طه حسين والبحث الحفريالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:36:17

أ.د. نادية هناوي

العراق - بغداد

لا عجب أن يختلف مؤرخو الآداب العربية المحدثون في توجهاتهم تبعًا لتباين طرائقهم في تدوين تاريخ الأدب وما يعتمدونه من نظريات واتجاهات تحدد لهم وجهات نظرهم إزاء ما نقله إلينا المؤرخون الأقدمون من وقائع وأخبار. وبما يجعل أعمالهم تنقسم إلى شكلين من أشكال دراسة التاريخ الأدبي:

الأول/إخباري فيه التاريخ هو الماضي الذي أرشف بدقة ووثق بصدق، ولذا نقل المؤرخون عن القدماء من دون تثبت أو تدقيق في مدى اختلاط الخبر المروي بالمخيلة، مرتكنين إلى تصديق كل ما جاء في تواريخهم من أقاصيص وأخبار وحكايات غير معنيين بالتدقيق في الأسباب الحقيقية التي تحكمت في حدوث الوقائع أو تفسيرها. ومثال هذا الشكل من الدراسة ما نجده في تواريخ جورجي زيدان والزيات والرافعي وغيرهم.

الثاني/نقدي تشكيكي يحتكم إلى إعمال العقل، استنادًا إلى الفلسفة الديكارتية ومنهج لانسون خاصة والمدرسة الفرنسية عامة لما لهذه المدرسة من أثر في امتلاك النظرية المعاصرة في فهم التاريخ. وليس المقصود بالمدرسة الفرنسية مدرسة الحوليات ومنهجها القديم في دراسة التاريخ؛ وإنما مدرسة جاك لوغوف التي بدأت في العام 1924 وفيها اعتمد لوغوف منهجًا جديدًا في الدراسة التاريخية سماه (التاريخ الجديد) الذي أثار صحوة علمية كبيرة في فرنسا، اعترض عليها أصحاب الحوليات.. ومع ذلك بلّور لوغوف أطر هذا التاريخ ورسّخ مسائله وحدد تفرعاته ثم أكمل تلامذته المشوار فكان لكل واحد منهم تاريخه المبتكر.

ولا خلاف أن يمثل طه حسين هذا الشكل من أشكال دراسة تاريخ الأدب ليكون من المتأثرين بكشوفات المدرسة الفرنسية متفاعلاً مع تلك الصحوة، وهو بلا شك ذو صلة وثقى بالفكر الفرنسي منذ دراسته في السوربون بدايات القرن الماضي، مؤكدا أن التماس العلم أنما يكون عند الإفرنج وما انتهوا إليه من نتائج حين درسوا تاريخ الشرق وآدابه ولغاته المختلفة إلى أن "يتاح لنا نحن أن ننهض على أقدامنا ونطير بأجنحتنا ونسترد ما غلبنا عليه هؤلاء الناس من علومنا وآدابنا وتاريخنا"(1)

والغريب في هذا الصدد أنَّ بعض الباحثين اللاحقين في دراسة التاريخ الادبي كانوا مع معرفتهم بما كان أصحاب مدرسة التاريخ الجديد يعتمدونه في أبحاثهم التاريخية، نجدهم يحجمون في كتاباتهم عن تحديد من هم هؤلاء الناس؟ وماذا كانوا يقصدون؟ وما حقيقة العمل بروح جماعية أو فردية؟

بيد أن طه حسين فطن لأهمية التاريخ في كتابه "في الأدب الجاهلي" الذي صدر مطلع القرن العشرين وفيه دلل على أن مناهج البحث وطرائق التحقيق في دراسة الأدب وتاريخه متخلفة وقديمة قياسًا بمستوى المناهج التي كان الغربيون يعتمدونها في دراسة تاريخ الآداب وتحقيقها.

ولم يكن توجه طه حسين إلى مراجعة تاريخنا الأدبي والتشكيك فيه بحثًا عن المنتحل والموضوع مجرد خاطرة طارئة ولا فكرة عابرة؛ بل هو علم قائم بذاته ومنهجية لها أسسها التي - وإن كان بعض تلك الأسس ماثلة في حقب سابقة -  وطدّها هذا العبقري الفاتح الجريء الذي استطاع أن يبلورها ويصوغها ليطلقها من عقالها ثورة تفتح الأبواب مشرعة للتنقيح والتشذيب وإعادة النظر والإنتاج، سعيًا وراء الحقيقة وكشفا عن مكامن خامدة في إرثنا الأدبي والتاريخي وإعمالاً لشرط الوعي العلمي والنظر العقلاني فيما حققه المحدثون من هذا التراث أيضًا وبحثًا عن الصحيح في كتب تاريخ الأدب العربي وتخليصا لهذا التاريخ من أدرانه وخزعبلات ما نقله مؤرخو الأدب الأقدمون عن كبار شعراء العربية وناثريها.

وتقوم منهجية طه حسين في غربلة تاريخ الأدب العربي وتنقيحه على أساس حفري فيه تاريخ الأدب ليس بعلم حديث فنطمئن إلى صحته ولا هو بالفن فنستبعد صدقيته؛ وإنما هو "وسط بين العلم الخالص والأدب الخالص: فيه موضوعية العلم وذاتية الأدب"( ) ومن المنطقي أن يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والجماعات. أما الباحث في تاريخ الأدب فإنه حر في مساءلة النصوص أو الأخبار أو الوقائع والأحداث تشكيكًا في صحة نسبتها إلى أصحابها وعصورهم وصولًا إلى صحتها أو نفيها.

ولم يسم طه حسين توجهه الحفري في دراسة تاريخ الأدب بالنظرية أو الأطروحة ربما لأن القاعدة الفكرية متحققة في ضوء الفلسفة العقلية الديكارتية. لذا سمى توجهه بـ(المنهج الفلسفي) في قوله: "أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت"(2) أي على نية الممارسة المنهجية وليس التأسيس لفكر نظري. وفي كلا الحالين يكون طه حسين مناصرا الرؤية الحديثة في التشكيك بعمل المؤرخين القدماء غير مطمئن إلى ما قالوه..

ونرى أن هذا المنهج الفلسفي ليس سوى توظيف مبكر للفهم الجينالوجي في البحث الأدبي الذي يقوم على الحفر في السياقات والتنقيب في الأبنية الداخلية والأنساق الخفية، بحثًا عن صحيح التاريخ ومزيفه. وهذا التوظيف هو بمثابة تأسيس لعلم جديد نسميه (علم البحث الحفري) فطه حسين أول باحث جينالوجي عربي أوصلته حفرياته إلى مسائل جد مهمة وخطيرة، لا بالمعنى الفلسفي الذي اعتمده فوكو في اريكولوجيا دراسة تاريخ المعرفة والجنسانية والسجون والجنون؛ وإنما بالمعنى الذهني لدينامية الحفر ومتعلقاته المعرفية والمفاهيمية. وفي مقدمتها التشكيك والتفكيك والتعليل والاستنباط والاستقراء والاختلاف والاحتجاج والدحض وغيرها.

وأول أساس حفره طه حسين في علمنة البحث المعرفي هو التجرد من الأهواء والعواطف وتحكيم العقل منطلقًا من مسألتين: الأولى رؤية أكاديمية تربط حركة الأدب بمدارسه، والثانية رؤية فلسفية تستلهم المعطى الديكارتي للعقل (اللوغوس) متأثرًا بمنحى سينيوبوس في التاريخ.

ومن الأسس أيضًا الصلة الوطيدة التي تربط الأدب بالتاريخ حيث الأول مندس في الثاني اندساسًا منطقيًا ليس فيه تعجب أو اندهاش. وكثيرًا ما أكد طه حسين أن "تاريخ الأدب لا يستطيع أنْ يعتمد على مناهج البحث العلمي الخالص وحدها؛ وإنما هو مضطر معها إلى الذوق، هذه الملكة الشخصية الفردية التي يجتهد العالم في أن يتحلل منها. فتاريخ الأدب إذن أدب في نفسه من جهة لأنه يتأثر بما يتأثر به مأثور الكلام من الذوق"(3).

وبهذا الرأي الحفري المتقدم علميًا وزمانيًا يضع طه حسين مصداقية التاريخ بوصفه مدونة كبرى مقدسة لا يطالها الخلل والزلل في موضع الاتهام والتشكيك، مؤكدًا بشكل غير مباشر أن التاريخ عبارة عن سرود قصصية، فيها يلغى التعارض بين المنهج الذوقي والمنهج العلمي فتكون أدبية النصوص خاضعة لقانون الاحتمال الأرسطي الذي به يصبح الخبر المروي محتملاً وليس حقيقيًا. ومن ثم يغدو الذي لا يشكك في صدقية التاريخ الأدبي هو واحد من اثنين: أما مخدوع أو مشعوذ، ملقيًا باللوم على إتباع المنهجية القديمة الذين لا يقرون بأهمية التجديد المنهجي في دراسة تاريخ الأدب العربي.

ومن أسس البحث الحفري في دراسة الأدب وجهة النظر المنطقية التي ترى أن الأدب متصل بطبيعته اتصالاً شديدًا بأنحاء الحياة المختلفة سواء منها ما يمس العقل ومنها ما يمس الشعور وما يمس حاجاتنا المادية، وأن عقد المقارنات والموازنات سيدلنا على مواطن تأثير الشعر والنثر بالنحو والأخبار والأنساب ورواية اللغة وحكايات الشعراء.

وليس الأدب في نفسه هو ما حفر فيه طه حسين حسب وإنما تاريخ هذا الأدب أيضًا أي الفهم العلمي للتاريخ وليس التأريخ فالأول يعني الوصف أي وصف الآداب وصفًا علميًا بينما الثاني يعني الزمان الفيزيقي. بمعنى أن من يبحث في تأريخية مادة ما هو ليس كمن يبحث في تاريخيتها، لأنه سيكون مقيدًا بقانون الزمان وهو ما ينطبق على جميع أنواع الكتابات المعرفية ما عدا الكتابات الإبداعية على اختلافها كونها خارج مواضعات الزمان والمكان.

وإذا كان التاريخ يعني الوصف الذي هو منهج علمي في دراسة تاريخ الأدب؛ فان من يصف شيئًا لا وجود له هو أما كاذب أو صاحب خيال كما يقول طه حسين.

وليست مهمة المؤرخ الوصّاف سهلة ولا يسيرة نظرًا لاحتياجه إلى مسائل كثيرة. وأول مسألة يحتاجها هي حرية الرأي التي هي ضرورية للفن والعلم والفلسفة وللحياة العقلية بالعموم وبها يمكن لجهود العلماء أن تثمر تواريخ في الآداب منقحة ومغربلة إلى درجة كبيرة.

وما عدا ذلك هو كذب وتلفيق وجهل وهو ما وقع فيه كثير من الذين كتبوا تاريخ الأدب العربي. وعنهم يقول طه حسين: "إنهم يكذبون ويتخيلون؛ يكذبون حين يصفون لك حياة بغداد.. لأنهم لم يبحثوا عنها ولم يلتمسوها في مصادرها وإنما قرأوا صحفًا في الأغاني وغير الأغاني فقلدوها وأسرفوا في التقليد.. يكذبون حين يرسلون لك هذه الأحكام التي يتناولون بها الكتاب والشعراء لأنهم لم يقرأوا الكتاب ولا الشعراء "(4)

ويحتاج المؤرخ الوصّاف أيضًا إلى الإفادة من طائفة من العلوم الصرفة إلى جانب احتياجه إلى شخصية قوية لها من الذوق الأدبي حظ وفير، به يتمكن من أن يستكشف النصوص ويحققها ويفسرها ويعدها للدرس والفهم. لذا يتعجب طه حسين من أولئك الذين يتهالكون على تاريخ الأدب ويتنافسون ويستبقون إلى وضع الكتب في موضوعاته العامة والخاصة من دون فهم وتفكر(5).

ولا غرابة في أنَّ يبدأ طه حسين مشروعه بتاريخ الأدب الجاهلي، ولو كُتب لهذا المشروع أن يستمر لشمل عصور تاريخ الأدب العربي اللاحقة، غير أن المشروع لم يكتمل للأسف، لا لأن الوقت لم يتح لطه حسين أن يكمله أو لأن المواجهة كانت عنيفة من قبل المراكز المحافظة الرافضة لمنهجه حسب؛ بل لأن دارسي تاريخ الأدب العربي توانوا عن إكماله، أما شعورًا منهم بالاكتفاء بما جاء به طه حسين عن تاريخ الأدب الجاهلي أو لأنهم تصوروا أن المنهج خاص بطه حسين وحده.

ونرى أن هذا الاحتمال الأخير أوجب من الاحتمال الأول لأسباب متعددة، منها هيمنة الرؤية الأحادية وشيوع الروح الفردانية على نقدنا العربي مع ضعف الوعي بأهمية العمل النقدي الجماعي وعدم إدراك لفاعليته وما قد يسفر عن هذه الفاعلية من كشوفات ومحصلات جعلت النقد الغربي يسخّر في سبيلها مختلف الطاقات وشتى الوسائل المادية والرمزية.

واهتمام طه حسين بالأدب الجاهلي نابع من وعيه الحقيقي بأهمية الحفر في أساسات هذا الأدب، ناظرًا إليه بالطريقة التي بها ينظر المؤرخ إلى ما قبل التاريخ، متخذًا من التساؤل والتشكيك وسائل تعين في الكشف والتصحيح. ومن ذلك تساؤله: أ هناك شعر جاهلي؟

وكثيرًا ما يتخذ طه حسين من دراسة السياقات وسيلة حفرية تُمكن من النظر علميًا في النصوص الشعرية بمعنى أن قراءة بيت شعر لا تدلل على ماهيته إلا بمعرفة سياقه فقول أبي نواس:

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة    

                   حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء

"إذا لم تعرف أنه يريد النظّام فإذا عرفت أنه يريد النظّام فأنت في حاجة إلى أن تعرف من النظام. ولمَ عرض به أبو نواس؟ فسترى أن النظّام كان من المعتزلة الذين يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار وإذ كان شرب الخمر كبيرة فصاحبها مخلد في النار وإذن فأنت في فلسفة النظام وأنت متعمق في فلسفة المعتزلة وأنت مضطر إلى ذلك اضطرارا مضطر إلى تدرس التوحيد واختلاف أهل السنة والمعتزلة فيه لتفهم خمرية من خمريات أبي نواس" ص27

والعمق والدقة في دراسة النص وسياقه هي أساس آخر من أساسات علم البحث الحفري فضلاً عن الحذق في البحث عن الأسباب والدوافع والأغراض التي تحمل المؤرخين القدماء على انتحال الأشعار ووضعها وصناعتها.

ولقد علل طه حسين كثيرًا من الظواهر التي سادت تاريخ الأدب الجاهلي ولا تلائم طبيعة الأشياء كظاهرة السخف والتكلف في ما نقله الرواة الملفقون والنظامون من أخبار عن المعمرين والكهان وأيام العرب وشعراء تبع وحمير. ومنها أيضا ظاهرة القصص التي فيها يوغل الراوي في الخيال كي يدعِّم الشعر الذي يصنعه مثبتا للمتلقين مصداقيته.

ومن أهم نتائج الحفر المعرفي ما توصل إليه طه حسين من أن الاستشهاد ينبغي أن يكون بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله وليس العكس. وأن انتحال ابن هشام الشعر جعل سيرته تحوي دواوين من الشعر المصنع تصنيعاً أيام بني أمية وبني العباس.

وأن كثرة التصنيع الشعري أوهمت القدماء والمحدثين أن الأمة العربية كلها شاعرة "وعذر أولئك وهؤلاء أن لديهم كثرة فاحشة من الشعر تضاف إلى ناس منهم المعروف ومنهم غير المعروف .. فأي شيء أيسر من أن يعتقدوا أن العربي شاعر بفطرته وأنه يكفي أن يكون الرجل عربيا ليقول الشعر متى شاء وكيف شاء"(7) وهذا اعتقاد ما زال ساري المفعول إلى الآن عند كثير من الباحثين في الأدب الجاهلي للأسف.

والمدهش أن هذا الحفر المعرفي في الأسباب والنتائج لم يخل من تهكم لاذع، فيه يسخر طه حسين من أولئك المؤرخين المدلسين الذين يضعون تواريخهم تحت تصرف السياسة رغبة في إرضاء السلطة السياسية. ومن تهكماته الساخرة قوله:" أليس المؤرخون جميعا إن كانوا خليقين بهذا الاسم يؤثرون أن يبيعوا الفول أو الكراث على أن يكونوا أدوات في أيدي السلطة يفسدون لها العلم والأخلاق"(8)

ومن إشاراته النقد حفرية توضيحه المهم لصلة الأدب بالسياسة، وأنها ليست دوما علاقة طردية رقيًا وانحطاطًا، وكذلك تحذيره من خطورة البحث السطحي في الشعر والشعراء "لأنه قاصر ولأنه عقيم ولأنه مرغب في الكسل مثبط للهمم حاث على الخمول ولأنه سبب انحطاط الحياة الادبية حقًا"(9)

ومن أفكاره النقد حفرية أيضا ما وجده من أنَّ النثر متأخر وحديث العهد بالقياس إلى الشعر، لأنه ملكة تحتاج إلى العقل ولا تشيع إلا مع الكتابة. ومثّل بالبيئات المحلية الجاهلة التي تنظم الشعر في العامية ولكنها لا تعرف النثر في هذه اللغة إلا حين تأخذ بحظ من التعليم. ونعتقد أنه يعني النثر الفني وليس النثر بوصفه ظاهرة شفاهية وفيه تروى القصص والأمثال والحكايات الخرافية كممارسات اجتماعية لا يخلو منها أي مجتمع بشري. وطه حسين نفسه وجد أنَّ النثر عند العرب في الجاهلية غير ممكن الاهتداء إليه بحكم عدم تدوينه، سوى شذرات حواها الشعر المدون.

ومن الأمثلة التطبيقية على الحفر المعرفي مثاله عن دراسة شعر أبي نواس فقال: "أريد أن أدرس شعر أبي نواس فأنا مضطر أول الأمر إلى أن ابحث عن هذا الشعر - ولهذا البحث المنظم قواعده وأصوله - فاذا وجدت هذا الشعر فانا مضطر إلى أن اقراه وأحقق نصوصه وأقارن مقارنة علمية دقيقة بين النسخ التي تملى عليه فإذا استخلصت من هذه النسخ المختلفة والنصوص المتباينة نصًّا انتهى إليه بحثي واختياري فأنا مضطر إلى أن اقرأ هذا النص قراءة الباحث المنقب الذي يريد أن يفهم ويفسر ويحلل ويستخلص ما في هذا الشعر من خصائص لغوية أو نحوية أو بيانية فإذا أنا فرغت من هذا كله فاستكشفت النص وحققته وفسرته واستخلصت خصائصه ومميزاته مستعينًا في هذا كله بهذه العلوم المختلفة التي يجمعها لفظ غربي لا اعرف ترجمته إلى العربية"(10)

ومن استشرافاته التي فيها وضع للباحثين ما يشبه الإستراتيجية الحفرية التي بإمكانهم مواصلة الحفر فيها من بعده مستقبلاً ومن تلك الاستراتيجيات:

1) أن دراسة التاريخ بثقة واطمئنان إنما تبتدئ بالقرآن فهو الأرض الثابتة التي لا تضطرب ولا تزول(11).

 2) أن ندوّن اللغة العربية وأن نضع معاجم تاريخية تبين لنا تطور الكلمات في دلالتها على المعاني المختلفة. ولا يخفى ما في هذا من فهم متقدم بالنحو التوليدي.

3) أن نعرف شخصيات الكتّاب والشعراء.

4) أن ندوّن التاريخ السياسي والعلمي العربي وتاريخ المذاهب والآراء.

5) أن نعرف آداب الأمم الإسلامية التي تكلمت العربية.

وإذا كان علماء العربية مؤخرًا قد انتهوا من كتابة المعجم التاريخي للغة العربية؛ فإن أشواطًا من الحفر ما زالت تنتظرهم ليضعوا تواريخ ذهنية أخرى في فقه اللغة والسياسة والعلم والمذاهب ناهيك عن تاريخ شخصي للشعراء والأدباء والكتّاب القدماء وكثير منهم ما يزال مجهولاً.

وإذا كان طه حسين قد رأى أن "الوقت لم يؤن بعد لوضع تاريخ أدبي صحيح يتناول آدابنا العربية بالبحث العلمي والفني ذلك لأن هذه الجهود المتفرقة لم تبذل بعد ولأن هذه العلوم المختلفة لم تعرف على وجهها العلمي الصحيح عندنا بعد"(12) فإننا نرى أن أوان هذا العلم (علم البحث الحفري) قد حان في دراسة تاريخ الأدب العربي.

ليس لأن دارسي تاريخ الأدب العربي ما زالوا يتمسكون بالرؤى المنهجية التقليدية التي عافتها المناهج الحداثية وما بعد الحداثية الغربية؛ إنما هي ضرورات المواكبة والابتكار في التعامل مع التاريخ بوصفه فلسفة وسرديات صغرى يمتد فيها الماضي إلى الحاضر والمستقبل..  فما أحوجنا إلى (علم البحث الحفري) نبتكر فيه ونفيد منه في تنقيح أخبار الأقدمين والتعمق غوصًا وراء حقيقتها.

وأني لأوجه دعوة إلى المهتمين بأن يكون (علم البحث الحفري) مُعينًا في دراسة تاريخ أدبنا العربي لنعرف المدوّن منه وما لم يدون. والقاعدة في هذا العلم هي الحرية في التجرد من أية أهواء أو أغراض أو اديولوجيات.. راجية أن تصل الدعوة لمن تعنيه.. وأملي بأن تتم الاستجابة لها كبير.

 

الإحالات:

(1) الأدب الجاهلي، طه حسين، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط3، 1933، ص11.

(2) المصدر السابق، ص29

(3) المصدر السابق، ص65

(4) المصدر السابق، ص29

(5) المصدر السابق، ص52

(6) ينظر: المصدر السابق، ص50

(7) المصدر السابق، ص157ـ158

(8)  المصدر السابق، ص56

(9) المصدر السابق، ص38

(10) المصدر السابق، ص47

(11) ينظر: المصدر السابق، ص355

(12) المصدر السابق، ص51


عدد القراء: 419

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-