الطاقة الكهربائية وارتباطها بالتنمية الحضريةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2024-05-31 02:14:00

أ.د. عبد الله بن محمد الشعلان

قسم الهندسة الكهربائية - كلية الهندسة - جامعة الملك سعود - الرياض

تعد الطاقة بكافة صورها من أهم العوامل المؤثرة على حياة الإنسان وتطوره، ولقد أنعم الله جلت قدرته على الإنسان بالطاقة من مصادر أولية عديدة وبصور مختلفة تعينه على الحياة والسيطرة على سلاسلها على اختلاف أنواعها ومواردها، مثل الطاقة الميكانيكية والطاقة المختزنة في الوقود الأحفوري والمصادر المائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المحاصيل وطاقة الكتلة الحيوية وطاقة المد والجزر وغيرها من أشكال الطاقات المتعددة، ومنذ القدم اعتمد الإنسان على مصادر الطاقة الأولية وطوَّعها بما يحقق متطلباته ويخدم احتياجاته ويوائم راحته وتحسين أساليب حياته ومعيشته.

وعلى مر الأزمنة والعصور اختلفت درجة الاعتماد على مصادر الطاقة المتعددة تبعًا لاحتياجات ومتطلبات الإنسان وابتكاراته وملكاته وقدراته على تطويع أنواع  الطاقات بما يخدم أغراضه واستخداماته المختلفة، كما تطورت استخدامات الإنسان لأشكال الطاقة فبينما كانت الطاقة الميكانيكية والروافع التي ابتكرها الإنسان لنقل وتحريك الأشياء هي السمة الغالبة في البداية فقد شهد عصرنا الحاضر تطورات مذهلة  للحصول على الطاقة عن طريق حرق الأنواع  المختلفة من الوقود الأحفوري (الفحم، البترول، الغاز) لاستخدامها في توليد الطاقة الكهربائية إلى جانب استخدام المصادر المائية أو الطاقة الشمسية أو الرياح أو الطاقة النووية لتوليد تلك الطاقة. وفي المراحل الأولى للنشاط الصناعي كان يتم تأمين معظم الطاقة التي تُستخدم في تشغيل المصانع عن طريق حرق كميات من الوقود الأحفوري مما ينشأ عنه إنتاج كميات كبيرة من عوادم الاحتراق التي تتسبب في تلويث الهواء، كما أدى انتشار آلاف المصانع في بعض المناطق إلى زيادة حدة المشكلة بالإضافة إلى إنه لم يكن هناك لدى هذه المصانع برامج لقياسات والتحكم في انبعاثات التلوث والحد من تأثيراتها الضارة.

ولقد ساعد الاستخدام المتزايد للطاقة الكهربائية لتشغيل المصانع في التقليل من شدة تلوث الهواء الناشئ بسبب النشاط الصناعي المعتمد على الحرق المباشر للوقود الأحفوري. لذا جاءت الطاقة الكهربائية كركيزة أساسية في عمليات التنمية في الدول النامية والمتطورة على حد سواء من حيث تأثيرها المباشر وغير المباشر في زيادة الطاقة الإنتاجية واستكمال عمليات التنمية الإقليمية والحضرية للسكان بهدف لرفع إنتاجيتهم وتحسين مستوى معيشتهم وإيجاد فرص عمل لهم في المشاريع القائمة على استخدامات الطاقة الكهربائية، فالاعتماد على الطاقة الكهربائية في عمليات الإنتاج المختلفة يؤدي إلى مضاعفة الناتج الكلي لكافة الأنشطة التي تعمل في تشغيل الآلات الزراعية والمعدات الصناعية والأجهزة الطبية ووسائط النقل والمواصلات وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية. لذلك أضحت حياة الإنسان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطاقة الكهربائية حتى أن جُـل الدراسات التي تعني بتقدير استهلاك الطاقة الكهربائية غالبًا ما تعزو نمو الطلب إلى الطاقة الكهربائية وتطورها وإلى الزيادة المستمرة في عدد السكان وما يصاحب ذلك عادة من امتداد عمراني وتوسع في البنى الأساسية.

لقد أصبح الربط بين التنمية الحضرية ونمو الطلب على الطاقة الكهربائية ذا أهمية اقتصادية وحضارية كمؤشر صادق ومعيار دقيق على مدى النمو والتطور في مجالات التنمية المختلفة وعلى مدى ما يتحقق من ارتفاع في مستويات الدخل وأساليب المعيشة وكافة أنماط الحياة. وكما هو الحال والمشاهد في جميع أنحاء العالم فقد أصبح الاعتماد الكلي على الطاقة الكهربائية ظاهرة معروفة إلى الحد الذي يصبح معه أيُّ انقطاع في الخدمة الكهربائية أمرًا غير محتمل أو حتى مجرد تصوره لما تخلفه تلك الانقطاعات من آثار سلبية وتبعات سيئة على كل من جهة الإمداد (شركة الكهرباء) وجهة الطلب (المشتركون) على حد سواء، ولذلك بدأ المسئولون والمخططون في قطاعات الكهرباء يركزون جل اهتماماتهم وجهودهم على قضايا حساسة ومؤثرة مثل مضاعفة أعداد محطات القوى وتطوير أدائها وتعزيز شبكات النقل وتحسين كفاءتها حتى يتم نقل الطاقات الكهربائية من محطات التوليد إلى مراكز الأحمال ذات المواقع المتباعدة والأحجام المختلفة دون أيِّ فقد أو ضياع في الطاقات في تلك الشبكات. ولعل ثمة عوامل أخرى ساعدت على تنامي وتوسُّع استخدامات الطاقة الكهربائية تتمثل في ارتفاع مردود الاستثمارات في مجال إنتاج الكهرباء بالمقارنة بمجالات استثمارية أخرى، كما أفادت الدول النامية من تجارب الدول المتقدمة في عدم تحمل أعباء ونفقات البحث أو الاختراع أو تحسين أساليب الإنتاج في هذه الصناعة، هذا بالإضافة إلى عامل جوهري آخر ألا وهو الاستفادة من جهود هيئات الأمم المتحدة المتخصصة في تمويل ودعم مثل هذه البرامج التنموية.

وتشير إحدى دراسات البنك الدولي إلى أن مشاريع إنتاج الطاقة الكهربائية تعتبر ذات علاقة وثيقة ومباشرة بعمليات التنمية الحضرية في أيّ دولة من الدول سواءً أكانت دولة متقدمة أم نامية، وفي ضوء هذه العلاقة تتحدد عوامل متعددة منها على سبيل المثال أن الطاقة الكهربائية تعتبر  عنصرًا أساسيًا في كثير من القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والطبية والتقنية والحكومية والاستخدامات المنزلية، كما أن حجم الاستثمار في قطاع الكهرباء يعتمد على العلاقة التبادلية والتكاملية بين عناصر إنتاج الطاقة الكهربائية وعناصر الإنتاج في قطاعات الصناعة والزراعة وأية قطاعات أخرى، كذلك يؤدي انخفاض جودة العناصر المكملة لإنتاج الطاقة الكهربائية أو ندرتها إلى انخفاض حجم الطلب عليها وبالتالي تتأثر إنتاجية بقية القطاعات الأخرى المكملة لها أو المعتمدة عليها، كما أنَّ هذه العلاقة تتأثر أيضًا  بحجم ونوعية التسهيلات والإعفاءات والإعانات التي تقدمها الدولة لقطاعات الإنتاج الأخرى (المكملة أو البديلة) التي تشترك مع قطاع الكهرباء في إتمام عمليات التنمية، إذ أن انخفاض تكاليف تلك القطاعات يؤدي بالطبع إلى زيادة حجم الطلب عليها ومن ثم إلى زيادة الطلب على الطاقة الكهربائية وذلك على افتراض أنها عنصر إنتاج مكمل للكهرباء كما ذكر آنفًا.

وتشير الدراسات السابقة إلى أن نمو الدخل الوطني (أو نمو متوسط الفرد) خلال مراحل التنمية المتعاقبة عادة ما يصاحبه ازدياد في حجم استهلاك الطاقة الكهربائية، إذ من المعروف أنه في المراحل الأولية لهذه التنمية يكون استهلاك الطاقة الكهربائية مقتصرًا على حاجات أساسية ومحددة مثل الإنارة مثلاً، أما في المراحل المتقدمة لهذه التنمية فإن استهلاك الطاقة الكهربائية يتعدى ذلك إلى تلبية احتياجات أخرى أكثر تقدمًا وتعقيدًا مثل التدفئة والتكييف والتسخين والطهي والترفيه. ونظرًا لمميزات الطاقة الكهربائية التي من أهمها امكانيات نقلها إلى أماكن بعيدة جدا بسرعة الضوء وبساطة استخدامها وسهولة التحكم فيها ومستوى موثوقيتها العالية فقد تزايد استخدامها بشكل سريع حتى إنها تسهم حاليا في بعض البلدان بما يعادل أربعين في المائة من إجمالي الطاقات المستخدمة.

وعلى المستوى العالمي فإن الطلب على الطاقة الكهربائية قد نما وسيستمر في النمو وبمعدل أعلى من الطلب على الطاقات الأخرى، كما سيشهد المستقبل تعاظم استخدام الطاقة الكهربائية حيث إنها تمثل العنصر الأساسي للتنمية وخاصة في المناطق النائية والبعيدة والتي لا يوجد بها مصادر للطاقة. إن استخدام الطاقة الكهربائية يتم من خلال نظام كهربائي يشتمل على محطات لإنتاج الطاقة الكهربائية وخطوط نقل كهربية لنقل الطاقة المنتجة وشبكات توزيع لإيصالها لمراكز الأحمال ليتم استهلاك الطاقة الكهربائية بواسطة المشتركين (المستهلكون) في أغراض مختلفة ومتعددة منها الأغراض السكنية والتجارية والصناعية والزراعية وفي المباني الحكومية وفي إنارة الشوارع وفي غيرها من الأغراض المختلفة.

وتمثل مراحل الطاقة الكهربائية من المحطات العاملة بالوقود الأحفوري توليد الطاقة من تلك المحطات ثم نقلها عبر خطوط الجهد العالي حيث يتم توزيعها عبر شبكات التوزيع لاستخدامها واستهلاكها من قبل المشتركين النهائيين. ومن خلال هذه المراحل فإن جزءًا من تلك الطاقة قد يتم فقده، فإذا افترضنا أنه تم البدء في المرحلة الأولى (إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة الوقود الأحفوري) بمائة وحدة من الطاقة فإن 65 وحدة من الطاقة المختزنة في هذا الوقود يتم فقدها حراريًا وذلك يعني أنه في مرحلة تحويل طاقة الوقود الأحفوري إلى طاقة كهربائية يتم فقد حوالى 65% من الطاقة الكامنة في الوقود الأحفوري (نفط، غاز، فحم مثلاً)، وعند نقل وتوزيع الطاقة الكهربائية عبر شبكات النقل والتوزيع فإن جزءًا آخر من تلك الطاقة يتم فقده، فاذا كانت نسبة الفقد في الطاقة في شبكات النقل والتوزيع 7% من الطاقة  المولدة فإن ذلك يمثل فقد ثلاث وحدات من الطاقة الكامنة في الوقود وبذلك يكون إجمالي الفقد في الطاقة الكهربائية في مرحلة الاستخدام النهائي (68) وحدة ويتبقى (32) وحدة فقط، ومن هنا يتضح وجود مجالات وحوافز حقيقية لترشيد الطاقة الكهربائية وأن من الأهمية بمكان العمل على تعظيم الاستفادة النهائية من الطاقة وتحسين كفاءة الطاقة إنتاجًا ونقلاً وتوزيعًا واستخدامًا.

وعلى المستوى العالمي فإن مجالات الترشيد (الاستخدام الأمثل) في النظام الكهربائي متعددة وتشمل بشكل رئيسي محورين أساسين أولهما: الترشيد في جهة الامداد بالكهرباء (محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع) وثانيهما: الترشيد في جهة الطلب على الكهرباء (المشتركون)، فبالنسبة لجهة الإمداد فإن ترشيد الطاقة يتركز على رفع كفاءة الإنتاج بالاستغلال الأمثل للمصادر الطبيعية للطاقة والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية، طاقة الرياح) إلى جانب الاستخدام الأمثل للوقود وتخفيض معدلات استهلاكه في محطات التوليد وتطبيق أسس التشغيل الاقتصادي في النظام الكهربائي ورفع كفاءة وحدات التوليد المستخدمة بالإحلال والتجديد والصيانة الجيدة المجدولة وتخفيض الفاقد في كل مراحل النظام الكهربائي وتحسين كفاءة الأداء في معدات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع. ومن جانب آخر فقد برز الاهتمام عالميًا بالمحافظة على البيئة وحمايتها من التلوث ومعالجة المشاكل البيئية التي بدأت تلوح في الأفق مثل زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو وارتفاع درجات حرارة الهواء وتآكل ثقب الأوزون في الغلاف الجوي وازدياد نسب الأمطار الحمضية، ولمعالجة تلك المشكلات بدأت الدراسات البيئية وازدادت أهميتها عالميًا وإقليميًا وعقدت الكثير من المؤتمرات العالمية والاتفاقيات الدولية للحد من ظاهرة الاحتباس الحرارى وتزايد تركيز الغازات المنبعثة من جميع المصادر إلى الغلاف الجوي ومن بينها محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري. وأوضحت الدراسات البيئية أهمية وضرورة اللجوء إلى طرق وتقنيات ترشيد الطاقة في جميع صورها وأشكالها (ومن أهمها بالطبع الطاقة الكهربائية) كبديل للتوسع في إنشاء المزيد من محطات توليد الكهرباء التي تسهم بشكل كبير في تلوث البيئة واندثار سماتها ومعالمها الأثرية ومقوماتها الجمالية.

وفي وقتنا الحاضر فإن تخطيط مرافق الكهرباء وتشغيلها على أسس تجاريه واقتصادية والأخذ في الاعتبار اهتمامات للتنمية الحضرية يعتبر من العوامل المؤثرة على استراتيجيات شركات الكهرباء، ولذلك فإن تحديد الاستثمارات المخصصة لمشاريع الكهرباء تخضع للعديد من الدراسات والمناقشات حيث يجب إثبات أن هذه المشاريع ذات جدوى اقتصادية ومزايا فنية وأنها ذات تأثيرات غير ضارة بالبيئة، فعلى سبيل المثال لم يعد إنشاء محطة توليد أومد خطوط نقل وتوزيع الكهرباء من الأمور السهلة والتي يمكن تنفيذها على أساس الحاجة ومتطلبات الأحمال فحسب وإنما يخضع ذلك لدراسات فنية واقتصادية وبيئية شاملة ومتعمقة، وقد ينعكس ذلك على البرامج الزمنية للتنفيذ وعلى تغيير مواقع هذه المشاريع كما أن الجهات الممولة لهذه المشاريع تحتاج إلى مثل تلك الدراسات قبل الشروع في الموافقة على التمويل، وبناء على ذلك فإن برامج إدارة الطلب على الكهرباء والترشيد تعتبر الآن من أهم الاعتبارات التي تؤثر ليس فقط على إستراتيجيات شركات الكهرباء وخططها وبرامجها التوسعية المستقبلية ولكن أيضًا على انعكاساتها على التنمية الحضرية والمجتمعية، ولقد اثبتت الدراسات (في بعض الحالات)  أن برامج إدارة الطلب على الكهرباء وترشيد الطاقة تعتبر بديلاً منافسًا ومجديًا مقارنة بالبديل الذى يعتمد على إنشاء محطات توليد وشبكات نقل وتوزيع إضافية حيث إنها تمثل حلاً مثاليًا لمواجهة النمو المتزايد في الأحمال الكهربائية، وتبعًا لذلك تطورت استراتيجيات إدارة الطلب على الكهرباء وترشيد الطاقة بحيث أضحت واحدة من أهم استراتيجيات مرافق إنتاج الكهرباء في الوقت الراهن.

وفي الختام نستطيع أن نقول بأن الطاقة الكهربائية قد أسهمت بحق في تحويل حياة الإنسان من شظف وإرهاق في الأسلوب والممارسة إلى يسر ومرونة في التعامل والتطبيق.


عدد القراء: 696

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-