فكانت كتب ابن سينا والرازي وإبن حيان وإبن الهيثم وإبن رشد لخير مرشدٍ لأروبا بعد أن عاشت عهود طويلة في ظلامٍ دامسٍ وسباتٍ عميق، ساعدتهم لاستنشاق عبق الحضارة العلمية الصحيحة.

في أمتنا بدأت رحلة التشجيع العلمي في نهاية القرن الأول الهجري، يومها شجّع خالد بن يزيد بن معاوية الثاني، وكان ذو اهتمام في علم الكيمياء، ترجمة الكتب الإغريقية ونقلها إلى اللغة العربية وبذل لها من المال الكثير فكانت النتيجة إقبال العلماء المسلمين العرب على الترجمة من أوسع أبوابها لنهل علوم ومعارف الحضارات القديمة، وتواصلت العلوم والمعارف والفنون والآداب بمختلف فروعها وتنوع أساليب دعمها، ففي العصر الذهبي، العصر العباسي كان الخليفة هارون الرشيد السّباق الأول لاستلهام العلم والتشجيع عليه، كان خُلق الخليفة التواضع والأدب والاحترام عند لقاء شيوخه، بل وأختار ألمعَ الشيوخ والأساتذة لتعليم أبناءه الأمين والمأمون، وأنهال على العلماء بالمال الكثير والخير الوفير كالأجور والمكافآت وأسكنهم المكان الفسيح والفراش المريح.

رُوي عن الخليفة أبو جعفر المنصور أنه كان عالم زمانه، فقد حدّث الأمام مالك بن أنس (رضي الله عنه): قال لي أبو جعفر المنصور: يا مالك، ليس أعلم منك ومني في هذا الزمان، ولكن شغلتني أمور الدنيا والسياسة، فأصنع للناس كتابًا تتجاوز فيه تهافتات أبن عمر وشدائد ابن عباس ووطنه للناس توطئةً. قال الأمام مالك: والله لقد ألهمني يومها كتاب المُوطأ، أو كما روي.

اهتمام أولياء أمور المسلمين بالعلم والعلماء لم يتوقف بل تواصل وترسخ أكثر وأكثر وتجاوز صفة الاهتمام الشخصي المرتبطة بشخص الخليفة أو شخصية المسؤول بل توسع وأخذ الطابع المؤسسي، هذا ما حدث في عهد الخليفة المأمون حيث وصلت خُطى الترجمة والتأليف والبحث العلمي أوجُّها وأكبرها، فأسس دار الحكمة، للم شمل العلماء والباحثين بمختلف تخصصاتهم وفروعهم العلمية والإنسانية،  العلوم العقلية والنقلية وتوحيد جهودهم وأنكَّبَ المأمون بنفسه على رعايتهم والاهتمام بهم حيث تروي كتب التأريخ أن كل عالم أو مُؤلِف ينال مكافأة تعادل وزن مُؤلَفه ذهبًا، كل هذا كان بِضعٌ مما في مشرق العالم الإسلامي المزهر، أما في مغربه المبهر، فكانت حضارة الأندلس الشاهد الأُمْثلة على ما كنَّهُ خلفاء بني أُميَّة في الأندلس من عناية شديدة واهتمام بالغ حتى أن المعماريين الإسلاميين قد أدهشوا العلم بأسره عندما بنوا قصور قرطبة والجامع الكبير بالأندلس بفنٍ رفيعٍ بلغ حدًا أن المصلي إذا تقدم أو تأخر عن صف المصلين لا يسمع صوت أمام الصلاة، دلالة عن تقدمٍ ورقيٍ علمي وفني، وزاد ذلك كُثرة الاهتمام والرعاية بالعلماء، ففي حسابات هذه الأيام أن تكلفة الإنفاق على قصر الحمراء بقرطبة يومئذٍ بلغ 400 مليون دولار أمريكي شمل البنيان ومواده، والمهندسين وأجورهم، والعلماء وجهودهم.

وتواصلاً مع النهضة العلمية والحضارية وتناوبها بين الأمم المتوالية، كانت الثورة الصناعية في أواخر القرون الوسطى من الألفية الماضية مفتاحًا علميًا وإنجازًا حضاريًا لسلسلةٍ من الاختراعات والابتكارات التي استسقت منها البشرية جمعاء فكانت الكهرباء أهمها تلتها السيارة وغيرها الكثير من الاختراعات، كل ذلك نتيجة الدعم اللامحدود لأصحاب تلك الابتكارات وفوق كل هذا الجد والاجتهاد والمثابرة والتفكير والعزيمة والإصرار لمبتكري تلك الاختراعات فكان تومسون أديسون وغراهام بيل خير مثالين على ذلك.

ولم يقف الأمر على ذلك بل تطور الجهد العلمي إلى مؤسسات داعمة للعلماء وأبحاثهم فكانت مؤسسة ألكسندر فون هومبلدت وماري كوري والأكاديميات العلمية السويدية والألمانية وغيرها، الأثر الكبير في تحصيل العلم.

إن جائزة نوبل ثمرة علمية لأحدى تلك المؤسسات بل أصبحت المتربعة على عرش التقديرات الأكاديمية والعلمية في العالم تقديرًا وتخليدًا لإنجازات العلماء وما آلت إليهم بفائدة للإنسانية جمعاء.

إن أمتنا العربية لا تخلو من جوائز علمية تشجيعًا للبحث العلمي ورافدًا حضاريًا وتواصلاً عالميًا فكانت جائزة الملك فيصل العالمية الأبرز عربيًا بل سُميت نوبل العرب كما يحلو للبعض تسميتها وأخرى لملوك ورؤساء وأمراء العرب كالجوائز العلمية والتشجيعية والتقديرية في العراق والكويت ومصر والمغرب واليمن وغيرها وأخرى لمؤسسات علمية ومنابر أدبية لشخصيات لامعة كجائزة شومان وجائزة عويس لخير دليل على ما تزخر به أمتنا العربية من طاقاتٍ وموارد.

وجاء تتويج بعض العلماء والأدباء العرب بمختلف تخصصات جائزة نوبل منبع سعادة وفرح غامرين لأولئك الباحثين والجادين خدمة للعلم والدين فإلى جانب سياسيون عرب نالوا جائزة نوبل للسلام، كان ممن جانبهم النصيب والحظ، فالأديب المتميز نجيب محفوظ نال جائزة نوبل في الآداب والأستاذ الدكتور أحمد زويل نال جائزة نوبل في الكيمياء مُحفزِين لنظرائهم من الشباب العرب الطامحين للسير قدمًا على نهج العلماء القدماء والمحدَّثين، وما بقي في مجالي الطب والفيزياء لم ينله أحد من العرب بعد!!! هذه دعوةٌ جادة للمهتمين من العرب لرفع شأن أمتهم وأعلاء راية دينهم وتخليد أسمائهم فماذا ينقصهم لينالوا ذلك؟؟؟

أن الانفتاح على دول العالم والتواصل مع نظرائهم في الغرب بشتى وسائل الاتصال والمعرفة وحضور المؤتمرات والندوات العلمية وتوفر المادة اللازمة للإثراء العلمي علاوة على الإرث الحضاري العربي والإسلامي العريق ما يطمح إليه القاصي قبل الداني يُضاف إلى ذلك العمل الجاد والاجتهاد المتواصل والتفكير المُسهب وانتشار الإنترنت وسهولة نقل المعرفة تكنولوجيًا وسرعة تطور وسائلها كل ذلك يذلل الصعاب ويزيل العقبات ويمهد السبل لنيل ما تصبوا إليه الأمم وتنساق إليه الغايات والسبل وصدق من قال:

بالعلمِ والمالِ يَبْني النَاسُ مُلْكُهمُ            لا يُبْنَى مُلْكٌ على جَهْلٍ وإقلالُ

فماذا ينقصنا إذًا! فكل شيء مُيسر ومتوفر عندنا أو عند نظرائنا في الدول الأخرى، هذه دعوة نُسّوقها لأصحاب العقول النيرة والقلوب الدافئة للأخذ على محمل الجد والصواب طريق العلم والمعرفة متيقنين من أن نهاية ذلك الطريق هو العلو في الدنيا والفردوس الأعلى في الآخرة.

ما أراه اليوم أن هناك باقة من الشباب العربي التَوّاق للعلم وارتقاء سُلمهِ رغبةً وأملاً وعملاً ونتيجةً، ففي تخصصي ومجالي العلمي والبحثي في الفيزياء أرى أن هناك الكثير من الفيزيائيين العرب الملمين إلمامًا جيدًا بالتدريس الجامعي والبحث العلمي والتواصل العملي سواء في مشرق أمتنا العربية ومغربها أو خارج حدودها أرفدوا جُلَّ المجلات العلمية الكبرى ذات التخصص العام والدقيق بأبحاث علمية ذات شأنٍ عالٍ بلغت أهميتها وذروتها بأقبال الشركات الصناعية الكبرى في العالم عليها لاستثمارها واستخلاصها علميًا واقتصاديًا مما يدر عليهم بأرباح طائلة.

إن مستقبلنا لواعدٌ وزاخرٌ بطاقاته البشرية الكبرى وإمكاناته الاقتصادية الكثيرة وأحلامه الواعدة ما يُبشّرنا بجيلٍ علميٍ رائعٌ يصبوا إلى ما يطمح إليه علمًا وعملاً وسنرى أن شاء الله تعالى شباب اليوم علماء الغد مُرصّعةً صدورهم بألقابٍ ونياشين وجوائز علمية كجائزة نوبل المتربعة على الجوائز العلمية في العالم منبع الفخر والاعتزاز الكبيرين.

آملين وداعين المولى عَزَّ وجَلَّ أن تكون هذه بداية لرحلة علمية أولها خطوة كما يقال لأولئك الطامحين الواعدين بمستقبلٍ مشرقٍ زاهرٍ لأمتنا العربية والإسلامية ولأجيالنا القادمة.


عدد القراء: 1380

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-