ماذا تقول عندما تتحدّث إلى نفسك؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-05-29 04:17:58

د. عمر عثمان جبق

أستاذ مساعد في قسم اللغات الأجنبية كلية الآداب والعلوم بجامعة نزوى سلطنة عمان

الكتاب: "ماذا تقول عندما تتحدّث إلى نفسك؟ تقنيات قوية وجديدة لبرمجة قدراتك نحو النجاح"  

المؤلف: شاد هيلمستتر

الناشر: Gallery Books; Updated edition

عدد الصفحات: 224 صفحة.

تاريخ النشر:20 يونيو 2917.

اللغة: الإنجليزية

الرقم المعياري الدولي: ISBN-10 : 1501171992

يتناول المؤلّف موضوع حديث الذات وأثره في حياة المرء بكل جوانبها. ويميّز المؤلف بين نوعين من حديث الذات؛ هما حديث الذات السلبي وحديث الذات الإيجابي. ويعزو حديث الذات السلبي إلى الوسط المحيط للمرء منذ ولادته حتى بلوغه سنّ الرشد. فالوسط المحيط المباشر، كالأسرة والأصدقاء والمدرسة، مسؤول عن برمجة العقل الباطني للمرء بطريقة سلبية عندما يجعله يؤمن أنه لا يستطيع النجاح أو تحقيق الأهداف التي من الممكن جدًا أن يحققها لو أنّ الوسط المحيط كان أكثر إيجابية، وأدخل في عقله الباطني صورة الفرد القادر على السيطرة على حياته وقراراته ونجاحاته، ومكّنه من الحديث مع ذاته حديثًا إيجابيًا. ويعتقد المؤلف أن الإنسان قادر على قلب الموازين والنجاح وبلوغ الأهداف عندما ينخرط بمحادثة إيجابية مع ذاته تساعده في تنمية تحفيزه الداخلي والتحكّم بنفسه، دون الاعتماد على المحفّزات الخارجية ذات الأثر قصير الأمد والأجل. ويعتقد المؤلف أنّ المرء قادر على التحكّم بمشاعره وردود فعله وطموحاته وإنجازاته من خلال الحديث الإيجابي مع الذات الذي يعيد برمجة العقل الباطني لتقبّل حديث الذات الإيجابي والعمل بموجبه. ويؤكد الكاتب أنّ هذه النظرية أو الطريقة في الحديث إلى الذات مجرّبة ونتائجها كانت مبهرة على صعيده الشخصي والمهني، ومن خلال اعتراف عدد كبير ممن جرّبها من عملائه وقرّائه.

يتطرّق الكاتب في الفصول الخمسة الأولى إلى التخطيط الصحيح الذي يقود إلى النجاح. على الرغم من وجود آلاف الكتب التي تتحدّث عن النجاح وتطوير الذات وإدارة الوقت وصفات الأشخاص الناجحين والتحفيز وغيرها من الموضوعات الملهمة والضرورية، إلا أنّ أثر هذه الكتب يبقى، من وجهة نظر المؤلف، مؤقتًا يزول بعد الانتهاء من قراءتها أو بزوال المحفّزات الخارجية التي غالباً ما تأتي من الأهل والأصدقاء ورجال الدين وغيرهم. ويرجع السبب إلى أنّ هؤلاء لا يحاولون استهداف العقل الباطني للمرء من خلال تغيير المُدخلات الصحيحة التي تغذّيه وتوجّهه؛ هذه المدخلات التي تستغرق وقتاً كي يعتاد عليها العقل الباطني وينفّذها فيما بعد بصورة آلية. وبحسب محللي السلوك والباحثين في السوك الإنساني فإنّ 70% من المُدخلات التي تغذّي العقل الباطني هي مدخلات سلبية تحول بين الإنسان وقدراته الكامنة، قامت ببرمجة الإنسان برمجةّ تجعله يعتقد أنه غير قادر على الإنجاز الذي يرغب بتحقيقه. وفي هذا الصدد يشبّه الكاتب الإنسان بالسفينة التي يقودها عدد لا حصر له من الربابين الذين يحاولون توجيهها حسب مساراتهم الخاصة وأهدافهم الخاصة، دون أن يدركوا أنهم يتسببون في تيهها وضياعها. ولكي نعيد الأمور إلى نصابها لابد من استبدال المُدخلات السلبية والبرمجة السلبية التي غذّت العقل الباطني تغذية سلبية لفترة طويلة بمدخلات إيجابية وبرمجة جديدة من خلال حديث الذات الإيجابي المتكرر الذي يعطي رسائل جديدة للعقل الباطني تدفعه إلى التصرّف بموجبها، وهذا الأمر بمقدور الجميع القيام به. والأمر بسيط وسهل حسب المؤلف؛ إذ علينا فقط استبدال الكلمات ذات الدلالة السلبية بكلمات إيجابية؛ كأن نقول: "اليوم جميل وممتع، وأنا أستمتع به" بدلاً من القول: "يا له من يوم سيء ومُتعب!" يقترح المؤلف تعويد الذات على سماع مفردات إيجابية من مثل: "أستطيع القيام بذلك، أحُبّ عملي، ولا أمانع بحلّ بعض من مشكلاته، أنا أب جيد أستمع جيدًا إلى أولادي، لا أمانع في الوقوف بالطابور وانتظار دوري" وغيرها من المفردات التي تعطي رسائل ومدخلات إيجابية إلى العقل الباطني الذي سيتصرّف بموجبها. ويورد الكاتب قصّة شخصية لحديثه مع ذاته من خلال تسجيل بعض العبارات الإيجابية حول لياقته الصحية والاستماع إليها يوميًا، وكيف أنه فقد حوالي 25 كغ خلال ثلاثة أسابيع تقريبًا من خلال الاستماع لحديثه الإيجابي لمدة ربع ساعة كلّ صباح! والأغرب من هذا أنّ زوجته أيضًا خسرت حوالي 12 كغ من خلال استراق السمع لهذه التسجيلات أثناء وضعها المكياج كل صباح خلال المدة ذاتها!

ينتقل الكاتب إلى الحديث على إدارة الذات من الفصل السادس حتى الفصل العاشر. يعتقد الكاتب أنه لا يوجد أي إنسان في المعمورة لا يتحدث إلى ذاته بصوت خافت أو بصوت مرتفع أو من خلال الكتابة أو حتى من خلال التفكير بينه وبين نفسه. ومن خلال البحث والتقصي وجد الكاتب أن حديث الذات ينتمي إلى مجال العقل الباطني؛ أي أن الإنسان يقوم يه بحكم العادة دون إدراك العواطف والانفعالات التي يولدها هذا النوع من الحديث. ويعتقد المؤلف أنه يوجد خمس خطوات تتحكّم بالنجاح والفشل هي: البرمجة التي تولّد الاعتقادات، والاعتقادات التي بدورها تولّد وجهات النظر، ووجهات النظر التي تولّد المشاعر، والمشاعر التي تولّد الأفعال، والأفعال التي تؤدي إلى النتائج. وعليه ينبغي لنا أن نبدأ بالبرمجة الصحيحة لأنها هي الأساس؛ فإذا كانت البرمجة إيجابية من خلال مدخلات إيجابية فإنها ستؤدي إلى وجهات نظر إيجابية، والمشاعر الإيجابية ستولّد أفعالاً إيجابية لابد أن تعطي نتائج إيجابية. ولضمان المحافظة على تطوير الذات وعدم ارتكاسها وعودتها إلى أسلوب الحياة السلبي السابق لابد من المواظبة على الحديث الإيجابي مع الذات. يعرّف المؤلف حديث الذات على أنه طريقة تجاوز البرمجة القديمة من خلال محوها أو استبدالها بتوجيهات جديدة إيجابية وواعية، ويحدد خمس مستويات لحديث الذات هي: مستوى القبول السلبي، ومستوى الإدراك والحاجة للتغيير، ومستوى القرار بالتغيير، ومستوى النسخة الأفضل من ذواتنا، ومستوى التأكيد العام. معظم الناس بالنسبة للكاتب يتوقفون عند المستوى الأول أو الثاني، لذلك فهم لا يحققون التغيير المطلوب، وقد يرجع ذلك لعدم تمكنّهم من تغيير برمجتهم السابقة واستبدالها ببرمجة إيجابية جديدة. أما البعض الذين يتجاوزون المستويين الأول والثاني فإنهم تمكنوا من إعادة برمجة عقلهم الباطني بحيث أصبح يعمل بموجب المدخلات الإيجابية أو البرمجة الجديدة الإيجابية، وعندهم فرصة كبيرة لبلوغ المستوى الخامس والثبات عليه.

يستعرض الكاتب مسألة التحفيز من الفصل الحادي عشر حتى الفصل الخامس عشر محاولاً فكّ هذا اللغز. ويؤكد على وجود نوعين من التحفيز: التحفيز الخارجي والتحفيز الداخلي. التحفيز الخارجي مهم، ولكن أثره مؤقت ولا يؤدي إلى تغيير حقيقي في الاعتقاد والسلوك لأنه يعتمد في مجمله على سياسة "العصا والجزرة" أو الترهيب والترغيب. ومن المرجّح أن يذهب أثر التحفيز الخارجي بغياب المحفّز. أما التحفيز الداخلي فهو ينبع من الإيمان بقدرة الإنسان على الإنجاز من خلال الاعتقاد الراسخ أن الإنسان مسؤول عن كلامه وسلوكه وعمله، وهذا الاعتقاد هو نتيجة الحديث الإيجابي الدائم مع الذات. ويجب أن يكون هذا النوع من الحديث بسيطاً سهلاً بدون أي تكليف. وقد يأخذ أشكالاً مختلفة كالحديث الصامت مع الذات، أو الحديث مع الذات بصوت مرتفع، أو الانغماس بمحادثة ثنائية بينك وبين ذاتك، أو من خلال الكتابة إلى النفس، أو قد يكون من خلال تسجيل الحديث صوتيًا والاستماع إليه فيما بعد.

ثم يمضي المؤلف للحديث على التوجّه نحو حلّ المشكلات ابتداءً من الفصل السادس عشر وانتهاء بالفصل العشرين. وفي هذه الفصول يقوم المؤلف بتقسيم الحديث إلى الذات إلى أربع عناصر هي: تغيير العادات، وبناء وجهات النظر، والحديث التحفيزي، والحديث حسب الموقف. وينصح المؤلف باستخدام زمن الحاضر عند صياغة العبارات المستخدمة لتغيير العادات حتى يعتاد عليها العقل الباطني، ويتصرّف وفقًا لها كأن يقول المرء لنفسه: "أنا لا أدخّن، آكلُ كميات صغيرة من الطعام، أتذكرُ أي اسم أو أي شيء مهم بكل سهولة ويسر، أستمع جيدًا إلى ما يقال إليّ، وغيرها من العبارات الإيجابية في صيغة الحاضر". يعتقد المؤلف أنّ العقل الباطني لا يميّز العبارات الصحيحة من الخاطئة، لذا ينبغي الإصرار على استخدام زمن الحاضر في العبارات والاعتياد على صياغتها بهذه الطريقة؛ إذ يقوم العقل الباطني بتنفيذها. ويجب أن تكون عبارات الحديث مع الذات محدّدة قدر المستطاع كي تساهم في تغيير وجهة النظر التي بدورها ستحدد النتيجة. ويؤكد المؤلّف على مسألة وجهة النظر لأنّ دورها حاسم في الصورة التي نشكلها عن أنفسنا؛ إذ كلما كانت وجهة النظر إيجابية وسليمة، أصبح من السهل معالجة المشكلات والتغلب عليها والاقتراب من الهدف.

يكرّس الكاتب الفصول الثلاثة الأخيرة للحديث على الحديث إلى الذات وآثاره. ويُذكّر الكاتب بضرورة إدراك مختلف أنواع الأحاديث من حولنا وأثرها على خياراتنا وقراراتنا. ويضرب مثلاً عن حديث وسائل الإعلام وأثره على المساهمة في البرمجة التي تتوغل في العقل الباطني للإنسان، وتدفعه لاقتناء أشياء لا يحتاجها، أو القيام بأمور لا تعود عليه بالنفع. ويؤكد على أهمية تمييز المرء لأعظم مسؤولية ينبغي له تحملها؛ ألا وهي مسؤوليته عن نفسه التي تجعله حرًّا ومستقلاً. فتشكيل الأفكار وتحديد اتجاه المستقبل هي أهم مسؤولية شخصية يمكن للمرء أن يحظى بها، ولا شك أن تحمّل تلك المسؤولية ستمنحه سيطرة أكبر على حياته من أي وقت مضى. ثم ينتقل للحديث على ضرورة توجيه حديث الذات حسب المجال والموضوع الذي يجدّ المرء نفسه فيه. ثمّ يذكّر المؤلف بقائمة بسيطة تساعد على التحقق من أن الحديث إلى الذات يمضي في الاتجاه الصحيح. تضم هذه القائمة الأسئلة التالية: هل الحديث مع الذات في صيغة الحاضر؟ هل هو محدد؟ هل يؤدي العمل المطلوب دون التسبب في أي آثار جانبية غير مرغوب بها؟ هل من السهل استخدامه؟ هل هو عملي؟ هل هو شخصي وصادق؟ هل يتطلب منك ما يكفي؟ ويختم كتابه بتشجيع القرّاء على إحداث تغيير إيجابي في حياتهم إذا كان لا بد من التغيير لتحسينها، بغض النظر عما إذا كان هذا التغيير صغيرًا أو كبيرًا؛ المهم هو القيام به وعدم تجاهله أو تأجيله. ولكي يتحقق التغيير المنشود لابد أن يكون حقيقيًا وصادقاً بحيث نغيّر بعضًا من شخصيتنا وعاداتنا التي سببت لنا الحاجة للتغيير في المقام الأول. فلا فائدة من أخذ صورنا وأنفسنا القديمة معنا في رحلة التغيير. ويعتقد المؤلف أن التغيير قد يحدث بسبب عوامل خارجية تدفعنا للتغيير بدافع “البقاء الاجتماعي”social survival ، وهذا النوع من التغيير المفروض علينا لا يؤدي إلى الإنجاز وتحقيق الطموحات، أما التغيير الذي يحدث من خلال الخَيار الشخصي النابع من الداخل فهو التغيير الحقيقي الأصلي الذي يؤدي إلى الإنجاز وتحقيق الطموحات. فإما أن نجلس وندع العالم الخارجي يقودنا حيث يشاء، أو أن نقرر تحديد خطوتنا التالية باتجاه المستقبل ونقوم بها. يختم الكاتب قوله إنّ حياتنا المعاصرة منحتنا أدوات وأجهزة لم يمتلكها ملوك وأمراء قبل بضعة عقود من الزمن تعلّمنا من خلالها إدارة أعمالنا وبيئتنا، لكنا للأسف لم نتعلّم كيف ندير عقولنا! إن تعلّم إدارة موارد عقولنا والتحكّم بها وتوجيهها هو أكبر تحدّ قد يواجهنا. إنّ إدارة الذات هي آخر فتوحاتنا لأنها تفتح الباب لإدارة الآخرين وإدارة مواردنا ومستقبلنا. ولكي نحسّن إدارة الذات علينا أن نتحدث إليها بطريقة لطيفة تظهر الحبّ والاهتمام والقوة والتصميم، وبهذا النوع من الحديث فإننا نمنح أنفسنا أعظم هدية على الإطلاق!


عدد القراء: 446

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-