
قراءة نقدية في مسرحية المشكلة المعقدة
مسرحية المشكلة المعقدة The Hard Problem ، لمؤلفها توم ستوبارد Tom Stoppard، عرضت أول مرة قي 21 كانون الثاني عام 2015 على خشبة دورفمان للمسرح القومي في لندن، ونشرتها دار فيبر أند فيبر في لندن، ترجمها إلى العربية محمد إبراهيم العبدالله، ونشرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 2022، وهي مسرحية جديرة بالترجمة، جديرة بالقراءة، جديرة بالدراسة، ومجتمعنا العربي، بحاجة إليها، وإن كان من المتوقع ألا يتقبَّل الجمهور مثل هذا النوع من المسرحيات، وأدبنا العربي بحاجة شعرًا وقصة ورواية ومسرحًا إلى مثل هذا النوع من المسرحيات، لأن أدبنا العربي ما يزال يغامر محاولًا تحقيق الحداثة، وهو بحاجة مثل هذا النوع من الحداثة، بل بالأحرى إن أدبنا بحاجة إلى أن يعالج مشكلات وقضايا فلسفية كالقضية التي تعالجها المسرحية.
والمسرحية نفسها معقدة، بل صعبة على القراءة، وصعبة على الفهم، وهي صعبة على العرض، ولا سيما في مجتمعنا العربي الذي لم يعرف مثل هذا النوع من المسرحيات، ولا يمكن القول إنها تنتمي إلى مسرح العبث، ولا إلى مسرح اللامعقول، فما تعالجه ليس عبثًا، وما تبحث عنه ليس مما هو غير معقول، بل إنها تعالج موضوعا جادًّا، ولها غاية، وليس مجرد العبث، وإن قاربت مسرح العبث في بعض المشاهد، ولا سيما في الحوار وأسلوب المعالجة، ولكنها تظل بعيدة عن مسرح العبث، فهي تثير موضوعًا مهمًّا، على نحو ما سيتضح، وحوادثها وشخصياتها لا تنتمي إلى العبث ولا إلى اللامعقول، كما أنها ليست من المسرح الرمزي، فشخصياتها ليست رموزًا لأفكار، بل هي شخصيات لها مشاعرها وعواطفها وانفعالاتها، ولكنها تحمل أفكارًا وتعبر عن فلسفات، المسرحية ببساطة شديدة.
وبتلخيص واضح ومحدَّد وسهل، تعالج المسرحية ثنائيات كثيرة: العقل والشعور، الجسد والروح، الموروث والمكتسب، اللطف
والقسوة، الأنانية والإيثار، الإيمان والإلحاد، المصادفة والتدبير الإلهي، العقل البشري والذكاء الاصطناعي، البيولوجيا والسيكولوجيا، وثمة سؤال تثيره هل يستطيع العقل الاصطناعي أن يفكر كالعقل البشري؟ وإذا كان يستطيع التفكير فهل يملك الوعي؟ هل يستطيع أن يتنبأ بالسلوك البشري؟ وأن يعرف المضاربات المالية في الأسواق التجارية وأن يتنبأ بالربح والخسارة؟ وما هي حقيقة الوعي البشري؟ هل هو مجرد تفاعلات كيماوية في الدماغ أم أنه أبعد من ذلك؟
هذه هي الأفكار أو الموضوعات التي تعالجها المسرحية، ولكنها لا تعالجها بالأسلوب الدرامي المعروف، فليس ثمة عقدة، ولا حبكة، بل ليس ثمة دراما، ولا توتر ولا تصاعد، ولكن مع ذلك، ثمة ترابط بين مشاهد المسرحية، ويظل فيها ما هو مشوق، ويدقع إلى قراءتها، وهي في أحد عشر مشهدًا، وهي مشاهد قصيرة، وسريعة، وكل مشهد من مشاهد المسرحية يكاد يكون مستقلًّا بذاته، ويشكل وحدة، ولكن مع ذلك فهو يقود إلى المشهد التالي، ولا يمكن أن تسقط أي مشهد، وعلى الرغم من ذلك كله، تجد في الفصل العاشر وهو الفصل قبل الأخير نقطة التنوير، بل تجد ما سماه أفلاطون التعرُّف والكشف، وهو تعرف مدهش، مفاجئ.
*
شخصيات متعددة، تتضمنها المسرحية، وبما بينها من علاقات مختلفة، ومتنوعة، ومتناقضة، أبرزها شخصيتان، شخصية هيلاري وشخصية سبايك، هيلاري مؤمنة طيبة تصلي، تؤمن بالنفس البشرية، وتعتقد أن الإيثار هو الأصل، وسبايك خلافها، ينكر الطيبة، ويرى الأنانية هي الأصل، ويؤمن بالموروث البيولوجي.
ومنذ البدء يعرّف ستوبارد بهاتين الشخصيتين، ويطرح الفكرة، ففي مشهد افتتاحي قصير وسريع، لا يزيد عن ثماني صفحات، هو المشهد الأول في المسرحية، يطرح المؤلف المشكلة المعقدة، ولكنه لا يطرحها مباشرة، بل يقدمها من خلال الشخصيتين الرئيسيتين: هيلاري وسبايك، حيث تظهر الشخصية الأولى: هيلاري، وهي في الثانية والعشرين، تسعى إلى نيل شهادة الدكتوراه من معهد مرموق مختص بعلم النفس هو معهد كرول، والشخصية الثانية هي شخصية أستاذها سبايك، وهو في الثلاثين من عمره، هيلاري تؤمن بالإيثار، وترى الفضيلة في الإنسان هي الأصل، ولا سيما في سن الطفولة، وترى أن الإنسان عندما يكبر يصبح عنيفًا وأنانيًّا، وهي تعدُّ بحثًا بهذا الموضوع، وأستاذها يرى الإنسان أنانيًّا بالطبع، ويحبّ العنف، ولكن بالثقافة يتحول إلى اللطف والتهذيب، ويتأكد هذا المفهومان عند كل منهما من خلال موقفهما في الحياة، فقد سرق بوب حبيب هيلاري مجوهرات، ولكنها تعترف بأنها هي السارقة، وأنها كسرت زجاج المحل، وخبأت المجوهرات تحت الأرض، كي تمنح حبيبها الحياة الحرة، ويعترف سبايك بأنه لم يوصل هيلاري إلى شقتها كي يحظى عندها بفنجان قهوة، وإنما لينال من جسدها، مؤِّكدًا أنانيته، وهو يرى مرجعية الأخلاق إلى الحس والبيولوجيا والتطور، في حين ترى الأخلاق ثابتة، وهي الأصل، وهكذا منذ البدء يظهر الصراع بين فكرتين متحقّقًا في شخصيتين هما: سبايك المادي، وهيلاري الروحية، ومن الطريف أن بينهما علاقة جسدية بحت، وأنه أستاذها، وهي تلميذته، وهما مختلفان، وهذه العلاقة التناقصية، فكرًا وجسدًا، تؤكد المشكلة المعقدة.
وما أشبه توم ستوبارد في هذا الافتتاح لمسرحيته بوليم شكسبير الذي يفتتح معظم مسرحياته بمشهد يطرح فيه منذ البدء مشكلة المسرحية، فيثير شوق المتلقي لمعرفة التفاصيل، وهي مغامرة لا يقدر عليها إلا كاتب بارع، كما في مسرحية أنطونيو وكليوبترا وهاملت وماكبث، ففي مشهد افتتاحي يعلن أنطونيو أن الأرض تطعم البشر، وأن الممالك زائلة، ولا قيمة لها، وينادي أن تسقط روما في نهر التيبر، ويعلن أن الأجمل أن يفعل هذا، وما إن يتم جملته حتى يقبل كليوبترا في فمها، والمشهد الافتتاحي في هاملت هو مشهد شبح والده الذي يظهر له عند منتصف الليل على سور القصر، ويخبره أن ميتته لم تكن طبيعية، وأن عليه أن يثأر لاغتيال والده، أما المشهد الافتتاحي في ماكبث فهو من أكثر المشاهد روعة، وهو ظهور العرافات الساحرات، وهن يلقين على ماكبث نبوءة غريبة، ما تلبث أن تتحقق، وليس غريبًا على توم ستوبارد هذا التأثر بوليم شكسبير، وهو الذي كتب سيناريو فيلم «شكسبير عاشقا»، كما كتب مسرحية: «روزنكراتس وغولدنستيرن ماتا» وقد استوحاها من مسرحية هاملت.
وفي المشهد الثاني تزداد شخصية كل من هيلاري وسبايك وضوحًا، إذ يلتقيان مصادفة في فندق بالبندقية، وينزلان في غرفة واحدة، ويدور بينهما حوار حادّ جدًّا، إذ تظهر هيلاري راكعة بجوار الفراش الذي مارست فيه الجنس مع سبايك، وهي تصلي وتدعو الله أن يغفر لها خطيئتها، وأن يوفر لابنتها تربية جيدة، ويدخل سبايك خارجًا من الحمام، ويسخر من صلاتها، ويتساءل إن كانت تصلي من أجل قبولها في معهد كرول، ولكنها تؤكد أنها تجد راحة في الصلاة، وتطلب منه أن يشرح مفهوم الوعي، فيقرب إصبعها من لهب الشمعة، مؤكدًا أن الجسد هو الأساس، ولكنها تنكر ذلك، فالألم الذي تحس به لا يمكن التعبير عنه بألم الجسد، فالنفس هي التي تعي الألم، وتشير إلى حب الأم لطفلها، وتؤكد أنه فضيلة، لأنه أقصى درجات المنح والإيثار، ويؤكد أن هذا الحب هو من أجل المنفعة، وهو استمرار الجينات الوراثية طوال عشرات آلاف من السنين، وتؤكد له أن الأخلاق ليست علمًا، ولذلك يجب أن يكون هناك شيء آخر غير العلم ، ولكن يجيبها بأن عليها أن تقبل أنها لا شيء سوى حيوان، وعليها تقبُّل ذلك ، ويحضر لها سطلًا كي تتقيأ فيه أفكارها، ساخرًا منها، ولكنها تحمل السطل وتضعه في رأسها، وتتظاهر بالبكاء داخل السطل، ثم ما تلبث أن ترفع السطل عن رأسها وتضحك ساخرة.
والغريب في الأمر، ومن باب التناقض، تلك العلاقة الجسدية بين هيلاري وأستاذها سبايك، وهي مجرد علاقة مادية بحت، وهما المختلفان فكرًا وروحًا اختلافًا كليًّا، وذات مرة تصرح قائلة: «لم نتَّفِق على شيء أبدًا» ، ومن الغريب أنهما يلتقيان في الجسد، ويختلفان في النفس والروح، فهل يعني هذا أن الجسد والروح يمكن أن يلتقيا؟ وهل يعني أن هذين الفكرين المختلفين تجمعهما أرضية واحدة، وأن بينهما علاقة ما، مثلما أن بين سبايك وهيلاري علاقة جسدية؟
وما أشبه هيلاري في هذا الفصل بهاملت في سخريته من الوزير بولونيوس وضحكه وتظاهره بالجنون، بل ما أشبه هيلاري بأوفيليا في مواجهتها الملك والملكة بالسخرية والهزء منهما بعد مقتل والدها، وتقديمها زهورًا برية إلى الملكة تدل على شخصيتها.
*
حتى المكان في المسرحية يبدو تعبيرًا فنيًّا عن المشكلة المعقدة، أو عن ثنائية الجسد والروح، فالسرير الذي يجع هيلاري وسبايك، وهو مكان لمحض المتعة الجسدية، هو السرير نفسه الذي تجثو أمامه هيلاري لتصلي، طالبة من ربّها المغفرة، وراجية أن تحظى ابتنها بتربية جيدة.
ويبدو مركز كرول Krohl للبحوث الذي تسعى هيلاري للقبول فيه مكانًا آخر للتناقضات، وهو نفسه مكان للمشكلة المعقدة، فالمسرحية تصفه بأنه «معهد لعلم الدماغ، هو مجمع مخابر، صرفت عليه أموال كثيرة حتى ظهر بهذا الشكل» ص 53، وكان جزءًا من جامعة كامبريدج، في إنكلترة، ولكنه انفصل عنها، ومع ذلك ففيه صالة رياضية، وكرسي البيليتس للمعالجة الفيزيائية، ومع أنه لا يقبل المرشحين إلا إذا قدموا بحوثًا بيولوجية، فإن ليو رينهارت مدير المعهد، يقبل بحث هيلاري المتعلق بعلم النفس، وهو البحث الذي تؤكد فيه أن اللطف والإيثار هما الأصل في الإنسان، وتنطلق من الإيمان بالله، حتى إن سبايك يتهمها بأنها ضاجعت ليو من أجل قبول بحثها، ويتحكم المال في المعهد، ويدير أموره جيري الذي لا يهمه سوى المضاربات التجارية وربح المليارات، ولا يقل عنه في طغيان الحس المادي ليو رينهارت.
ويبدو معهد كرول الذي أسسه الممول الغني جيري كرول، مستوحى على سبيل السخرية والتناقض، من مركز روكفلر للأبحاث الطبية Rockefeller Institute for Medical Research ، وقد أسسه رجل الأعمال جون دي روكفلر الأب عام 1901 بالتعاون مع مستشاره فريدريك دي غيتس Frederick T. Gates، وهدفه معرفة أسباب الأمراض وطرق علاجها، لتحسين الصحة العامة، وفي عام 1965 تحوَّل إلى جامعة روكفلر، وبدأ يمنح الدرجات العلمية في الماجستير والدكتوراه، ومن أهم إنجازاته عام 1944 اكتشاف العالم أوزوالد أفري Oswald Avery وزملاؤه أن الحمض النووي هو الحامل للمورثات وليس البروتين، وعمل المعهد على تأسيس علم الفيروسات، وفي المعهد تم تطوير لقاح الالتهاب السحائي، ولقاح الحمى الصفراء، واكتشاف العلاقة بين الكوليسترول وتصلب الشرايين، ونال أكثر من 26 عالمًا من علماء المعهد جائزة نوبل في الطب والكيمياء.
*
وفي وسط هذه التناقضات، يظهر كل من جيري كرول وليو رينهارت وهما من رجال الأعمال الأغنياء، ولا يفقهان سوى ما يتعلق بالمال والإدارة والتحكم في الأشخاص، ليو رينهارت يوظف أمل، المختص بالرياضيات وهندسة الحواسيب، ولكن ليو نفسه لا يثق بالحواسيب، ويرى أن للسوق قانونه الخاص، ويسخر من أمل، ومن ثيابه ومن ساعة يده، ويمَنُّ عليه بأن عمله عنده هو الذي جعل المال ينصب عليه، ويصفه بأنه «كتلة من دماغ ميت» ص 79 وما هو إلا مجرد شخص تافه، ثم يطلب منه التوقيع على عقد يتضمن قبوله العمل في المؤسسة مدة سنتين من غير مطالبة بزيادة الأجر، ولا يحق له التعامل مع أي جهة أخرى، وألّا يتكلم عن السوق إلا مع المسؤول عنه مباشرة، فيضطر أمل إلى التوقيع، وهو متذمر، وكأن ليو قد اشترى روحه، حين قبل بحثه، على الرغم من أن بحثه علمي، ثم يأمره بالانصراف ثم يأمره بالخروج من باب الخدمة، لا من الباب الرئيسي.
ولا يقل جيري عن ليو رينهارت قسوة، ففي المشهد الرابع تظهر كاثي وعمرها أحد عشر عامًا، وهي تتناول قطع الحلوى، ويدخل عليها جيري والدها بالتبني، وهو يحمل هاتفين أحدهما خاص والآخر للعمل، دلالة على كثرة أعماله، ويدور بينهما حوار طويل حول المصادفة، لا يخلو من مماحكة وتناقض، ولا يخلو من تفصيلات مملة، وأشبه ما يكون بالحوار العبثي، ثم يخبرها أن السيارة بانتظارها، وتطلب أن تقعد بجوار ابنه آرثر، ولكن يأمرها بالجلوس في المقعد الخلفي مع ماريا سيسل، وتسأل أمها عبر الهاتف إن كان يمكنها أن تقعد في المقعد الأمامي بجوار أرثر، فتوبخها أمها، ثم تسألها على الهاتف هل يعني تبنيها أنها يتيمة، وفي هذه الأثناء كان جيري ما يزال مشغولا بالرد في هاتفه الجوال على اتصالات تجارية تتعلق بالمال، ثم تودعه وتخرج.
إن جيري لا يلقي بالا إلى ابنته، وهو يجادلها الجدل العقيم، غير متأكد من دقة ما يقول، وكثيرًا ما كان حِواره معها يتداخل مع رده بالهاتف على شركاء العمل، والبيع والشراء والمضاربات التجارية، والأشد قسوة عدم وافقته على الجلوس إلى جوار ابنه آرثر، ويفرض عليها الجلوس في المقعد الخلفي من السيارة، ولا تقل زوجته عنه قسوة، إذ تتصل بها كاثي عبر الهاتف، تطلب منه السماح لها بالقعود إلى جوار آثر، فترفض، بل توبخها، حتى تضطر كاثي إلى السؤال إن كان التبني يعني أنها يتيمة.
والحوار بين جيري وابنته حول المصادفة ومعناها حوار متقطع ومعقد ومتشابك، ولا يخلو من تكرار وتناقض وعبثية، وهو أشبه بالحوار بين استراجون وفلاديمير في مسرحية في انتظار غودو لمؤلفها صموئيل بيكيت، وهو حوار طويل ومكرور ولا يدور حول شيء محدد.
*
وفي معهد كرول يتم قبول هيلاري، وتجري استبانا، تساعدها عليه بو، وهي مختصة بالرياضيات، لمعرفة مدى اللطف عند الأطفال، وذلك بعرض تجربة صعق زائف بالكهرباء تجري أمامهم، ويكون رفع درجة التوتر تدريجيًا، والمراد معرفة ردة فعل الأطفال، والتجربة تجري على ممثلة اسمها إيلين، ويختلف مع ليو رينهارت مع هيلاري، فهو ينكر أي بُعد نفسي، فاستجابة الدماغ عنده هي استجابة عضوية، ولكن هيلاري تؤكد البعد النفسي، ولكن ليو يؤكد لها إمكانية التنبؤ بالسلوك الإنساني، مع إمكانية وجود خطأ بنسبة خمسين بالمئة، وتقول له إن نسبة الخطأ هي البعد الإنساني، وإن دراسة العقل ليست علما، لأن دراسته تتعامل مع المسؤولية والواجب والإرادة الحرة واللغة، وهي أمور لا يمكن التنبؤ بها ، ولا يمكن أن يقوم الحاسوب بدراسة هذه الأمور، أو حوسبتها.
وتقيم هيلاري حفل عشاء في منزلها، بمناسبة نجاح تجربتها، يحضره معظم شخصيات المسرحية، وتدعوهم إلى شرب نخب نجاحها ونجاح بو في قبول ورقة بحثها، ويسأل سبايك ساخرًا إن كان ليو رينهارت قد اطلع على ورقة البحث، مشكِّكًا في اطلاعه عليها، بل يصف عملها بأنه عمل فني، وكان سبايك من قبل قد نصح لهيلاري ألَّا تنشر البحث وألا تكتب اسمها عليه، لأنها في ورقة بحثها تعبِّر عن إيمان بالله، ويرفض تناول أي شيء من الطعام، وتغضب هيلاري، وتسحب الصحون من فوق المائدة، ويبادر سبايك إلى السخرية من الجميع، ويبدو قد شرب كثيرًا، وتضطر أرسولا إلى صفعه، وترجع هيلاري لتؤكد أنها لا تبالي بكل ما يقوله سبايك، وتفاجأ هيلاري ببو وهي تعترف لها بأنها أخرجت من الاستفتاء بعض الأطفال الكبار، أصحاب النزوع الأناني، لتضمن نتيجة تؤكد أن اللطف والإيثار موجود عند الصغار، وبذلك تكون قد زوَّرت النتائج، لتكون مُرْضِية لهيلاري، وخلاصتها أن الأطفال الصغار لطفاء وغير أنانيين، بخلاف الأكبر، وتوبخها هيلاري، فتبكي، وتتمنى لو أنها لم تنشر ورقة البحث.
في المشهد العاشر يدخل ليو على هيلاري في مكتبها، ليلومها على إخراج الأطفال الكبار من الاستفتاء، ويؤكد عدم رضاه عن عمل بو، ويهدد بأنه سيعطيها إجازة مدفوعة الأجر، وتدافع هيلاري عن نفسها وعن بو، وتؤكد مسؤوليتها عن ورقة البحث، ويصرح ليو بأن جيري كان محبطًا، فقد كانت ابنته كاثي في الاستفتاء، وسجلت مجموعتها انخفاضًا في درجة اللطف، وابنته هي الألطف في الأسرة، وترد هيلاري سائلة إن كان سيصادق على النتيجة إذا سجلت مجموعة ابنته نسبة أعلى في العنف والأنانية لكي يطمئن إلى انتقال جيناته إلى ابنته؟ ويرد ليو بأن كاثي ليست ابنته، وإنما تبنَّاها، واستُبْعِدَت للطفها العالي.
يمثل المشهد العاشر ذروة الصراع بين ليو وهيلاري ويبدو هيلاري هو المسيطر، إذ يكشف عن تزييف بو تجربة الاستبانة باستعبادها الأطفال الكبار، لتضمن نتيجة لصالح هيلاري، وهي القول بأن الأصغر عمرا هم الأكثر لطفًا، في حين يقل لطفهم عندما يكبرون، ويدل المشهد على أن كاثي ورثت من أمها الجينات، فكانت لطيفة مثلها، ولم تتأثر بتربية أبيها جيري الغارق في المضاربات المالية، والمعتقد بالمادة.
وهكذا تشعر هيلاري بالخيبة، فقد أخفقت في تجربتها، وخسرت الرهان، وكان عملها في معهد كرول عملًا خائبًا، لقد كانت هيلاري في الحقيقة محاصرة في معهد كرول بمجموعة من الماديين القساة القلوب المتعلقين بالمال والجنس ولا سيما سبايك وليو رينهارت وجيري كرول، والذين لا يؤمنون بغير الأرقام والمال والمنفعة، وهي التي تقدمت ببحثها في علم النفس للقبول فيه، تريد اختبار قناعتها المتمثلة في القول بأن اللطف هو الأصل، وأن الله موجود، وليس ثمة مصادفة.
والجميل في المسرحية أنها جعلت المرأة هي الباحثة عن هذا البعد النفسي الروحي الشعوري في الإنسان، وهو أنسب ما يكون للمرأة، في حين جعلت الرجال لاهثين وراء المال والجنس والمضاربات التجارية والساعين وراء تسخير طاقات البشر وإمكانيات العلم لخدمة أغراضهم، وهذا ما يغلب على أكثر الرجال، وفي الحقيقة كانت هيلاري أكثر موضوعية وأكثر تعقُّلًا من الرجال في المسرحية، على الرغم من عملهم في معهد علمي، فقد غلبت عليهم الشهوات الجنسية، والأطماع المالية، وحب السيطرة والتعالي، على الرجال والنساء على حد سواء، وبدت هيلاري المرأة أكثر حكمة منهم.
ومن الجميل أيضًا في هيلاري تمردها، وعدم خضوعها للرجال في المعهد، فقد فضّلت مغادرته، والانتقال إلى نيويورك لمتابعة بحوثها في النفس، غير يائسة ولا مستسلمة، ومن الجميل أيضًا عدم استسلامها لعاطفة الأمومة، فلم تقبل الذهاب مع جيري لمنزله، ولم تتعلق بأذيال ابنتها كاترين بعد عرفت أنها هي كاثي نفسها، واكتفت بأخذ صورتها، لتحملها معها إلى نيويورك، وبذلك تبدو المرأة أكثر قوة من رجال معهد كرول أنفسهم، وأكثر موضوعية، فقد صممت على متابعة البحث، ولم تنهزم.
*
وثمة شخصيتان أخريان في المسرحية، غريبتان ومثيرتان للدهشة، وتبدوان في الظاهر متناقضتين، وهما: كاثي الحاضرة، وكاترين الغائبة، كاثي هي ابنة جيري بالتبني، وقد شاركت في الاستبان، وعندما علمت هيلاري بمشاركتها فرحت، لأنها أثبتت أنها لطيفة في الأصل، وأن تربية والدها القاسي لم تؤثر فيها، فاللطف في الأطفال هو الأصل، وقد رأينا تحاورها مع والدها حول المصادفة.
ولكن من هي كاترين؟ ولماذا هي غائبة؟ وهل هي حقيقة غائبة؟ كانت هيلاري، وهي في الخامسة عشرة من عمرها، قد أقامت علاقة مع شاب غبي، ما لبث أن تركها، ولكنها أنجبت منه طفلة أسمتها كاترين، ولما كان والد هيلاري فقيرًا، وهي لا تستطيع تربيتها، تخلت عنها للتبني، وكان ذلك قبل أحد عشر عامًا، وهي لا تعرف عنها شيئًا، ولذلك تدعو الله أن يهيئ لها تربية جيدة، وكانت كاثي قد مرت أمام هيلاري وسألتها عن حقيقة الصعق الكهربائي، فطمأنتها إلى أنه مجرد تمثيل، وتقوم به ممثلة محترفة.
فهل كاثي ابنة جيري بالتبني هي نفسها كاترين بنت هيلاري؟ في المشهد الحادي عشر يدخل جيري على هيلاري ليسألها رأيها في سبب لطف كاثي: «ما رأيك هل الطبيعة أم التنشئة مسؤولة عن كاثي؟» ، ويبدو عليه القسوة والشدة من خلال ردوده على هواتف تصله يبتُّ فيها بأمر قاطع حول الديون والبيع والشراء، وهو قلق من قصة تبني كاثي، ويشعر بالتردد إن كان عليه أن يخبرها أنها متبناة، ويؤكد أنه سيخبرها بكل شيء، وسيكون لها القرار بعد ذلك، وتؤكد له هيلاري أنها لم تفكر أبدًا في أن تكون ابنتها ذات يوم ثرية، ويسألها إن كان عندها شيء من المال، فتؤكد أن حياتها كانت في السنوات الأخيرة جيدة، وكأنها في الربيع، وترى ذلك معجزة، فيسخر منها ويؤكد، أنه لا يؤمن بالمعجزات ولا بالمصادفات، ويعرض عليها أن تسافر معه، فزوجته مايكا ترحب بها، ولكنها تعتذر، وتدخل كاثي لتخبر جيري أنها ملت من الانتظار في الخارج، ويخرج جيري مع كاثي لكنه يرجع وحده ليناول هيلاري البطاقة الأمنية لكاثي وعليها صورتها، وهو مشغول بالرد على اتصال ديفيد معه بهاتفه الجوال وهو يخبره بأنه ربح التريليون، وأن هذا لا يحدث إلا كل أربع ملايين سنة مرة فهو معجزة وإن كان لا يؤمن بالمعجزات ولا يراه إلا خطأ في الحاسوب الذي عند ديفيد، ويخرج.
هيلاري تنظر إلى صورة كاثي والسرور يغمرها، فقد اطمأنت إلى أن جيري الذي يتبناها يمتلك الأموال، وأنه سيضمن مستقبلها، وتفرغ الصندوق الذي فيه الاستبانات، ثم تضع أشياءها الخاصة في حقيبة كتفها وتخرج، وقد قررت السفر إلى نيويورك للالتحاق بجامعتها لدراسة الفلسفة ثلاث سنوات على يد شخص لا يمكن إثبات أفكاره بأي دليل.
وهكذا تتعرف هيلاري مصادفة على ابنتها كاترين، بعد أحد عشر عامًا من بُعدها عنها، فيتّحد الخيال والواقع، وتطمئن إلى أنها تلقى عناية جيدة عند الملياردير جيري، ولكنها لا تعرِّفها على نفسها، وعلى الرغم من أن جيري يدعوها جيري إلى زيارته، ويؤكد لها أن زوجته ترحب بها، ولكنها تعتذر، لأنها قررت الرحيل إلى نيويورك لمتابعة بحوثها في علم النفس، وهي تؤمن أن هذا اللقاء بابنتها لم يكن مصادفة، إنما هو معجزة إلهية.
في الحقيقة لم تجد هيلاري في معهد كرول ما يؤيد قناعتها، لذلك في النهاية جمعت أشياءها وغادرت معهد كرول إلى جامعة نيويورك، لتدرس ثلاث سنوات على يد أستاذ لا يمكن البرهنة على مقولاته، هو من غير شك مؤمن بما تؤمن به، ولعل المسرحية توحي بالخيبة من إمكانية توصل العلوم المادية والحاسوب إلى معرفة الإنسان، ولذلك يظل الأمل معلَّقًا على علم النفس والأخلاق والقيم، والمسرحية لا تسمي ذلك العالم، وإنما تترك التسمية مفتوحة على المستقبل، لتدل على التفاؤل بإمكانية اكتشاف ما هو جديد.
وتبدو المسرحية في الحقيقة تعبيرًا غير مباشر عن وعي كثير من الباحثين والمفكرين أن العلوم البحتة لا يمكن أن تكون وحدها السبيل إلى معرفة الإنسان، ولا بد من الاعتماد على العلوم الإنسانية، وقد حذر كثير منهم من انهيار القيم والأخلاق بسبب الاعتماد على الجانب المادي فحسب في الإنسان، وهذا ما عبر عنه ألكسيس كارليل في كتابه «الإنسان ذلك المجهول»، حيث يقول: «إن الإنسان يعلو على كل شيء في الدنيا، فإذا انحط وتدهور فإن جمال الحضارة، بل حتى عظمة الدنيا المادية لن تلبث أن تزول وتتلاشى» ، ثم يؤكد ضرورة الاهتمام بالجانب النفسي والروحي في الإنسان فيقول : «من الواجب أن يحول اهتمام البشرية من الآلات وعالم الجماد إلى جسم الإنسان وروحه إلى العمليات العقلية والعضوية التي ابتدعت الآلات ودنيا نيوتن وآينشتاين».
*
وما أشبه هيلاري بهاملت، فهاملت وقع عليه عبء الثأر لأبيه، وهو الشاب المثقف، كما وقع على هيلاري عبء إثبات مقولتها وهي أن اللطف والحب والإيثار هي الأصل في الإنسان، وكما كان هاملت محاصرًا في قصر أبيه بالخيانة والتآمر والغدر والتعلق بالمال والجنس والمناصب، كذلك كانت هيلاري محاصرة في معهد كرول بمُمَوِّلين أغنياء يسعون وراء المال بأساليب تدَّعي العلم والبحث في الدماغ والذكاء الاصطناعي والوعي، وكان هاملت مُحِبًّا لأوفيليا، وكانت طفلة بريئة عاطفية مرحة، ممزقة بين حبها لهاملت، ووفائها لأبيها بولونيوس، الذي يحاول منعها من حب هاملت، فهي حاضرة كالغائبة، ولم تكن سوى طيف من البراءة والنقاء والعفوية، كذلك كانت هيلاري محبة لابنتها كاترين الغائبة والحاضرة في وعيها ووجدانها، وعندما رأتـها في المشهد الأخير، لم تعبِّر عن حبها لها، ولم تعرِّفها على نفسها، لأنها ليست متعلقة بحضورها المادي، وحسبُها حضورُها الروحي في وجدانها، وإن كان هذا يتنافى مع حقائق الواقع، ولن يتقبَّله القارئ العادي، ولكنه يتفق مع موقف هيلاري واعتناقها قيم النفس والروح والإيمان، كذلك كان الشبح أو خيال الملك المغدور بالنسبة إلى ابنه هاملت طيفًا عليه أن يثأر له من عمه القاتل، وأن ينال رضاه ولو على حساب أمه التي تزوجت من عمه الطاغي المستبد.
وقد تبدو قصة كاترين وكاتي قصة ثانوية، ولكنها في الحقيقة قصة أساسية، ولا يمكن الاستغناء عنها، فهي التي رسمت شخصية هيلاري، وبسبب علاقتها مع شاب غبي كما تصفه وهي الخامسة عشرة حملت بكاترين وكانت ظروفها لا تساعدها على تربيتها وكان جدُّها فقيرًا، لذلك تخلت عنها، وتركتها للتبني، وهذا ما أثار في داخلها الشعور العاطفي والحب لبنت غابت عنها، وهذا أيضًا ما عزز إيمانها بالله، فكأن الخطيئة الأولى كانت الباعث على التوسل إلى الله، والصلاة له، طلبًا للمغفرة، ورجاء أن تحظى ابنتها بتربية جيدة.
ولذلك كانت قصة كاترين الطفلة المتبناة ضرورية للمسرحية، ثم كانت ضرورية للاستفتاء الذي أجرته هيلاري، وذلك بعرض مشهد زائف للصعق بالكهرباء على مجموعات من الأطفال، متدرجين في الأعمار، واستبيان ردَّات فعلهم، لتثبت أن الأصغر أكثر لطفًا، وقد شاركت كاثي في هذا الاستبيان، وظهر أنها كانت في الدرجة العالية من اللطف والتعاطف، مما أثبت لها أن اللطف هو الأصل في الإنسان، وأنها ورثت هذا من جينات أمها، وأن تربية أبيها بالتبني لم تؤثر فيها، وهو الأب القاسي، والذي يطغى عليه حبه للمال، وقد ظهرت شدة قسوته حين رفض أن يسمح لكاثي بالركوب في السيارة جانب ابنه أرثر، وفرض عليها أن يكون مكانها في المقعد الخلفي.
ويبدو ستوبارد متأثرًا بوليم شكسبير مرة ثانية، وفي معظم مسرحيات شكسبير تظهر قصة ثانوية تتضافر مع القصة الأساسية في المسرحية، ومن ذلك حب لورنزو الخادم عند شايلوك لجيسيكا بنت شايلوك، وهربها مع من تحب، وهي قصة ثانوية تتضافر مع قصة حب أنطونيو لبورشيا، وقصة الحب الثانوية زادت شخصية شايلوك وضوحًا وأكدت بخله، إذ حزن على الأموال التي أخذتها ابنته في فرارها منه مع حبيبها أكثر من حزنه على هربها وزواجها من لورنزو المختلف عنه دينيًّا.
*
وعنوان المسرحية «المشكلة المعقدة» عنوان واضح ومعبر ودال، بل هو ملخص لفكرة المسرحية، وقد ورد في المسرحة غير مرة ذكر المشكلة المعقدة، ويبدو العنوان مستوحى من مصطلح وضعه الفيلسوف ديفيد تشالمرز David Chalmers وهو: المشكلة المعقدة للوعي (The Hard Problem of Consciousnes والأمر لا يتعلق بالعنوان، فحسب، بل يتعلق بموضوع المسرحية نفسها، وهو موضوع الوعي، وكان تشالمرز نفسه قد وضع مصطلحًا آخر وهو المشكلات السهلة للوعي Easy Problems ، والمقصود بالمشكلات السهلة دراسة آليات العقل، من مثل: الإدراك، الفهم، الانتباه، التذكُّر، السلوك، وتقوم هذه الدراسة على الوصف الخارجي لآليات عمل الدماغ، أما المشكلة المعقدة فتقوم على دراسة وعي الدماغ، والشعور بالألم والفرح والحزن والعطف، فاليد تحس بالألم، ولكن كيف يعي الدماغ الألم، وفي المشهد الثاني يقرب سبايك إصبع هيلاري من الشمعة، فتقول له: الجسم يحس بالألم، ولكن كيف يعي الدماغ الألم؟ فالمشكلة المعقدة تتناول الوعي، كيف يعي الإنسان وجوده؟ وكيف يشعر بالقيم والأخلاق؟ كيف يكون حب الأم لطفلها؟
هذا هو الموضوع الذي بنيت عليه المسرحية، ففي حين يرى سبايك أن إرضاع الأم لطفلها هو لحفظ جيناتها وقد توارثته عبر آلاف السنين منذ أن كان الإنسان البدائي يعيش في غابات السافانا، في حين ترى هيلاري أن إرضاع الأم لطفلها هو نتيجة الحب والشعور بالإيثار والعطف، وليس مجرد حاجة بيولوجية عضوية، وإذا كان الوعي غير عضوي ولا يخضع للتفاعلات الكيميائية في الدماغ، فهل يعني هذا وجود بُعْد روحي؟ هل يعني هذا وجود بعد غيبي في حياة الإنسان؟ وفي النتيجة هل يدل على وجود الله؟
ولكن هذا كله مجرد تجريد للمسرحية، وتلخيص لها، وهو عرض لأفكارها، وهو محور المسرحية، ولكن المسرحية ليست بمثل هذه البساطة، ولا بمثل هذا التسطيح، بل هي أكثر عمقًا من ذلك، فهي غنية بالمواقف، المتداخلة والمتناقضة والمشتبكة، وغنية بالحوار المكتنز بالثقافة، والمصوغ بدقة، والمعبر عن خبرات وتجارب، لا عن أفكار.
المسألة المعقدة هي مسألة الوعي الإنساني، هل هو نتاج المعلومات المتراكمة في المخ عبر ملايين السنين؟ أم هل هو نتاج العواطف والانفعالات، هل السلوك البشري نتاج الأنانية أم الإيثار؟ وهذا ما تنادي به هيلاري، وترفض أن تكون العواطف والأخلاق نتاج تفاعلات كيماوية في الدماغ أو نتاج تطور بيولوجي تاريخي عبر ملايين السنين، وهو ما يقول به أستاذها سبايك، هل يستطيع الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي التنبؤ بسلوك الإنسان؟ أو معرفة تقلبات السوق، والتنبؤ بالمضاربات، والأرباح، والخسائر؟ وهذا ما يريده كل من جيري كرول المؤسس للمعهد والمُمَوِّل له، وليو رينهارت المدير له.
المسرحية ليست حوارية ذهنية، وليست من المسرح الذهني، والمسرحية أيضًا ليست مسرحية أفكار، أشخاصها حقيقيون، من لحم ودم، ومن عواطف ورغبات وانفعالات، ليسوا أوراقًا أو أرقاماً تحمل أفكارًا، بل هي شخصيات تملك ذواتها، ولها أحاسيسها وانفعالاتها، ولكل شخصية حضورها المميز.
*
تبدو المشكلة معقدة حقيقة، ولا حل لها، وهذه الثنائية الديكارتية العقلية لا بد من تحطيمها، والمسرحية حافلة بالمعاناة والعذاب، وفي النهاية نجد أن كاترين التي تخلت عنها هيلاري، هي نفسها كاثي التي تبناها جيري، وإذا هي ترث من أمها اللطف، ولم تكتسب من تربية أبيها وأخلاقه القسوة والعنف، فهل تريد المسرحية أن تقول في النهاية إن المعاناة توحد بين الثنائيات، هل تريد المسرحية أن تؤكد أن الثنائية مصطنعة، اصطنعها العقل، وأن في كل إنسان تتحد الثنائيات كلها وتتوحد، ولكن هل يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي سيصل إلى مرحلة يفكر فيها مثلما يفكر الإنسان.
المسرحية في الحقيقة لا تقدم قصة مشوقة، وليس فيها عقدة، أو تصاعد في الصراع، فهي مسرحية غير تقليدية، ومع ذلك فهي ليست من مسرح العبث أو اللامعقول، ولكنها مع ذلك تمتلك ما يشد المتلقي إليها، ولعل هذا ما يؤكده أهمية الفكرة التي تعالجها، وهي ثنائية الصراع بين الأضداد، وهي في الحقيقة القضية التي شغلت البشر منذ أن وعى الإنسان ذاته، وأحس بالفرق بينه وبين الطبيعة، ثم أدرك هذه الثنائيات في الكون كله، بين ليل ونهار، وصيف وشتاء، وخصب وقحط، ثم أحسها في ذاته، بين صحة ومرض، وشباب وشيخوخة، وحياة وموت، ثم ازداد وعيه بالإحساس بالفرق بين رغبات تتحقق وأخرى مستحيل تحقيقها، وإرادة حرة ومصادفات لا يد له فيها ولا خيار، ولعل أفلاطون أول من صاغ فلسفيًّا الإدراك بالفرق بين الثنائيات، عندما قال بعالم المُثُل وعالم الواقع، ورأى أن عالم الواقع تقليد لعالم المُثُل، أو ظِلٌّ له، وأن الجمال الحق هو جمال المثال، والجمال في الواقع ناقص، لأنه تقليد للجمال المثال، ولذلك رأى أفلاطون أن الفنان يحاكي الواقع، فهو بعيد عن المثال مرتين.
إن ما يعطي المسرحية قيمتها هو هذا البعد الفلسفي، والمسرحية لا تطرح موضوعها مباشرة، ولكنها تقدمه من خلال شخصيات، تحس وتنفعل، وتتخاصم، وتتحاور، وفي حوار غني، ومكثف، وليس فيه تبسيط، ولذلك قد تبدو المسرحية غير مألوفة لدى القارئ العربي.
وقد يبدو موضوع المسرحية نوعًا من الترف العقلي، ولكن الموضوع ليس ترفًا، بل هو في صميم مشكلة الإنسان، وهو محاولة لفهم حقيقة الإنسان، هل هو جسد، هل هو روح، هل الحياة مادة أم هل الحياة قيمة ومعنى؟ تلك هي مشكلة الإنسان دائمًا.، ومن قبل أثارت الحضارة العربية الإسلامية هذه المشكلة، فلطالما عالج الفلاسفة والمتصوفة والشعراء والأدباء قضايا: العَرَض والجوهر، الجسم والروح، الجبر والاختيار، العقل والنقل، الظاهر والباطن، اللفظ والمعنى، الشكل والمضمون، وكانت لهم مذاهب واتجاهات.
*
ومؤلف المسرحية توم ستوبارد كاتب مسرحي وكاتب سيناريو بارز ، عرضت مسرحياته في كثير من المسارح في بلاد العالم، ونال شهرة واسعة، وحظي بكثير من الجوائز، ولد في الثالث من شهر تموز يوليو عام 1937 لأسرة يهودية في مدينة زلين بتشيكوسلوفاكيا، التشيك حاليًّا، واسمه الأصلي توماس شتراوسلر Tomas Straussler ، وفي عام 1939 هربت أسرته في أثناء الحرب العالمية الثانية إلى سنغافورة، وكان والده طبيبًا، التحق بالجيش البريطاني متطوِّعًا، وعندما احتلت الجيوش اليابانية سنغافورة اعتقل، واقتيد إلى اليابان، وفيها توفي، وبعد وفاة والده تزوجت أمه من ضابط بريطاني، وانتقلت معه إلى الهند، ثم انتقلت الأسرة إلى إنكلترة عام 1946، حيث حصل توم ستوبارد على الجنسية البريطانية.
تلقى توم تعليمه في نوتنغهام شاير، ثم في يورك شاير، ثم ترك المدرسة وهو في السابعة عشرة من العمر، بدأ حياته صحفيًّا، ثم انتقل إلى الكتابة المسرحية، وبعد عدة تجارب مسرحية تألقت مسرحيته «روزنكراتس وغولدنستيرن ماتا» عام 1966، وهي مستوحاة من مسرحية هاملت لوليم شكسبير، وفازت بجائزة توني لأفضل عرض مسرحي عام 1968، وفي عام 1972 أصدر مسرحيته القافزون أو البهلوانيون Jumpers وتعرض للصراع بين الأخلاق والدين والفلسفة، وفي عام 1974 أصدر مسرحيته ترافستير Travesties وهي عمل فكاهي مرح، وفي عام 1993 أصدر مسرحيته أركاديا Arcadia وهي من أهم أعماله، وتصور الصراع بين العلم والفن، والعاطفة والعقل، وكتب ستوبارد عام 1998 سيناريو فيلم شكسبير عاشقا in Love Shakespeare ونال جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو، ونال وسام الفروسية البريطاني عام 1997 وحاز لقب سير تقديرًا لأعماله الأدبية، وفاز بجوائز توني وأوسكار وجوائز لورنس أولفييه، وفي عام 2013 حصل على جائزة الكاتب المسرحي هارولد بنتر.
تعد مسرحيته «روزنكرانتس وغولدنستيرن ماتا» من أكثر أعماله تأثُّرًا بصموئيل بيكيت في مسرحيته «في انتظار غودو»، وكان روزنكرانتس وغولدنستيرين من الشخصيات الثانوية في مسرحية هاملت، وكانا من أعز أصدقاء هاملت، وعندما أمر عمه بترحيله إلى إنكلترة، كلّفهما بمرافقته في رحلته البحرية، وزودهما برسالة إلى الملك تتضمن تكريمهما، وقطع رأس هاملت، ولكن هاملت بدل الرسالة برسالة أخرى تتضمن قتلهما، وتمكن هو من الفرار، والعودة إلى الدنمرك والثأر لوالده من عمه.
ومسرحية ستوبارد أبعد ما تكون عن مسرحية هاملت، وفيها يظهر الرجلان وهما يتجادلان حول مفهوم المصير، وهل يملك الإنسان حريته وإرادته، ويتبادلان معًا حوارًا عبثيًّا، مثل الحوار بين استراجون وفلاديمير حتى إنهما لا يكاد أحدهما يعرف الآخر، ولا يستطيع أن يميّز نفسه من زميله، ويتحدث أحدهما وكأنه الآخر في حالة من الضياع والعبث، وفي محاولة خائبة لفهم الحياة، ويبدو لهما كل شيء في الحياة مجرَّد تمثيل، وكل واقع يمكن أن يكون مسرحًا، وهي نفسها مقولة وليم شكسبير، ما الحياة إلا خشبة مسرح كبير، ونحن فيها مجرد ممثلين.
وفي مسرحيته الشيء الحقيقي The Real Thing وقد عرضت أول مرة في لندن عام 1982 وأعيد عرضها في بوردواي عام 1984 حازت جائزة توني لأفضل مسرحية، وجائزة توني لأفضل إعادة عرض عامي 2000 و2015، وتعالج موضوع الحب والصدق والخيانة في العلاقات الإنسانية، وتطرح السؤال التلاي: هل الحب شعور والتزام أم مجرد تمثيل نقنع به أنفسنا؟ وتتضمن تعبيرًا عن التناقض بين الفن والحياة، وبين الحقيقة والتمثيل، ويظهر واضحًا تأثُّر ستوبارد بصموئيل بيكيت وبوليم شيكسبير، كما يظهر غلبة الطابع الفكري على مسرحياته، والصراع بين العلم والشعور، والفن والواقع.
وقد توقف ستوبارد عن الكتابة تسع سنين كتب بعدها مسرحيته «المشكلة المعقدة» عام 2015، وله من العمر ثمانية وسبعون عامًا، ولعل في هذا ما يدل على اهتمام المؤلف طوال عمره بقضايا الفكر والفلسفة، وانشغاله بها، وما يدل على نضج تفكيره، وكأنه أودع في مسرحيته «المشكلة المعقدة» آخر ما وصل إليه تفكيره، ولذلك جعل العنوان واضحًا مباشرًا، كأنه يريد أن ينتهي من المشكلة، وأن يصب فيها خلاصة معاناته الفكرية، وقد جاءت المسرحية ناضجة فنيًّا بعد تجارب عدة في معالجة ما يقارب القضية نفسها في مسرحيات عدة.
وكان توم ستوبارد قد تزوج جوسي إنجل عام 1965، وأنجبت له ولدين، أوليفر 1966، وبرنابي 1969، ثم طلق زوجته، وتزوج الدكتورة مريم مور روبنسون، وأنجبت له ويليام عام 1972 وإدموند عام 1974، ما يزال توبارد على قيد الحياة، وقد بلغ الثامنة والثمانين من العمر، وهو يعيش في لندن.
*
وقد تصدى لترجمة المسرحية الأستاذ محمد إبراهيم العبدالله، وهو من مواليد مدينة الباب في شمال مدينة حلب عام 1962، نال الإجازة في اللغة الإنكليزية من جامعة حلب عام 1984، وحصل على الماجستير، من جامعة يريفان الحكومية في أرمينية عام 2005، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب، ترجم إلى العربية أكثر من خمسة عشر عملاً نذكر منها: رواية «الصدع»، من تأليف دوريس ليسنغ، ومنشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق، عام 2012، و«الرواية الإنكليزية في القرن العشرين»، من تأليف مارتن غرين، ومنشورات دار الفرقد، دمشق، 2014، ورواية «وحوش بلا وطن» للكاتب الأفروأمريكي أوزدينما أيويلا 2022، والورق ما قبل الطباعة وتأثيره في العالم الإسلامي لجوناثان بلوم منشورات وزارة الثقافة السعودية 2020 وغيرها من الكتب.
ولغة الترجمة عربية فصيحة، في جُمَلِها سلاسة، وفي عباراتها ليونة، وليس فيها شيء من التكلف، وتبدو قابلة للإلقاء على خشبة المسرح، إذ يغلب عليها الجمل القصيرة، وليس فيها شيء من التقطيع أو طول الجملة، وليس في لغة الترجمة شيء مما يمكن أن يرهق المتلقي قارئًا أو مشاهدًا.
*
إن قراءة المسرحية ممتعة عقليًّا، ولكنها حقيقة متعبة، ومملة، وصعبة، ولا بد من أن يجد القارئ تحدّيًا كبيرًا في القراءة، ولعل عرضها يكون أكثر إمتاعًا وأكثر بعثًا على التفكير فيما تعالج من قضايا النفس والفكر.
الهوامش:
– ستوبارد، المشكلة المعقدة، تر. محمد إبراهيم العبد الله، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2022، ص 50
– المصدر السابق، ص 51
– المصدر السابق، ص 133
– الذكاء الاصطناعي.
– ستوبارد، توم، المشكلة المعقدة، ص 86
– المصدر السابق، ص 143
– كارليل، ألكسيس، الإنسان ذلك المجهول، تر. شفيق أسعد فريد، مكتبة المعارف، بيروت، ط. ثالثة، 1980، ص 11 ، وقد نشر الكتاب أول مرة عام 1939، وعمل مؤلفه في معهد روكفلر حوالي ثلاثين عامًا وهو طبيب.
– المصدر السابق، ص 12
– الذكاء الاصطناعي.
– معظم المعلومات عن حياة ستوبارد مستمدُّ من مقدمة المترجم، ص 11 وما بعدها.



