أهمية الكتابة العلمية في اللغة العربيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2023-09-29 12:39:54

أ.د. يعرب قحطان الدُّوري

جامعة الشارقة، الإمارات العربية المتحدة

تعتبر الكتابة العلمية الركيزة الأساسية في شرح وإسهاب المعلومات البحثية، ولها أهمية بالغة لكونها وسيلة ضرورية لإيصال الشروحات العلمية وتبادلها بين المؤلف والقارئ لتفهم بسهولة وببساطة. وتكتسب هذه المهارة من خلال مهارة المؤلف لإيصال رسالته العلمية إلى القارئ والتمرن والتعرف على تطبيقات المبادئ الرئيسية للكتابة العلمية، حيث يزّكى بتقديم البحث العلمي تبعاً لتسلسل معين يستعرض به فكرة البحث العلمي ونتائجه لتحقيق الهدف المنشود لوضع المعلومة جاهزة للقارئ وشرح وتبسيط كل ما ينفعه بكل وضوح ويسر وسهولة. تعتبر الكتابة العلمية الأسلوب الدقيق في كتابة البحث العلمي باللغة العربية، ويترتب عليه التحليل والتشخيص والتمحيص للوصول إلى النتائج العلمية الدقيقة بأسلوب المؤلف الباحث. حيث تنتهج الغالبية العظمى من كُتاب الأبحاث العلمية أسلوب محدد في تحقيق مبادئ الكتابة العلمية، متمثلة في كتابة المقدمة، ثم طريقة البحث العلمي، ثم النتائج، ثم المناقشة. حيث تشير هذه المفردات الآنفة الذكر إلى عناصر فرعية تكتمل بها الطريقة العلمية الصحيحة للبحث العلمي باللغة العربية وهي: العنوان، والمؤلف أو المؤلفون، وملخص البحث، والمقدمة، وطرق البحث العلمي، والنتائج والمناقشة، والخاتمة، والشكر، وأخيراً المصادر والمراجع.

 أما مبادئ الكتابة العلمية باللغة العربية فهي: الشريحة المستهدفة، والمراد منها تحديد الفئة في وضع البحث العلمي لها، ويكمن الهدف منها ضرورة تحديد طريقة الكتابة وشرحها لنشر البحث العلمي، مع ضرورة التأكد من ملائمة الهدف والمحتوى، يليها موضوع البحث، والتي يستوجب الإلمام بتفاصيل الموضوع وغاياته، وفي هذه الحالة يعتمد على الكتب والأبحاث كمراجع هامة وضرورية، مع الاهتمام بصياغة المعلومات المتعلقة بالبحث بما يتناسب والمستهدفين من البحث. ثم الكتابة، والتي يتطلب وجودها إجراء المقابلات والتحليلات مع ذوي الخبرة والاختصاص في سياق البحث وموضوعه، والاهتمام باستعراض تاريخ نشأة وتطور الموضوع، والاستعانة بالأبحاث المحدثة والدراسات الموثقة لدعم البحث. مع ضرورة الاختصار قدر المستطاع بالجمل العلمية الهادفة بأسلوب سلس وبنّاء. والتقليل من استخدام المصطلحات المعقدة وغير المفهومة، والبحث عن أكثرها تجانسًا وفهمًا وتداولاً لخلق علاقة وثيقة بين البحث وموضوعه وواقعه من جهة والمؤلف والقارئ من جهة أخرى. مع مواكبة أحدث النشريات بالطريقة العلمية لضمان وصولها للقارئ بأفضل طريقة وأسرع وقت، ومن الممكن استخدام التكنولوجيا الحديثة في نشر البحث العلمي باستخدام المكتبات الإلكترونية والصحف وغيرها. يليها قواعد الكتابة العلمية والتي تلزم اتباع مبادئ محددة في الكتابة العلمية في اللغة العربية، مثل الحرص على اتباع أسلوب علمي ولغوي بحت متسم بالوضوح بلا أخطاء إملائية ولغوية، والاعتدال في الشرح بلا اطناب ممل أو مختصر مخل، والحفاظ على وحدة الفكرة العلمية، والتخلي عن الاستعانة بالاختصارات وإن لزم لا بد من شرحها، مع الحرص على استخدام المصطلحات العلمية المتعارف عليها. وعدم اتباع أسلوب التضخيم والمبالغة في تحليل النتائج، والانتباه لضرورة توظيف علامات الترقيم في مواضعها الصحيحة، وضرورة الابتداء بالفعل والفاعل والمفعول به بصياغة قواعدية سليمة وصحيحة كما متداول في اللغة العربية، واستخدام البساطة والسهولة في تركيب الجمل لتفادي التعقيد.، مع مراجعة البحث العلمي للتحقق من خلوه من الأخطاء اللغوية والإملائية. وأخيرًا، أهمية الكتابة العلمية المتمثلة بوسيلة التواصل والتفاهم بين المؤلف والقارئ باعتبار المؤلف هو الوسيط بين الأفكار العلمية والقارئ لعرضها بيسر وسهولة لغرض المساهمة في إبراز العلوم باللغة العربية لفائدتها في الحياة العامة والتطبيقات العملية.

يتناول مفهوم الكتابة العلمية باللغة العربية مجموعة من القواعد الضرورية لإيصال الرسالة العلمية بوضوح. وتتمثل هذه القواعد الضرورية بما يلي: قاعدة التنظيم والتي يلزم المؤلف وضع هيكل بحثي منظم قبل الكتابة العلمية والالتزام بالهيكل لكافة مراحل البحث. تليها قاعدة التقديم المنطقي والمتمثلة بأسلوب كتابي يعتمد على تسلسل الأفكار والانتقال من العام إلى الخاص عبر تدرج منطقي معتمدًا على بدء الكتابة في جميع العناصر باستخدام فقرات تتناول المواضيع الرئيسية ومن ثم التدرج على حسب الأهمية، وكتابة تعقيب في نهاية كل فصل لتوضيح أبرز المواضيع والأفكار المتناولة في البحث، واستخدام بعض العبارات الاستدلالية الهامة لتوصيل الجمل ببعضها البعض الآخر. تليها قاعدة الإثبات والتدليل والتي تعنى بأسلوب كتابي معتمد على دعم الأفكار والنظريات بأدلة منطقية لإضفاء قدرًا من المصداقية. تليها قاعدة الترابط والتي تتطلب عدم الابتعاد عن الموضوع الرئيسي والتفرع إلى مواضيع ثانوية غير ضرورية مع مراعاة الترابط المنطقي للأفكار المطروحة وضمان اتصالها معاً. تليها قاعدة الوضوح والمفترض تكون واضحة ومحددة في تناول جميع العناصر البحثية بعدم طرح مواضيع غامضة. تليها قاعدة إعادة الكتابة والتي تحدد الاستراتيجيات المجدية لإعادة الكتابة العملية بشكل يعطي للبحث جاذبيته ومكانته الصحيحة.

تعتبر الكتابة العلمية أهم أنواع الكتابة باللغة العربية ومنها أساس المعلومات المقدمة في البحث العلمي عبر قواعد وأسس معينة وخطوات دقيقة ابتداءً من استعراض الفكرة وانتهاءً بالنتائج بأسلوب علمي جذاب للوصول إلى الهدف بدقة ووضوح وسلاسة. أما خصائص الكتابة العلمية فهي الوضوح بالفكرة والطرح بحيث لا تتجاوز الفقرة في البحث نصف الصفحة أو أقل، ومحتواها الواضح، والإيجاز متجنبًا التكرار في الأبحاث العلمية، والدقة والتي تخلو من الاختصارات اللغوية والكلمات العامية والألفاظ الغامضة وغير الواضحة لكي تكون اللغة العلمية واضحة ومفهومة وسلسة، والموضوعية للخلو من الآراء الشخصية وآراء الآخرين والعواطف مستخدماً العقل السليم والفهم العلمي الصحيح. 

 من جانب آخر، توجد مجموعة من القواعد العامة للكتابة العلمية، مثل التنظيم لغرض وضع هيكل منظم قبل البدء بالكتابة، ثم التقديم المنطقي المعتمد على تسلسل الأفكار والتدرج المنطقي عبر عرض الأفكار الرئيسية بفقرات ثم شرح المواضيع حسب أهميتها، والكتابة حسب وجهة نظر المؤلف مع استخدام عبارات استدلالية للربط بين فقرات البحث وجذب القارئ لها، ثم الإثبات والتدليل ليكون داعمًا لأفكار المؤلف بأدلة منطقية دون الاسترسال بالكتابة اعتباطًا. ثم الترابط بين بعض الأفكار ذات الصلة مع مراعاة الترابط المنطقي للأفكار واتصالها. وأخيرًا، إعادة الكتابة إن شعر بضعف البحث.

ومما يتطلب من البحث العلمي السير وفق خطة محددة والمتمثلة بالمقدمة وهي أول خطوة للبحث العلمي حيث يتم طرح الموضوع مع التعريف المبسط له وذكر أهميته. ثم صياغة المشكلة والتي تهتم بصياغة المشكلة وشرح طبيعتها وأهميتها وخصائصها بشكل أوسع. ثم الدراسات الأسبقية والتي تتناول الموضوع ونتائجها وما سيقوم المؤلف بإضافته. ثم حدود الدراسة والتي تحدد إطار البحث. ثم الهدف من الدراسة والتي توضح أهداف دراسته وفرضياتها. ثم أهمية ومحيط الدراسة والتي توضح الغاية من الدراسة. ثم منهج الدراسة والخطوات التي يسير عليها المؤلف للمنهج الوصفي والتجريبي وغيرهما. وأخيرًا، عينة الدراسة التي قام المؤلف باستخدامها لدراستها وعمل التحقيقات بخصوصها. وتتمثل أهمية الكتابة العلمية بكونها وسيلة تواصل وتفاهم بين المؤلف والقارئ، فالمؤلف عبارة عن وسيط ينقل الأفكار للقارئ ويبسطها ويوضحها. وتسهم الكتابة العلمية بإبراز العلوم المختلفة وبيان دورها في الحياة بشكل مبسط للمساعدة على إثراء المحتوى العربي بالعلوم المتنوعة المختلفة باللغة العربية.

من جهة أخرى، تنقسم الكتابة العلمية إلى ثلاثة أقسام وهي: الأبحاث النظرية والمعتمدة على الأبحاث ذات البناء النظري الحديث حول موضوع معين مرسخة أسس قديمة بطرق حديثة. لكن لا يضم هذا النوع من الأبحاث دراسات ونتائج تطبيقية ذات صلة بموضوع الدراسة. والأبحاث العلمية والتي ترتكز على سرد منهجي مع مراعاة كتابتها بتسلسل منطقي وعلمي. وأبحاث المراجعة العلمية والمتمثلة بمراجعة علمية لمجموعة من أبحاث تم نشرها مسبقًا لكن لا يصدر عنها نتائج تطبيقية عكس الأبحاث العلمية.

ويجدر الإشارة إلى ضمان تحقيق الكتابة العلمية ضرورة مراعاة اتباع الخطوات التالية: اختيار العنوان المناسب للبحث فيجب أن يحتوي على وصف مناسب، فهو أول ما يلفت القارئ وله فاعلية هامة في اختيار محتوى البحث. ومراعاة كتابة اسم المؤلف وعنوانه بشكل واضح وبيّن. وكتابة مقدمة البحث بجاذبية لتحفيز القارئ على استكمال قراءة البحث مع مراعاة الإيجاز في بيان المعلومات. ومراعاة منهجية البحث بالإجابة على الأسئلة المطروحة والنتائج المرتبطة بالبحث. ومراعاة وضع النتائج المتحصل عليها دون وضع مبررات لها. واستخدام الرسوم البيانية والجداول الرياضية إن وجدت من خلال كتابة شروحات وتفسيرات توضيحية لها. وينبغي أن تختم الكتابة العلمية بالمراجع والمصادر المحدثة الخاصة بالبحث. لذا وجب تضمين أمور بحثية علمية لتحقق الكتابة العلمية وهي: تحديد الفئة المستهدفة من البحث وفق سرد المعلومات البحثية لاستيعاب المفاهيم العلمية. وتحديد الغرض من الكتابة بأسلوب يخدم الفئة المستهدفة بشكل سليم وصحيح.

أن الغرض من الكتابة البحثية هو المحدد الأساسي للكتابة لشرح مفاهيم معينة كالجاذبية مثلاً وكأن القارئ على معرفة سابقة بحيثيات المفهوم متبعاً طريقة الشرح التفصيلية أما إذا كان القراء خبراء بالجاذبية فيتم إيجاز المحتوى والتركيز على ذكر المعلومة الجديدة. كذلك من المؤثرات على أسلوب الكتابة العلمية هو دار النشر أو المجلة التي سيتم فيها النشر مأخوذا بعين الاعتبار مساحة الفئة المستهدفة بشكل موجز أو من خلال العبارات القصيرة والمفهومة.

ولا بد من التأكيد على أن اللغة العلمية يجب أن تكون واضحة وصريحة وغير مبهمة، وسليمة البنيان والأساس، والابتعاد عن الرموز والشخوص إلا للضرورة الملحة، والعناية باستخدام المعادلات الرياضية للاستدلال، والاهتمام بالجداول المفسرة والرسوم البيانية الموضحة للدراسة العلمية، والأخذ بعين الاعتبار أهمية المصطلحات العلمية واستخدامها في الجمل والعبارات المعنية.

وأخيرًا، لا بد من التعريج على خصائص الكتابة العلمية في اللغة العربية بموضوعيتها وسماتها كما يلي: الأمانة العلمية في الاقتباسات ونسب المنجز لأهله ما يدّعم الفكرة العلمية المقصود بحثها، وعدم الاكثار من النقل عن المصادر السابقة وتحديدها بضوابط يجعل البحث مكرس وليس مكرر، وتوخي الدقة والحذر في تفسير الدراسة العلمية ما يعد بعدًا كبيرًا للمؤلف من سعة اطلاعه وفهمه وتوسع مداركه، وتجنب التعميم دون مصادر أو شواهد وذلك يعزز مكانة البحث وقيمته، والحذر من نسب الإخفاق أو الضعف البحثي إلى جهة ما معلومة أو مجهولة ما يقلل من قيمة البحث وأهميته، والتقليل من التشكيك في الشروحات أو التأكيد من الظواهر غير الموثقة، وتجنب المبالغة في تعظيم الصفات الشخصية لبقية المؤلفين أو العلماء أو الباحثين المستشهد بهم في البحث العلمي، ولا ننسى أهم صفة للمؤلف والباحث العلمي وهي صفة التواضع وعدم الغرور في منجزه البحثي ما يُعلي مكانته بين زملائه المؤلفين والباحثين، وضرورة بسط الاحترام في كافة الطروحات العلمية بما فيها المؤلفين والباحثين والأفكار ما يعزز من قيمة البحث العلمية، ولا نتناسى ضرورة العناية بالشكل والمضمون للبحث نفسه ما يسّرع من نشره في النشريات العلمية ويكسب قدر عالي ومكسب كبير للمؤلف والبحث نفسه. أن لغتنا العربية غنية عن التعريف كماً ونوعاً وجديرة بمكانتها العلمية، فلا بد من تدريب الأجيال الحالية والمستقبلية على استعمالها في منازلهم ومدارسهم، وتشجيعهم على تداول المصطلحات العلمية فيما بينهم، وحثهم على ترجمة النصوص الأجنبية إلى اللغة العربية ما ينمّي لديهم القابلية العالية واللبقة والدقيقة في لغة عربية فصحى لا يُشق لها غبار، والتفتيش في كتب التراث العربي لتعزيز اللغة العلمية بما فيها المفيد والنافع معاً من منجزات العلماء المسلمين الأوائل، وتنبيههم على ضرورة الحفاظ على المبادئ والقيم للغة العلمية العربية، وتوعيتهم بضوابط النشر باللغة العلمية بشكل دقيق وليس اعتباطي ما يعزز لديهم ثقافة التميز والدقة ما يشجع ويحفز الجهات الرسمية على وضع الجوائز والحوافز للمؤلفين والباحثين والمبدعين لحثهم على مزيد من الأفضل والأحسن بما يغني المكتبة العربية بالمؤلفات، وتقديم المنجزات العلمية العربية إلى العالمية ما يكسب ثقة الأجانب بتعلم اللغة العربية وكسب مهاراتها بغية تسريع حركة التعريب لمزيد من العلوم والمعارف والتعريف بأعلام وكتاب اللغة العلمية في اللغة العربية.


عدد القراء: 4761

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-