قصر نويشفانشتاين في المانيا .. إبداع استثنائي من جنون الملك لوفيكالباب: قصة مكان

نشر بتاريخ: 2015-08-24 01:47:02

فكر - المحرر الثقافي

على النقيض تمامًا من هذه الأطلال الويلزية تقع نويشفانشتاين وهي مسكن برجي كبير على قمة جبل البافاري ويحمل شبهًا كبيرًا من قلعة أخرى في متنزه معين على الطراز الأوروبي. هذا الإبداع الاستثنائي من جنون "الملك لودفيك  Ludwig " كان مصدر إلهام  للكثير من الفنانين والمصورين عبر الأجيال. يُنصح الزُوَّار بأن يأخذوا وقتهم لمشاهدة هذا القصر الفخم من الطرق الفرعية المجاورة للحصول على كامل الأثر الذي يتركه هذا القصر في النفس.

 

يقع القصر في جنوب ألمانيا، بالقرب من هوهينشفانغاو وفوسين الذي تم بناؤه من قبل والد لودفيك الثاني ماكسميليان الثاني ملك بافاريا في جنوب غرب ولاية بافاريا، ليس بعيداً عن الحدود النمساوية.

يعني اسم القصر حرفيًّا "حجر البجع الجديد"، سمي بذلك نسبة إلى فارس البجع، لوهينغرين، أحد شخصيات أوبرا للمؤلف الموسيقي فاغنر. يقال عن القصر بأنه أكثر بنايات العالم التي تم تصويرها وهو أحد أشهر معالم ألمانيا.

في عام 1869م بدأ الملك الشاب لودفيك الثاني ملك بافاريا الذي عرف تحت اسم "الملك لودفيغ المجنون". في بناء القصر على الطراز الروماني القديم في أعلى مكان يمكن الوصول إليه داخل منطقة حكمه، ورأى أن أنسب مكان لهذا الغرض هو إحدى التلال العالية على جبال الألب البافارية التي ترتفع 800 مترًا.

ويبدو أن لودفيج كان مغرمًا بفكرة البناء فقط دون أي هدف عملي يريده من ورائها، سوى أنه يريد توفير ملجأ آمن له في آخر حياته، فقد أمر ببناء قلعتين إضافيتين بالتوازي مع هذا القصر، وأنفق عليها ببذخ من ماله الخاص، لكنه توفي قبل إتمام البناء.

تم تصميم القصر من قبل المهندس كريستيان يانك واستغرق بناؤه 17 سنة.

كان الملك لودفيج يتابع العمل بنفسه ويزور موقع البناء كل مدة، وأمر بأن يكون القصر مغطى بألواح الحجر الجيري ذي اللون الأبيض ليتناسب مع لون الجليد المحيط بها من جميع الجهات، إلا أن الأسرة الحاكمة انزعجت من تبذير الملك للمال في بناء قلاع لا تكتمل ولا جدوى منها، لذا أعلنوا جميعًا بأن الملك لديه مرض عقلي ولا يصلح للحكم، ونفوه إلى قلعة بيرج Berg Castle في 1886م، وبعد أيام معدودة وجدوا جثته طافية في بحيرة Starnberg، ولا تزال وفاته لغزًا حتى الآن، فلا يدري الجميع ما إذا كان انتحاراً أم قتلاً، وتوقف بناء القصر من ذلك اليوم وحتى الآن.

بعد أسابيع من هذه الحادثة فتحت الأسرة الحاكمة قلعة نويشفانشتاين للجمهور العام، حيث يتم دخولها وزيارة غرفها الأربعة عشر مع مرشد سياحي، وتحول من قصر كان يراد أن يكون آمنًا ومعزولاً ولا يصل إليه الناس ليحتمي به الملك في آخر حياته إلى قصر يزوره كل الناس بعد وفاته، حتى إنه من أكثر القصور زيارة في أوروبا كلها، ومنذ افتتاحه للزيارة عام 1886 زاره أكثر من 60 مليون شخص، ويزوره يوميًّا خلال الصيف قرابة ستة آلاف سائح من داخل وخارج ألمانيا، ومن شهرته أصبحت علامة بارزة في الأفلام الألمانية حينما يراد الإشارة إلى مقاطعة بافاريا.

كثير من الروائع الفنية المرسومة على جدران القصر، تم استيحائها من أعمال فاغنر، الذي كان لودفيغ الثاني مولوعًا فيه وفي أعماله. تم فقط استكمال تزيين 14 غرفة من غرف القصر الـ 360 وبقيت الغرف الأخرى خالية من أي أعمال فنية أو أثاث.

يرتفع القصر 800 مترًا فوق سطح البحر، مما يتيح للزائر رؤية الحدود الألمانية النمساوية منها. يؤدي طريق ضيق مرتفع إلى بوابة القصر الرئيسية. يوجد بالأبراج المحيطة بالقصر بيت درج دائري. غرفة العرش، التي في الواقع لا تحتوي على أي عرش، تقع في مؤخرة القصر في الدور الرابع. استغرق بناء سرير الملك الذي يقع في غرفة نوم الملك، مدة سنتان. ويوجد في القصر ساحة داخلية كبيرة.

وقد أعدت القصر بناءً على خطة مدروسة جيدًا بحيث تكون نموذجًا حديثًا حينذاك، فقد اشتملت على كافة الوسائل المتطورة من مضخات ترفع الماء لجميع الطوابق الأربعة، كما اشتملت على نظام لتدفئة الهواء في تلك المنطقة المتجمدة شتاءً، ونظام لتوفير الماء الساخن لدورات المياه والمطابخ.

في بداية زيارة للقصر يشاهد الزائر الطابق الأول وما به من قاعات الاستقبال وغرف الخدم، وينتقل منه إلى الطابقين الثالث والرابع مباشرة لمشاهدة غرف الملك وأجنحته الفاخرة، أما الطابق الثاني لم ولن تكتمل غرفه، لذا يكون هو المحطة الأخيرة بعد انتهاء الجولة لتناول الوجبات والمشروبات الساخنة في المقاهي التي بنيت فيه.

في الطابق الثالث يوجد صالون الملك على شكل حرف L، وتفصله عدة أعمدة عن بقية الغرف، وجميع المفروشات والأثاث به تأخذ شعار طائر البجعة الذي اتخذه الملك لودفيج الثاني شعارًا له، ويجاور الصالون غرفة الدراسة والتي يتوسطها مكتب كبير كان يجلس عليه الملك يمارس هوايته في التأليف والكتابة، ومازالت مؤلفاته موجودة بالقصر.

بين الصالون وغرفة الدراسة مكان لا تجده في جميع القصور الملكية في العالم، وهي مغارة صناعية، حيث أراد الملك عمل كهف به شلال صناعي وتأثيرات ضوئية، وجعل الكهف له باب زجاجي شفاف ليستطيع رؤية جبال الألب وما يحيط بها في أثناء الجلوس في هذا الكهف الغير تقليدي.

أما قاعة العرش أو ما يعرف بالـ Throne Hall فهي قاعة في منتهى البذخ تحتل الجزء الغربي من القصر، ومزينة بصور نباتات ونجوم، وقد استلهم الملك تصميمها من قاعات الكنائس الموجودة في وقتها التي كانت على الطراز البيزنطي، مما يعطي انطباعًا بأن الملك لودفيج الثاني كان يعد نفسه وسيطًا بين الناس وبين خالقهم، أما أهم قطعة في هذه الغرفة فهي مفقودة ولا يعلم أحد مصيرها إلى الآن، وهي كرسي العرش.

بعد ذلك نجد غرفة طعام الملك، وقد تم تزويدها بنظام جرس كهربائي وقتها بحيث يتم استدعاء الخادم في أي وقت يريده الملك، وفي الغرفة مائدة الطعام المصنوعة من الرخام والبرونز المذهب، ومفارش المائدة مصنوعة من الحرير الأحمر.

يليها غرفة النوم وبها نافورة مطلية بالفضة على شكل بجعة، وقد أولى الملك اهتمامًا كبيرًا بالغرفة حتى أن العمل بها وحدها استغرق أربع سنوات ونصف.

في نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تخزين أموال من الخزينة الألمانية في القصر لحمايتها من القصف الجوي لدول الحلفاء. تم حمل هذه الأموال الطائلة إلى مكان آخر مجهول بعد ذلك، حسب أحد الشائعات، يقال: إنه تم رمي الأموال في بحيرة ألات القريبة. تم حفظ رسومات وقطع أثاث قيمة ومجوهرات في القصر أيضًا في أثناء مدة الحرب.

تفتح قلعة نويشفانشتاين أبوابها يوميًّا من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، عدا يوم 1 يناير وآخر أسبوع من ديسمبر، وتكلفة التذكرة 12 يورو، ومجانًا لمن هم دون الثامنة عشرة، ويرافقك مرشد سياحي باللغتين الإنجليزية أو الألمانية.


عدد القراء: 2415

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-