رحلات لويس شيخو للبحث عن المخطوطاتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-02-01 09:54:13

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

حرص الأب لويس شيخو اليسوعي (1859-1927) على أن ينشر رحلاته العلمية، التي جاب فيها الآفاق، بحثًا عن المخطوطات، في مجلة المشرق، التي كان يصدرها من بيروت، حيث صدر عددها الأول في عام 1898. فقد كان تجشم الأسفار المضنية البعيدة أسلوبًا انتهجه في سبيل جمع المخطوطات والكتب النادرة، والتي بلغت نحو ثلاثة آلاف مخطوط، ولهذه الرحلات أفرد الصفحات في مجلة المشرق، إذ رأى أن في تدوينها فائدة كبيرة لقراء المجلة، وكان شأنه في ذلك كأغلب الرحالة العرب المسلمين والغربيين؛ حريصًا على تدوين المألوف والطريف، فكان كعين الآخر، التي ترصد وتدقق وتدون، وترى الجوانب الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والآثارية والدينية، فلم يكتف بوصف البيئة والجغرافيا، وإنما وصف السكان وعاداتهم وتقاليدهم وطريقة عيشهم، ومذاهبهم ومللهم، كما رصد الصادرات والواردات، وحركة السفن والإبحار، وفي كثير من الأحيان يستطرد في تقديم تفاصيل تاريخية ولغوية، كما يستشهد بمقاطع من الرحالة والأدباء السابقين؛ ليقارن ما ذكروه بما شاهده، كأبو القاسم ابن حوقل (ت.367هـ/ 977م)، أبو يحيى زكريا القزويني (605- 682هـ/ 1203- 1283م)، أبو الريحان البيروني (362-440هـ/ 973-1048م)، محمد الإدريسي (493-560هـ/ 1100-1166م)، ياقوت الحموي (574-626هـ/ 1178-1229م)، وغيرهم، كما يصف المخطوطات والكتب التي جمعها، ويحصيها وفق أماكن جمعها، فيذكر مثلاً أنه جمع معظمها من الهند، وثلثها من حلب، ويستطرد في الحديث عن من التقاهم من الأدباء والمؤلفين، وفي وصف المدن والقرى، وأخبارها وأوضاعها وآثارها.

جمع أنطوان صليبا نصوص ثمان من تلك الرحلات العلمية، في كتاب صدر عن دار المشرق  في عام 2010؛ ليضعه في قائمة الرحالة مؤلفي أدب الرحلات، فينطلق الكتاب من رحلة قام بها في عام 1900 إلى بلاد عكار، حيث كان دليلهم في زيارة بلدة البترون القنصل الدنمركي؛ لما له من "الباع الطولي في معرفة العاديات"، فيذكر أنها من أقدم المدن الفينيقية، وذكرت في نقوش تل العمارنة المصرية، لينطلق منها إلى طرابلس، فيصف حصنها القديم، وبساتينها الفيحاء، وأبنيتها الجميلة، وآثارها الجليلة، ومساجدها، ثم يواصل سيره مرورًا بحمص حتى يبلغ نهر عكار؛ فجبل عكار، حيث قضى الاحتفال بأحد الأعياد المسيحية، ثم عاد إلى بيروت مرة أخرى، حيث قضى في رحلته خمسة أيام، إذ كان انطلاقه من بيروت يوم 26 نيسان/ أبريل 1900، وعودته لها مرة أخرى يوم 30 منه.

الرحلة الثانية كانت بالقطار، الذي يسير بالطاقة البخارية، من رياق إلى حماة في عام 1902، فينطلق من وصف رياق بأنها ضيعة صغرى، أو بالأحرى أرض غامرة؛ يستشرف لها مستقبلًا مشرق، فيذكر أنها ستُصبح عمّا قليل بلدة ذات شأن، إذ تنتهي عندها سكة حديد حماة، وسكة حديد الشام (دمشق) وبيروت، ثم يشير إلى أنه ليس بين رياق وحمص محطة تذكر اللهم إلا بعلبك، وذلك لآثارها العجيبة التي كشفت عنها بعثة التنقيب الألمانية، وبعد أن يصل حمص يذكر أنها إحدى قواعد بلاد الشام، من أجلّ مدن الشرق منعة وعمارة، طيبة الهواء، كثيرة البساتين، لها تاريخ جليل، وبها آثار قديمة من زمن الحوثيين واليونان والرومان والعرب، ويعيش بها المسلمون والنصارى من الروم والأرثوذكس واليعاقبة والكاثوليك، ثم يصف كنائسها وجوامعها، وغلاتها وبيوتها، وسكانها وأدبائها، ثم يبين أن سبب رحلته هو الأمل في أن يعثر "على بعض المخطوطات الشرقية، التي لم يُخن عليها الدهر"، ويشير إلى أن أمله لم يخب، إذ عثر في حمص على بعض المخطوطات، ثم واصل  رحلته إلى حماة، فيذكر أن بيوتها مستديرة، ومع ما أصابها من نكبات الزمان لا تزال مدينة كبيرة من حواضر الشام، وبسبب نهرها كثيرة الخيرات، رخيصة الأسعار، رائجة الأسواق، وهي من أقدم مدن العالم، التي ذكرت في التوراة وأسفار العهد القديم، وفتحها العرب في عام 639م/ 18هـ على يدي أبي عبيدة، ثم حصنوها، واتخذوا لها سورًا، وخرج منها بعض المشاهير منهم ياقوت الحموي، وتقي الدين أبو بكر المعروف بابن حجة الحموي (767-837هـ/ 1366-1433م) مؤلف كتاب "خزانة الأدب وثمرات الأوراق"، ثم عاد إلى حمص فبيروت، واستغرقت هذه الرحلة ما يزيد عن الشهر، إذ غادر بيروت يوم 19 أيلول/ سبتمبر 1902، وعاد إليها مرة أخرى يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر.

الرحلة الثالثة كانت في عام 1904 إلى أوروبا (بلجيكا)، حيث لم يكن هدفه "تدوين أخبار سياحتنا على أسلوب المتجول المسرع، الذي لا يسمح له قصر الوقت بالفحص المدقق". انطلق شيخو في رحلته من بيروت على سفينة فرنسية بخارية يوم 16 تموز/ يوليو 1904، تمخر عُباب البحر المتوسط؛ فمر بالقرب من جزيرة قبرص، فالأناضول، حيث رست السفينة في جزيرة ساموس اليونانية، ولم تقف بها إلا ساعات معدودات لتواصل إبحارها في اتجاه مدينة إزمير العثمانية (التركية حاليًا)، وبعد أن تجول  شيخو في المدينة، ليقدم وصفًا لحركة السكان فيها، تحركت السفينة إلى "الآستانة العليّة" (إستانبول)، العاصمة العثمانية، والتي يفرد لوصفها أكثر من ست صفحات، يُقدِّم فيها جانبًا من تاريخها، ويصف حفلة السلاملك (الجزء المخصص لاستقبال الضيوف من الرجال في قصور السلاطين العثمانيين) التي حضرها، ويقف فيها على حركة العلوم، وانتشار الآداب.

ويشير إلى أن "السلاطين (العثمانيين) العظام، قد أنشأوا في حاضرة دولتهم مدارس ملوكية عليا، وكتاتيب شاهانية تتخرج منها نخبة من الأحداث والشبان في الطب والفقه والعلوم البيانية والمعارف اللسانية والآداب العسكرية"، ثم يتحدث عن المدارس والكنائس النصرانية، وخزائن الكتب الشرقية المخطوطة، ثم يشير إلى أن ما يدل على ترقي الآداب في دار السلام (إستانبول) كثرة المطابع والجرائد والمنشورات، حيث تنيف على العشرين جريدة ونشره، يصدر بعضها باللغة التركية، والبعض الآخر بالإنجليزية والفرنسية، كما أن لليونان والأرمن جرائد خاصة تصدر بلغاتهم، كما زار في إستانبول (الأستانة) بعض الآثار اليونانية، والكنائس النصرانية، ثم ودعها يوم 10 آب/ أغسطس في القطار الدولي المعروف بقطار الشرق، ليزور بلاد الصرب والبلغار، والمجر والنمسا، وبافاريا وألمانيا، وفرنسا، فيقدم وصفًا للكثير من المشاهد التي رآها رؤيا العين، ويصف سكانها وأخلاقهم، وعمارتها وقصورها، ومكتباتها وتجارتها، ويبين اشتقاقات أسماء المدن التي مر بها، وجوانب من تاريخها، ليختتم بقوله "هذه نبذة وجيزة من أخبار رحلتنا إلى جهات أوروبا، وقد زرنا أيضًا إنجلترا وبلجيكا، إلا أن طوافنا في بلاد هاتين الدولتين تم على سرعة البرق بأقل من عشرة أيام قضينا معظمها في مكتبتي المتحف البريطاني، ومكتبة الآباء البولنديين في بروكسل"، ثم يذكر أن طريق عودته تم عن طريق باريس، ألمانيا، بافاريا، النمسا، الآستانة العلية، حيث أبحر منها يوم 26 أيلول/ سبتمبر في الباخرة الروسية، التي أوصلته إلى مرفأ بيروت يوم 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1904 بعدما مر في طريقه على جبل أثوس (شمال اليونان)، ومدينة سالونيك اليونانية.

الرحلة الرابعة انطلق فيها من حماة يوم 11 أيلول/ سبتمبر 1905 قاصدًا حلب الشهباء؛ راكبًا عجلة لأحد الحوذيين الحمويين تجرها أربعة من الخيل، فسار مع مجرى نهر العاص، ليشاهد البساتين المزدانة بأصناف الفواكه، والحدائق الغناء، ويسمع أنين النواعير العظيمة، ثم انعطف مع نهر الأرنط متوغلا في الصحاري المقفرة، عبر السهول المقحلة، والمفاوز المتسعة، ليصل بعد خمس ساعات من خروجه من حماة قرية خان شيخون، نسبة إلى الأمير شيخون الذي عمر فيها خانًا، فيقول إنها بلدة كبيرة ليس فيها غير المسلمين، وهي بطحاء متسعة، وهي آخر قرى ولاية الشام، حيث لا يوجد بعدها بلد يستحق الذكر سوى معرة النعمان، التابعة لولاية حلب، وهي نسبة إلى نعمان بن بشير (2-65هـ/ 623-684م) من ذوي الصحابة، فيذكر جانب من تاريخها، وتعميرها وازدهارها بعد الفتح الإسلامي لها، وما خرج منها من الأدباء والشعراء والعلماء، ثم انطلق إلى خان سبل، وهي قرية عامرة تدل آثارها على أنها كانت ذات شأن، ثم خان شيخ أحمد فخان تومان، ليصل في النهاية حلب، التي تقع في بطحاء فسيحة تُحدق بها التلال كأنها أسوار تحتضنها، فوصلها يوم 13 أيلول/ سبتمبر؛ ليقضي بها أسبوعين، ليُقدم وصفًا لسكانها، وتدينهم، ونجابتهم، وتوقد أذهانهم، وحذقهم في العمل، وأخلاقهم الدمثة، والأنس في المعاملة، والترحيب بالغريب، والأنس بالوافد، كما يصف التجارة والمدارس والمطابع، والأدباء.

ويشير إلى أن بها قومًا يتعاطون العلم، ويعكفون على التدريس، ويزاولون الكتابة والتأليف، ثم يذكر أنه اطلع على عدد من المخطوطات في المدرسة الأحمدية، وخرانة الكتب، ويقدم معلومات عن بعضها، كالتهذيب لأبي منصور محمد الأزهري (ت. 370هـ/ 981م)، والذيل على مرآة الزمان في معرفة الخلفاء والأعيان لأبي الفرج الجوزي (510-597هـ/ 1116-1201م) ألفه قطب الدين موسى بن محمد البعلبكي (640-726هـ/ 1242-1326م)، وطبقات الملوك لأبي منصور الثعالبي (350-429هـ/ 961-1038م)، وتاريخ الطبراني لسليمان بن أحمد الطبراني (260-360هـ/ 821-918م)، والجمهرة لأبي بكر محمد بن دريد الأزدي (ت. 321هـ/ 932م)، وجذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس لمحمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي (420-488هـ/ 1029-1095م)، وعجائب المخلوقات لأبي يحيى زكريا القزويني (600-682هـ/ 1203-1283م)، ثم يُشير إلى اطلاعه على نسخ من الأناجيل المقدسة، وبعض الكتب النصرانية القديمة؛ ككتاب تاريخ البطريرك سعيد بن بطريق، ومدرك النجاة ومحجة الفوز بالحياة لمار طيماوتاوس إسحق مطران آمد، وغيرها. ثم غادر حلب يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1905، "شاكرين لله ما حظينا به في هذه الرحلة من مواجهة الفضلاء، والاقتباس من أنوار الأدباء".

الرحلة الخامسة انطلق إلى حمص فوصلها يوم 18 أيلول/ سبتمبر 1906، واستغل فرصة التأخير التي اقتضتها ضرورة إعداد لوازم السفر في زيارة جامع المدينة الكبير، وزار مقام السيد خالد بن الوليد، وكنيسة القديس إليان، وكنيسة السريان اليعاقبة، ليسير في طريق البادية صباح يوم 20 أيلول/ سبتمبر قاصدًا بادية تدمر،، فمر بقرى: زيدل، فيروزة، ريان، فحيلة، رقاما، صدد، ويشير إلى بعض الآثار والكتابات القديمة في القريتين الأخيرتين، ثم زار كنيسة صدد، فوجد بها مخطوطات نصرانية نادرة، منها كتاب تاريخ ميخائيل الكبير البطريرك اليعقوبي، ثم توجه يوم 21 أيلول/ سبتمبر إلى القريتين، حيث تعرفوا على أعيان القرية من المسلمين والنصارى، وقام بتصوير بعض الآثار والكتابات، ووجد بعض المخطوطات في الطب والصلوات، وبعد أن غادر القريتين بات ليلته في البادية ليصل إلى دير عطية، التي يصفها بأنها بلدة كبيرة، ثم قارة، وهي إحدى القرى المعتبرة، التي ذكرها ياقوت الحموي، ثم واصل رحلته إلى النبك، وهي من أقضية دمشق، ثم رحل إلى يبرود، التي يذكر أنها من المدن القديمة، التي ذكرت في جغرافية بطليموس الكلوذي، وأن اسمها مشتق من أصل آرامي بمعنى البرد، وهي غنية بالآثار القديمة والكنائس، والكتابات اليونانية، وأهلها معروفون بالعزم والصبر على الشدائد، وفي طبعهم إباءً وانفة، وفيهم تقى وعبادة، ولبسهم كلبس أهل البادية، أما المخطوطات فقليلة في يبرود، ومنها كتاب مقدمة الأدب للزمخشري، وفي يوم 25 أيلول/ سبتمبر غادرها على ظهور الخيل إلى معلولا، حيث مر في طريقه بقريتي بخعة، وجبعدين، ليصل معلولا "بين العشائين"، وبات ليلته في ضيافة رهبان دير القديس سرجيوس وباخوس، ليستيقظ في اليوم التالي متجولا في القرية، ليصف مياهها، وآثارها وعادياتها، وهيكلها الروماني، وبيوتها، ومزارعها، وكنائسها، ثم يشير إلى بعض تاريخها، ويذكر أن أهلها يتحدثون السريانية، وتقام بها الطقوس الكنسية، التي يأخذها الصغار عن أمهاتهم، ويتعلمون العربية في المدارس أو بمخالطة أهل القرى المجاورة، ثم قصد صيدنايا، التي يذكر أن اسمها مشتق من الآرامية، ويقصد بها مكان الصيد، حيث نزل بها في دار كنيسة الروم الكاثوليك، في ضيافة الخوري قسطنطين الراهب الشويري، وحضر أفراح عيد الصليب عند الروم الأرثوذكس، حيث أطلقوا البنادق، وأوقدوا السراج والمصابيح، وغنوا أهازيجهم وأناشيدهم، ورقصوا الدبكة، ثم تطوف في "القرة" ليتعرف على آثارها ونفائسها وشواهد قدمها، فزار كنيسة مار توما، وكنيسة مار بطرس، وكنيسة السيدة في دير الشاغورة، حيث تفقد مكتبة الدير، وهي حجرة صغيرة بها ست خزائن خشبية موصدة بالزجاج، ونحو 300 كتاب بين مطبوع ومخطوط، منها يونانية مكتوبة على الرق، ومنها عربية، وبينها كتب روحية، وتراجم القديسين، والأناجيل وغيرها، ثم توجه إلى دمشق.

الرحلة السادسة أطول الرحلات، لذا نشرت بمجلة المشرق  في13 حلقة، أواخر سنة 1912، وأوائل سنة 1913، حيث تطوف بأنحاء الجزيرة والعراق وفارس والهند، واليمن ومصر، متجشمًا أتعاب سفر طويل في سبيل العلم، وجمع المخطوطات، فانطلق من مرفأ بيروت على ظهر باخرة مسكوبية قاصدًا حلب في 11 أيلول/ سبتمبر 1895، ومنها نزل بطرابلس، حيث أقلته عربة إلى حمص، ليقضي فيها يومين، ثم يركب الجياد قاصدًا حماة، ليواصل رحلته إلى حلب، حيث مرّ بخان شيخون، معرة النعمان، سنبل، خان تومان، خان سنبل، ولم يطل الإقامة في حلب، وانطلق إلى الرها، سائرًا في صحاري مخصبة قفراء، حيث قطع نهر الساجور، أحد سواعد الفرات، ونزل في قرية وسطى تدعى بزنبور، فيها مسجد صغير، وخان للقوافل، وواصل مسيره إلى بيرة جك، فيذكر أن بها 12 ألف مسلمون، وألف أرمني غريغوري، وألف أرمني كاثوليكي، ثم انطلق إلى أوروفا، فنزل بخان يُدعى "جهار ملك"، أي الملوك الأربعة، ليصل أخيرًا مدينة الرها، التي يذكر أنها مدينة قديمة، يرجع تاريخها إلى عهد ملوك بابل، وأدت دورًا عظيمًا في علم الدين والآداب، ثم قضى في الرها يومين زار فيهما كنيستي الأرمن والسريان الكاثوليك، وكنيسة اليعاقبة، ومن آثار الرها بركة الخليل، وقلعة يونانية قديمة، وبئر النبي أيوب، ثم استأنف الرحيل في غرة تشرين الأول/ أكتوبر قاصدًا ماردين، فقطع سهولًا خصبة تسقيها مياه غزيرة منحدرة من جبل أورفا، ثم شاهد خرائب مدينة حران المذكورة في سفر التكوين، وكان مخط رحاله الأول بعد خروجه من الرها في قرية "بهيما"، ثم انطلق إلى أراضي زعيم قبيلة الملية الكردية، فمر بقرية تل عبدة التابعة لويران شهر، ثم قرية هلالي، فتل أرمن، وأخيرًا وصل مادرين، حيث قضى بها 15 يومًا، فيذكر أنها مدينة قديمة ذكرها الجغرافي اليوناني بطليموس في القرن الثاني الميلادي، ثم فتحها صلحًا العياض بن غنم في سنة 641م/ 19هـ، وذكرها كل جغرافي العرب، وتتميز بنقاوة جوها، ورطوبة هوائها، واعتدال مناخها، وخصب أرضها، وحدائقها الغناء، وبساتينها الوارفة، وافرة الغلات، وفي مكتبات ماردين اطلع على الكثير من المخطوطات، منها الترجمة الكلدانية لكتاب كلية ودمنة، التي عربها ابن المقفع.

انطلق باكرًا صباح يوم 21 تشرين الأول/ أكتوبر من مادرين قاصدًا ديار بكر، الواقعة على نهر دجلة، حيث أقام فيها ثلاثة أيام، زار خلالها كنائس الأرمن والكلدان، فيتحدث عن خصب أراضيها، وثمارها الشهية الذوق، وغلاتهم، وأسوارها، وأسواقها، وأحيائها، وأبنيتها، وأصل تسميتها، وأول ذكر لها في كتابات الآشوريين، وتاريخها، والدول التي تعاقبت في حكمها، ودخول النصرانية إليها، وبعد انتهاء زيارته لديار بكر عاد مرة أخرى لماردين، حيث غادرها مرة أخرى يوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر قاصدًا الموصل، فمر بتلال جبل ماردين، وبين حدائقها الغناء، وغاباتها الوارفة، والربى المكشوفة للشمس، حتى وصل إلى قرية تدعى "قلّث"، ثم سار بعد ذلك متوغلاً في طور عابدين، فبلغ مدياث، أو مدياد، وهي مدينة قديمة، وحاضرة طور عابدين، تقع في بطحاء فسيحة تحدق بها الروابي والتلال المزدانة بالكروم والأشجار المثمرة، وتسيل فيها العيون، فأقام فيها في دار السريان الكاثوليك، حيث وجد لدى اليعاقبة بعض المخطوطات السريانية، ثم انطلق إلى "أزخ"، وهي بلدة صغيرة، يسكنها اليعاقبة، ثم مدينة الجزيرة، مركز قضاء للاحقة بسنجق ماردين، والتي تبعد عن "أزخ" خمس ساعات في أرض سوة ذات تربة حسنة ومزارع نامية، وقضى بها ثلاثة أيام، قضاها في تفقد آثارها، وزيارة أرباب طوائفها، فيذكر أنها سبقت تاريخ الميلاد، وود ذكرها في جغرافية بطليموس، وبها عدة مآثر قديمة دينية ومدنية، وبها جامع قديم بني قسم منه بأنقاض أبنية عادية، وكنيسة للسريان الكاثوليك، وكنيستان للأرمن، وكنيسة للآباء الدومنيكان، ليغادرها يوم 8 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى الموصل فمر بطريقة بقرية نهروان، ثم مدينة زاخو، الواقعة بالقرب من نهر الخابور الصغير، من سواعد دجلة، ثم عبر طريق بين جبال تدعى "زاخو داغ"، وصل إلى دير مار يعقوب، ليصل بعدها إلى بقاع الموصل، ولكنه قبل أن يدخلها اتجه لزيارة دير الرهبان الكلدان في مدينة القوش، فمر بقرية معلثاي، ومعناها في الكلدانية المدخل، ثم قطع على ظهر الخيل نهر دهوك إلى مدينة القوش، وهي بلدة قديمة معظم سكانها من الكلدان الكاثوليك، وفيها زار دير ربان هرمز، ليجد في مكتبته على الرغم من صغرها مخطوطات كلدانية وعربية استفاد منها لتاريخ الآداب النصريانية في جهات الموصل، ثم زار دير السيدة في تل أسقف من قرى الكلدان، ثم واصل سيره إلى قرية بطنايا، فتل كيف، ليصل يوم 15 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى الموصل، فيصف أزقتها بأنها ضيقة وبيوتها متراكمة بلا هندسة ولا نظام، كما يصف آثارها وعادياتها القديمة، وسكانها، وموقعها، ومنسوجاتها، ومحصولاتها الزراعية، وحالتها الأدبية، ومدارسها، ومطابعها، وطوائفها الدينية، ومساجدها وكنائسها وأديرتها ومزاراتها، لينطلق منها يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر متجهًا إلى بغداد، فيذكر أن الطريق بين الموصل وبغداد طريق بري تمر بأربيل تقطعها القوافل في عشرة أيام، أما الطريق الأخرى فعبر نهر دجلة، وذلك بواسطة الطوف أو الكلك، المصنوع من سعف النخيل المنسق المصفوف على شكل مربع أو مستطيل، حيث رافقهم على الكلك شيخ مسلم، صار يعرفهم بأسماء المناطق والقرى التي يمرون عليها: القيارة، قلعة نمرود، تلح كلح، قلعة شرقاط، وأخيرًا وصلوا إلى تكريت، التي يسهب في التعريف بها، وبحصنها، فيذكر أن اسمها مشتق من اسم دجلة اليوناني، لوقوعها على ضفته الغربية، ثم يشير إلى قول ياقوت الحموي أنها نسبة لامرأة من نصارى العرب تدعى تكريت، وقول أبو الفد أنها نسبة لبنت وائل أخت بكر بن وائل، ثم يسلط الضوء على جانب من تاريخها، ودورها في تاريخ النصرانية، ويشير إلى أن صلاح الدين الأيوبي ولد بها سنة 532هـ/ 1138م، حيث كان أبوه أيوب واليًا على قلعتها.

يواصل شيخو رحلته منحدرًا إلى الجنوب فوق مياه نهر دجلة، فيذكر أنهم مروا بعدة أمكنة شهيرة في التاريخ، لكنها اليوم آثار بعد عين، أولها درو، أسكي بغداد، قناة نهروان، حصن سومرا أو شومر (سر من رأى)، ثم تحدر بهم الطوف أو الكلك بسرعة كبيرة لشدة مجرى نهر دجلة؛ ليصل أخيرًا إلى بغداد، التي يسميها دار السلام، التي وصلها يوم 26 تشرين الثاني/ نوفمبر فيتحدث عن الكاظمية، أحد أقضية بغداد، حيث استهل يومه الأول في بغداد في زيارة دير الآباء الكرمليين، ثم زار القنصلية الفرنسية، والتقى بمسيو بونيون القنصل الفرنسي، الذي يصفه بأنه أحد كبار المستشرقين، الذي اشتهر بمطبوعاته السريانية والمندائية والآشورية، وفي اليوم التالي زار الطوائف الكاثوليكية في المدينة من الكلدان والأرمن والروم الكاثوليك، حيث زار كنائسهم وكتدريائتهم، وأديرة رهبانهم، ثم يسهب في التعريف ببغداد، التي شيدها أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي سنة 145هـ/ 762م، ثم مراحل توسعها في الكرخ، ثم يتحدث عن آثارها الباقية، وجوامعها ومدافنها، وخاصة مدفن السيدة زبيدة امرأة هارون الرشيد، وكتاتيبها ومدارسها، وخاصة المدرسة المستنصرية، والمدارس الرسمية الحكومية، ثم يشير إلى أن حالة بغداد من حيث الترقي الأدبي والتهذيب العقلي، أما أهل بغداد فمن عناصر مختلفة بينهم العرب والعجم والترك والأكراد والهنود والفرنج واليهود، وأزياء رجالهم أقرب من أزياء أهل البادية يلبسون الكوفية والعقال أو العمامة  مع القمباز ويدعونه الزبون، والجبة وضروب الأعبية، أما النساء فيتزرن بالحبرات الحريرية أو الأقمشة الملونة، ومنازلهم ذات طبقة واحدة سفلى يبنونها بالطين والكلس، إلا دور الوجوه والأعيان، فإنها أشبه ببيوت أهل الشام مبنية بناء منتظمًا ولها القاعات المتسعة، ويسكنون السراديب في الصيف، وينامون على السطوح ليلاً، أما لغتهم فهي العربية، يختلط فيها شيء من لهجة العربان مع عدة ألفاظ تركية وعجمية.  ويشير إلى أنه زار دار الكتب العمومية، ويذكر أنها تضم أكثر من ألف كتاب في فنون شتى، وبعض مطبوعات العجم والهند، التي يصعب الوقوف عليها في الشام، ووجد بها بعض الكتب العزيزة الوجود؛ فاستنسخ منها شيئًا، كما وجد عند الوراقين عدة مخطوطات حصل عليها.

ينطلق شيخو من بغداد على باخرة نهرية إنجليزية تدعى "تايجر Tigris"، أي دجلة، مساء يوم 3 كانون الأول/ ديسمبر 1895، فمر بالقرب من أنقاض طاق كسرى أو إيوان كسرى، الذي تكرر ذكره في تاريخ الفتوحات الإسلامية، ثم العزيزية، وهي بلدة صغيرة على ضفة دجلة اليسرى، فبابل القديمة، وبقايا برج نمرود في سنجق الحلة، حيث مدينة الحلة، التي هي مدينة وسطى تعرف بحلة بني مزيد، موقعها في أرض بابل، ووراء هذا السنجق سنجق كربلاء، حيث مدينة كربلاء، والنجف، وبهما مزارات شيعية، لترسو السفينة التي تقله صباح يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر في كوت الإمارة، وهي مدينة صغيرة أكثر أهلها مسلمون شيعيون، وهي إحدى أقضية بغداد، ومركز لقائمقام، ليدخل بعد ذلك في حدود ولاية البصرة، ليمر  بسنجق عمارة بالقرب من مدينة عمارة، ثم سنجق المنتفك، حيث القضاء المعروف بشطرة العمارة، ليمر بالقرب من بمعبد لليهود، يدعونه نبي عزيز، ليصل مدينة القرنة، وهي مدينة صغيرة حديثة البناء، وجاء اسمها من اقتران نهري دجلة والفرات عندها، ليبتدئ منها شط العرب، ليصل مدينة البصرة في أصيل نهار يوم الجمعة 6 كانون الأول/ ديسمبر، حيث وجد سفينة إنجليزية راسية بميناء البصرة، الذي يبعد عن المدينة نحو خمسة أميال، اسمها "جاوة Java"، على وشك السفر إلى بومباي، ورغم أنه لم يتمكن من التجول في مدينة البصرة، إلا أنه يذكر جانب من تاريخها، فيشير إلى أن البصرة الحالية ليست بصرة العرب، فهي حديثة ليس فيها ما يستحق الذكر، وأن البصرة القديمة تبعد عنها بحوالي عشرة أميال إلى جوار قبر زبير الصحابي، وبه تدعى، وكان بانيها الخليفة عمر بن الخطاب في مكان مدينة أخرى قديمة سنة 14هـ/ 636م، وأنها واسعة التجارة، ولهذا يصل عدد سكانها إلى نحو 250 ألف نسمة، وتبلغ صادراتها ما يساوي نحو 30 مليون فرنك فرنسي.

تحرك يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر 1895 مع السفينة جاوة من البصرة في اتجاه مصب شط العرب في الخليج العربي، ووصل بعد مسير ساعة إلى مدينة المحمرة، على ضفة شط العرب الشمالية، ثم قرية الفاو، وهي قلعة عثمانية تحرسها فرق من الجند، وحولها بعض الأبنية للجمرك والتلغراف، وبيوت قليلة لعرب تلك الناحية، وواصل سفره في الخليج العربي ليمر بالقرب من الكويت، التي يتولى شؤونها الشيخ مبارك الصباح، لترسو به السفينة يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر ببندر بوشهر، التي يصفها بأنها مدينة تجارية ليس فيها ما يستحق الذكر، لكن تجارتها واسعة لكونها فرضة شيراز، والسفن الإنجليزية تتردد إليها من الهند، فتنقل منها محصولات العجم، ثم وصل جزائر البحرين، التي يذكر أنه يقطنها نحو خمسين ألفًا من العرب يرتزقون كلهم من صيد اللآلئ، وفي البر الذي وراء البحرين بلاد الأحساء العربية المعدودة من نجد، والدولة قد جعلتها سنجقًا لاحقًا بولاية البصرة، مركزه مدينة الأحساء المعروفة أيضًا بالحفوف (الهفوف)، وأهل نجد يرتزقون بالنخيل وبصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ، ولهم المواشي الكثيرة وضروب الخيل والجياد، ومن مدن نجد القطيف وقطر، ثم وصل صباح يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر إلى لنجة من مدن فارس الساحلية المفتوحة للتجارة، ليصل في اليوم التالي ميناء بندر عباس، التي كانت تدعى قبل القرن السابع عشر بكمرون (جمبرون)، ومن بندر عباس دخلت السفينة مضيق هرمز، الذي يصل خليج العجم ببحر عمان، وهرمز جزيرة في شمال المضيق، كانت قديمًا عامرة قبل أن يستولي عليها البرتغاليون، ثم غلبهم الإنجليز ودمروا المدينة في القرن السابع عشر.

يصل شيخو صباح يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر إلى مدينة مسقط، فيذكر أنها لا ترى من البحر لوقوعها وراء الصخور التي تحجبها، ويصفها بأنها مدينة تجارية لوقوعها في مدخل الخليج، ثم يشير لإدراك الأوروبيين لأهمية موقعها الاستراتيجية، ورغم أنه قضى بها يومًا يتفقدها، لم يسهب في وصفها كما أسهب مع غيرها من المدن، ربما لأنه لم يجد بها طوائف مسيحية أو كنائس وأديرة، إذ نلحظ أنه في جميع رحلاتهم يركز على ذكر أخبار الطوائف النصرانية وكنائسهم وأديرتهم، وغادرها يوم 14 كانون الأول/ ديسمبر ليرسو في اليوم التالي بميناء كراتشي بالهند، حيث قضى بها يومين، فيتحدث عن أوضاع المجوس فيها، وعن الكنائس الكاثوليكية، ليصل يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر مدينة بومباي، ليقضي فيها أسبوعًا كاملاً، درس فيه أحوالها، فيذكر أنها من أمهات مدن الهند، وعاصمة إقليم الهندستان، وتنقسم إلى قسمين، المدينة الأوروبية التي تشبه مدن الفرنج، والمدينة الوطنية، حيث يشتم المسافر رائحة الهند، ثم يذكر أن الهنود إما مسلمون أو وثنيون، وأن عدد الأخيرين ضعف عدد المسلمين، إلا أنهم يقسمون إلى طبقات لا تختلط طبقة بأخرى، وأرقاها طبقة البراهمة، الذين يرون الطبقات التي دونهم بعين الازدراء والهوان، وأن الرجل إذا مات دفنت معه نساؤه أو أحرقن مع جثته وهن أحياء، ثم يشير إلى أنه زار في بومباي المعاهد العمومية، والنوادي العلمية، والمدارس الوطنية، واطلع على حركة الآداب العربية بين أهلها المسلمين، كما عثر على مخطوطات نفيسة.

ينطلق شيخو في رحلة العودة إلى بيروت من بومباي يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر، فيمر في طريق عودته بعدن، التي يصفها بأنها مدينة معتبرة لوقوعها عند مدخل البحار الهندية على ممر كل السفن القادمة من الشرق الأقصى، فيأخذون منها حاجتهم من الفحم والماء، وغالب أهلها من المسلمين إلا الأجانب من الفرنج، ثم زار فيها القنصل الفرنسي، والحاكم الإنجليزي، وتجار الشام المقيمين الذين يتاجرون بالبن، وغادرها يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر عبر مضيق باب المندب إلى بحر القلزم (البحر الأحمر)، حيث مر بالقرب من جدة، فرضة مكة وبلاد الحجاز، ثم بين تهامة والنوبة، ليلة رأس السنة الجديدة، وهي 1896، حيث لاح أمامهم جبل الطور، الذي كلم الله موسى عليه، لترسو بهم السفينة في ميناء السويس، ثم قطعت قناة السويس لترسو صباح اليوم التالي في "بورت سعيد" (بورسعيد)، حيث نزل من السفينة، التي كانت وجهتها ميناء مرسيليه، ليركب يوم 8 كانون الثاني/ يناير إلى بيروت، التي وصلها بعد يومين، فكان يوم عودته تمام أربعة أشهر من خروجه منها.

الرحلة السابعة كانت إلى حلب، إحدى المدن السورية، والتي سبق أن زارها، ولهذا كان هدف زيارته هذه المرة هو الوقوف على ما استجد في  الحقبة الأخيرة، فيدون على صفحات المشرق ما يستحق الذكر مما جرى فيها، وخاصة بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وخضعت للانتداب الفرنسي، وانطلق إليها بالقطار مساء يوم 21 تموز 1921، فبلغ رياق، حيث انتقل إلى قطار آخر؛ يصفه بأنه "واسع الأسلاك ذي المراكب الرحبة المريحة"، ليمر القطار بمدينة حماة، ثم يواصل مسيره في مفاوز قاحلة تلوحها الشمس بنيرانها المحرقة، لتلوح في الأفق قلعة حلب، التي ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد، ويذكر أنه قد كان لموقعها الجغرافي وسط بلاد عامرة، وافرة الخيرات، لا تستغني عن المرور بها، دورًا كبيرًا في ازدهارها التجاري، إذ ضمن لها ترقيًا ونجاحًا، ولعل مستقبلها القريب يكون أفضل وأنجع من ماضيها، ويشير إلى أنها بحاجة إلى ماء الشرب، والإنارة سواء بالكهرباء أو بالغاز، وبحاجة ماسة إلى ترامواي يسير بين أحيائها المتفرقة، ويختتم بالتفصيل في الحياة الأدبية فيها، وما أصابها من ركود؛ نتيجة سياسة الاتحاد والترقي، ورغم ذلك بها عدة مدارس ثانوية، وعدة مدارس للإناث، وبها عدد من المطابع، التي تنشر من الجرائد: التقدم، الأمة، الصاعقة، النهضة، ومجلة الشعلة، كما أن بها بعض المكاتب الموقوفة على المجامع، كمكتبة الدار الأسقفية المارونية، ولسائر الطوائف مكاتب صغيرة، فيها بعض الكتب الخطية النفيسة، والمطبوعات الأوروبية القديمة، فضلًا عن أن لدى بعض الخاصة مكاتب تحتوي مخطوطات نفيسة، وأحسن مكتبة خاصة زارها في حلب مكتبة الوجيه الفاضل أسعد بك العينتابي، حيث جمع فيها معظم مطبوعات الشرق العربية مع بعض المخطوطات الدينية القديمة العهد، البديعة الكتابة، بينها ما كتبه المصنفون بيدهم فتتضاعف قيمته. ويقف شيخو مذهولًا أمام انصراف أهلها لأشغالهم، وصلاح أراضيها للزراعة، وتطورها الصناعي، الذي يكاد يجاري صناعة دمشق، وغناها بالمواشي والجياد والإبل، وأبنيتها الجميلة على الطرز الجديدة، والغالب على أهلها التجارة، كما يغلب على أهلها الأنس واللطف، وروح الدين شائعة بينهم، وتسود الألفة بين أهلها بالرغم من اختلاف الأديان.

الرحلة الثامنة والأخيرة كانت لزيارة آثار توت عنخ أمون في عام 1927، أي بعد خمس سنوات من إعلان الآثاري هيوارد كارتر عن اكتشاف مقبرة هذا الفرعون، ولم تكن هذه هي الزيارة الأولى لشيخو إلى مصر، فيذكر أنه سبق أن زارها عام 1885 ثم في عام 1907، وذلك لزيارة متحفها، ومشاهدة عادياتها العجيبة التي استخرجها الآثاريون من بواطن الأرض، فيعرف بالفرعون توت عنخ أمون، أحد ملوك مصر الفراعنة، وآخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، تولى بعد فترة اضطراب، وسعى لإعادة السلام للقطر المصري، ولكنه ودع الحياة بداء السل وهو في الثامنة عشرة من العمر، ومات ودفن في طيبة، حيث نجت مقبرته من اللصوص، الذين لم يقفوا إلا على حجرته الخارجية، فنبهوا كنوزها، دون أن ينجحوا في الوصول إلى غرفها الداخلية، والتي اكتشفت في يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، ونقلت إلى متحف قصر النيل في ثلاث سنوات بمراقبة العلماء والآثاريين الفرنج والمصريين، وهي تعد بالمئات، وعرضت بالطابق الأعلى من المتحف المصري، ومنها جثة الملك، ولفائفه وتوابيته، وصوره الكثيرة التي تمثله صغيرًا، وما هو على كماله الطبيعي منتصبًا، ومنها شعائر الملك، وتيجانه المتعددة، وعرشه الملكي، والأثاث الملكي، والمصابيح والمزهريات والآنية، التي تزدان بالذهب والعاج والمرمر، والزهور والصور، والآثار الدينية والعلمية، وخاصة اللفائف الكثيرة، التي كتبت على البردي بالخط الهيروغليفي، وتتضمن إفادات علمية وتاريخية، فضلاً عن أهمية آثاره في التعرّف على فنون المصريين القدماء الجميلة.


عدد القراء: 4048

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-