كيف ساهمت باريس في تشكيل حركة الفن والثقافة المعاصرة؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 01:27:10

فكر - المحرر الثقافي

آنيس بواريه - كاتبة فرنسية

تتحدث الكاتبة آنيس بواريه عن كتابها الجديد "الضفة اليسرى"، الذي تستكشف فيه الأسباب التي جعلت العاصمة الفرنسية باريس محورًا للحياة الفنية والفكرية في أربعينيات القرن الماضي.

ما الذي يجمع بين كل من نورمان ميلر، وسول بيلو، وألسويرث كيلي، وسيمون دي بوفوار، وألبرتو جياكوميتي، وألبير كامو، وجان بول سارتر، وجوليت غريكو، ومايلز ديفيس، وبوريس فيان، وألكسندر كالدر، وصمويل بيكيت، وجيمس بالدوين، وجانيت فلانر، وآرثر كوستلر، وريتشارد رايت، وإروين شو؟ الرابط المشترك بين كل هؤلاء أنهم كانوا خلال فترة شبابهم معًا في باريس.

ولذا، فإن كتاب "الضفة اليسرى" يمثل لوحةً تتضمن تفاصيل حياة هؤلاء، الذين وُلِدوا في الفترة ما بين عامي 1905 و1930، وعاشوا وتحابوا وقاتلوا ومارسوا اللهو والمرح، وتألقت مواهبهم وازدهرت في باريس في العقد الخامس من القرن العشرين (1940 - 1950). وهم أولئك الذين لا يزال إنتاجهم الفكري والفني يؤثر على الطريقة التي نفكر بها ونحيا بها، بل ونختار على أساسها ما يروق لنا من صيحات أزياء.

فبعدما تشكلت شخصيات هؤلاء في أتون فظائع الحرب العالمية الثانية التي علمتهم الكثير، مثلت باريس البقعة التي اجتمعت فيها أكثر الأصوات أصالة في العالم وقتذاك، في غمار محاولات أصحابها العثور على بديلٍ مستقل ويتسم بالأصالة لنموذجي الرأسمالية والشيوعية اللذين كانا سائدين في ذلك الوقت؛ وذلك للسير على دربه في الحياة والفن والسياسة. باختصار البحث عن "طريقٍ ثالث".

ورغم أن هؤلاء الشبان والشابات، من روائيين وفلاسفة ورسامين ومصورين فوتوغرافيين وشعراء وصحفيين وناشرين وكُتاب مسرح - وكلهم كانوا في بداية مسيرتهم - قد تشكلوا جميعًا بفعل محن الحرب العالمية الثانية، فإنهم لم يتشاطروا جميعًا على الدوام الرؤى السياسية أو الثقافية نفسها.

لكن جمعتهم ثلاثة أشياء: مرورهم بخبرة الحرب، ولمسة الموت التي مستهم، إضافة إلى البهجةِ التي عمتهم بتحرير باريس.

وقد وعد هؤلاء أنفسهم بإعادة إحياء عالمٍ كان يرقد وسط الرماد. أردت أن أروي قصة ما نتج عن تضافر جهودهم وتآزرها، وهو ما أدى إلى تغيير وجه الحياة من حولهم، وأن استكشف ما كانت باريس ما بعد الحرب مسرحًا له، من مجالاتٍ خصبة لتفاعل الفن والأدب والمسرح والفلسفة والسياسة والسينما والأنثروبولوجيا (علم الإنسان).

فبعد أربع سنوات من الاحتلال النازي والعذاب اليومي، ظهرت في باريس ساحات للنقاش المحتدم وتبادل البيانات السياسية والثقافية، وطرح الخطط والاستراتيجيات المتباينة لحل المشكلات.

وتمثلت هذه الساحات في صالات العرض في المدينة، بجانب شوارعها ونوادي موسيقى الجاز فيها، فضلاً عن مقاهيها ومطاعمها الصغيرة، وكذلك مكتباتها ومحال بيع الكتب في أنحائها، جنبًا إلى جنب مع عددٍ وافر من الصحف اليومية والدوريات الشهيرة التي ظهرت في السنوات الأخيرة للحرب، وتتضمن مراجعاتٍ لكتب أو مقالات.

ومن بين أبرز الدوريات التي صدرت في تلك الفترة، صحيفة حملت اسم "كومبات" (الكفاح) التي كان يحررها ألبير كامو، بجانب مجلة "الأزمنة الحديثة" التي أسسها جان بول سارتر، وكانت تكتب فيها الكاتبة الشهيرة سيمون دي بوفوار، وهي المطبوعة التي أُطْلِقَ عليها هذا الاسم المستلهم من فيلم يحمل نفس الاسم للممثل الشهير تشارلي شابلن.

ولا يمكن أن نغفل هنا بالطبع العدد الكبير من المجلات الصادرة باللغة الإنجليزية، التي صدرت بعد ذلك ببضع سنوات واتخذت من باريس مقرًا لها، واستهدفت تلبية احتياجات هذا الحشد متعدد الجنسيات من الجنود الأمريكيين السابقين والطلاب الذين تدفقوا على هذه المدينة من دولٍ شتى.

وقد تباهت هذه المطبوعات - التي عاشت حالةً من الازدهار الشديد وطُبِعتْ جميعًا في مربعٍ لم تزد مساحته على ميلٍ مربعٍ واحد - بأن جماهيرها لم تقتصر على القاطنين في باريس وحدها، بل شملت ما وراء ذلك أيضًا.

فعندما كان كتاب الأعمدة والمقالات والفنانون يصيحون على جادة سان جيرمان، كانت أصداء صيحاتهم تدوي في مدنٍ مثل مانهاتن، والجزائر العاصمة، وموسكو، وهانوي، وبراغ.

وكان صناع القرار في أوروبا وأماكن أخرى في العالم ينصتون إلى هؤلاء المفكرين والكتاب والفنانين تحديدًا، ويَتَبِعون خطاهم، لأن صرخاتهم انطلقت من باريس وليس سواها.

وقد صاغت هذه المجموعة من الإخوة والأخوات - ممن اجتمعوا معًا في باريس- نواميس جديدة. فقد أسسوا نمطًا مختلفًا من الصحافة عُرِف بـ"الصحافة الجديدة".

ورغم أن هذا الاسم لم يُطلق على تلك المدرسة الصحفية رسميًا سوى بعد عقدٍ كامل من خروجها إلى النور، فإنها وُلِدت في تلك الحقبة بداخل الغرف العابقة بدخان السجائر في الفنادق الواقعة على الضفة اليسرى جنوب نهر السين، لتُطمس إلى الأبد الفوارق بين الأسلوب المستخدم في الكتابة الأدبية وذاك المتبع لإعداد التحقيقات الصحفية.

حينذاك، وارى الشعراء والكُتّاب المسرحيون المدرسة السريالية على مهلٍ، وابتكروا مسرح العبث، أما الرسامون الناشئون فتجاوزوا بأعمالهم مذهب "الواقعية الاشتراكية"، ووصلوا بمذهب "التجريد الهندسي" إلى حدوده القصوى، وتبنوا مدرسة "التصوير الانفعالي" في الرسم.

ولم يغب الفلاسفة عن المشهد، فقد ابتكروا مدارس فكرية وفلسفية جديدة مثل "الوجودية"، دون أن يمنعهم ذلك من تأسيس أحزابٍ سياسية.

في الوقت ذاته، وجد الكتاب الطموحون أصواتهم الأدبية على ضفاف قنوات باريس المائية الضيقة، وفي غرف سكن الطلاب المتداعية في منطقة "سان جيرمان دي بريه" - الواقعة في الدائرة السادسة بالعاصمة الفرنسية - بينما ابتكر آخرون ما يُعرف بتيار "الرواية الفرنسية الجديدة" أو "الرواية الجديدة".

أما المصورون الفوتوغرافيون، فقد حسّنوا من وضعهم كأصحاب حقوق نشرٍ لصورهم وأعمالهم، بفضل وكالات صحفية مثل "ماغنوم". أما الكتاب الأمريكيون، الذين كانت أعمالهم تخضع للرقابة في بلادهم مثل هنري ميللر، فقد نشروا أعمالهم باللغة الفرنسية أولاً.

بجانب هؤلاء، وجد عازفو موسيقى الجاز من سود البشرة - ممن فروا من التمييز العنصري في وطنهم الولايات المتحدة - من يعشقونهم لدرجة التقديس في صالات الحفلات الموسيقية ونوادي الجاز في باريس، تلك التي لاقى فيها ما يُعرف بـ"موسيقى جاز نيوأورليانز"، أو "ديكسيلاند" - وهو أحد أنواع موسيقى الجاز - تقديرًا تأخر لأمدٍ طويل.

بالتزامن مع ذلك كان الـ"بيبوب" - وهو نوعٌ آخر من ذلك اللون الموسيقي - يبرز على السطح ويزداد قوة. في ذلك الحين، جرب بعض المنتمين للكنيسة الكاثوليكية الإيديولوجية الماركسية، فيما ابتدع شخصٌ حاذقٌ في استخدام الألوان يُدعى كريستيان ديور، صيحةً جديدة في عالم تصميم الأزياء حملت اسم "نيو لوك"، وأسكرت العالم بسحرها، وذلك بعدما هجر عمله السابق كمالك صالة عرض للأعمال الفنية وتحول إلى مجال التصميم.

وفي الفترة التي تلت عام 1944 غلبت السياسة على كل شيء، ولم يكن هناك من مهربٍ منها. وكان ذاك الحشد متعدد الجنسيات المقيم على "الضفة اليسرى" في باريس على علمٍ بذلك، وقد قام أفراده بكل ما في وسعهم لتمحيص ونقد السياسات التي كانت الولايات المتحدة تنتهجها، وكذلك الرؤى التي كان الحزب الشيوعي السوفيتي يتبناها.

وكانت باريس بالنسبة لهم ملاذًا وجسرًا للتفكير بشكلٍ مختلف، سواءٌ بسواء. وقد فتح هؤلاء الباب أمام إمكانية وجود "طريق ثالث"، عبر تبنيهم بحماسة للطابع المثالي الكامن في فكرة إقامة منظمة مثل الأمم المتحدة، واحتفائهم بوميض تصور "المدينة الفاضلة"، فيما سيتبلور في ما بعد ليصبح "الاتحاد الأوروبي".

في الفترة التي يتحدث عنها الكتاب، كان للمرأة دورٌ محوري. وقتذاك، شكلت عودة لوحة "الموناليزا" إلى جدران متحف اللوفر بعد ست سنوات أُخفيت فيها خلال الحرب، بشيرًا ببداية حقبة جديدة، أُسِستْ فيها مجلة "إل" وحُرِرت على يد فرانسواز جيرو، ابنة التسعة والعشرين عامًا، التي ستصبح بعد 29 عامًا أخرى بالتمام والكمال وزيرةً في الحكومة الفرنسية.

وبينما لفظت كوليت، سيدة الأدب الفرنسي لعقودٍ طويلة، أنفاسها الأخيرة، وُريت الثرى كذلك معها الشخصيات الخيالية التي كانت تُصوّر سيداتٍ من فرنسا القرن التاسع عشر مشكوكًا في أخلاقهن ومكانتهن الاجتماعية.

وأصبحت دي بوفوار والممثلة بريجيت باردو وجهين جديدين للحركة النسوية، سرعان ما سيستسلم لهما العالم. وفي هذه البيئة التي غلب عليها الطابع الذكوري، لم تستطع سوى السيدات القويات للغاية البقاء بل وترك بصمة لهن كذلك. فقد كان على هؤلاء النسوة أن يَكُنَّ شرساتٍ ومشاكساتٍ في تلك السنوات، إذا كُنّ يُرِدن أن يمضين في طريقهن كذوات شخصيات مستقلة، ولسن كمرافقاتٍ لهذا الرجل النبيل أو العظيم أو ذاك.

وكان من اللافت أن النساء اللواتي رفضن أن يَكُنَّ مجرد زوجات أو عشيقات - أكثر من رفضهن في الأغلب لأن يجري استغلالهن من جانب رفاق حياتهن المشاهير وغير المخلصين في الوقت نفسه - كُنَّ كلهن تقريبًا ثنائيات الجنس، بل ونسخًا أنثوية من الشخصية الأسطورية المعروفة باسم "دون جوان"، وهو زير نساء وعاشقٌ أغوى - بحسب الأسطورة - أكثر من ألف امرأة.

على أي حال، فقد وضع كل هؤلاء - رجالاً ونساءً، فنانين ومفكرين، نواميس وقواعد ومعايير جديدة، وأنجزوا سلسلةً من النجاحات التي لا يمكن إنكارها، كما خلّفوا قائمةً طويلةً من الإخفاقات.

وفي عملٍ بحثي يحمل اسم "ماضٍ غير مكتمل: المثقفون الفرنسيون بين عامي 1944 - 1956"، يتناول "توني جَدت تلك الإخفاقات. وتبدو مشاعر خيبة الأمل والنقمة التي تنضح من أوراق هذا العمل الأكاديمي أشبه بتلك التي تصدر عن عاشق ازدراه محبوبه وصد هواه.

وبنظر هذا الرجل فشل مثقفو باريس في تغيير العالم، رغم ما كان لديهم من نفوذٍ وتأثيرٍ طاغٍييْن حظوا بهما، بفضل الظروف المحيطة بهم وما تحلوا به من عبقرية.

ويقول جَدت إن "التناقض المتمثل في ترافق فشل المفكرين الفرنسيين في تحقيق الآمال التي عُقِدت عليهم من جانب المعجبين بهم، مع التأثير الكبير الذي كان للحياة الفكرية الفرنسية في دولٍ غربية أخرى، اكتسب تأثيرًا حاسمًا على تاريخ الحياة في أوروبا ما بعد الحرب".

ولكن هذا الرجل - الذي تشكلت شخصيته هو نفسه بفعل طريقة التفكير الفرنسية - لن يغفر أبدًا لسارتر ورفاقه أنهم خذلوا معاصريهم، عندما كانوا في أمس الحاجة إليهم. بل إنه يطلق على كتابه اسم "مقالة في عدم المسؤولية الفكرية والثقافية".

ولكن مسألة أن هؤلاء الرواد كان يُتوقع منهم من الأصل أن يغيروا العالم، تطرح سؤالاً بشأن الكيفية التي أثاروا بها هذا الأمل الجامح بشدة.

وهكذا فإن "الضفة اليسرى"، هو كتابٌ يدور حول عدم مسؤولية النخبة الفكرية والثقافية التي عاشت في باريس ما بعد الحرب العالمية الثانية، وعن تلك الحالة - التي سادت المدينة في الوقت ذاته - من التوهج السياسي والفني والمعنوي، سواءٌ بسواء.

 

المصدر: BBC Culture


عدد القراء: 2269

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-