معهد العالم العربي جسر ثقافي بين فرنسا والعربالباب: قصة مكان

نشر بتاريخ: 2017-02-03 12:56:44

فكر - المحرر الثقافي

لم يكن تنفيذ مثل هذا المشروع فـي البداية سهلاً، خاصة وأنه كان محاطًا بمعارضة شديدة من بعض المعارضين لهذا المشروع سواءً من أطراف داخل الحكومة الفرنسية أو من الرأي العام. ونذكر على سبيل المثال أنه عندما وقع اختيار الأرض المخصصة لبناء المعهد فـي الدائرة الخامسة عشرة، جوبه هذا الاختيار بموجة من الاحتجاجات الشعبية، مما دفع برئيس بلدية باريس آنذاك جاك شيراك إلى اختيار موقع آخر ملاصق لجامعة «جوسيو» فـي الحي اللاتيني، وتمرير المشروع على أنه مجرد مؤسسة أكاديمية بحثية، إذ كان كل ما يُذكرّ بالعرب والإسلام فـي نظر معارضي المشروع، مرتبطًا بالتخلف الاجتماعي والبؤس الحضاري.

تأسس معهد العالم العربي في باريس عام 1980م بعدما اتفقت فرنسا مع عدد من الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية على تأسيس مؤسسة للتعريف بالثقافة والحضارة العربيتين في فرنسا، وجعلها جسرًا بين فرنسا وأوروبا من جهة، والعالم العربي من جهة ثانية. وقد أرادت فرنسا أيضًا، من خلال هذا المعهد الخاضع للقانون الفرنسي والمسجل كمؤسسة ذات نفع عام، أن تدعم علاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية في العالم العربي، وهي علاقات تاريخية قديمة ترجع إلى أزمنة بعيدة.

ومنذ تأسيس معهد العالم العربي يرأسه رئيس فرنسي يرشحه رئيس الجمهورية الفرنسي، أما مديره العام فهو عربي ويختاره مجلس سفراء الدول العربية المؤلف من 22 دولة.

يقع المعهد في الدائرة الخامسة في قلب العاصمة الفرنسية بالقرب من عدد من الصروح والمعالم التاريخية العريقة، كجامعة جوسيو، وجامع باريس الكبير، وثانوية هنري الرابع، وقد أشرف على بنائه مجموعة من المعماريين، ومنهم جان نوفيل الذي يتمتع اليوم بشهرة عالمية بالتعاون مع مكتب «أرشيتكتور أستوديو» للهندسة. وقد جاء جامعًا لتأثيرات ثقافية وفنية متعددة، فهو يزاوج بشكل متناسق بين التقليد والحداثة، بين «الجوانية» التي تميز الهندسة المعمارية فـي الوطن العربي وبين التأثيرات والانفتاحات الغربية على هذه الهندسة.

يتميز المبنى بطابعه الحديث الذي يستوحي بعض عناصر العمارة العربية الإسلامية، فواجهة البناء الشمالية تتوجه نحو باريس التاريخية وترمز إلى العلاقة مع المدينة القديمة الحاضرة فـي رسومات مُعبِّرة، أما في واجهته الجنوبية حيث تطالعنا عناصر معمارية مستقاة من المشربيات المؤلفة من نوافذ صغيرة تنغلق وتنفتح مع تبدل حركة الضوء. افتتح المعهد عام 1987م في عهد الرئيس الراحل فرنسوا ميتران المعروف برعايته لعدد مهم من المشاريع الثقافية الكبرى التي أصبحت اليوم من معالم باريس الأساسية، ومنها «مكتبة فرنسا الوطنية»، و«متحف اللوفر الكبير»، وهرمه الزجاجي، وقوس النصر الكبير، وأوبرا الباستيل…

لعب معهد العالم العربي دورًا كبيرًا فـي ردم الهوة الكبيرة التي كانت تتسع يومًا بعد يوم بين الجالية العربية والإسلامية فـي فرنسا من جهة وبين المجتمع الفرنسي من جهة أخرى.

فعلى مدى خمسة عشر عامًا، أصبحت المعارض الكبرى التي ينظمها المعهد ذات مقاييس ثقافية عالمية تجذب إليها مئات الآلاف من الزائرين، مثلها مثل المعارض الكبرى التي ينظمها متحف اللوفر أو مركز جورج بومبيدو، أو القصر الكبير .. من مصر الفرعونية إلى مصر الفاطمية أو القبطية، أو سوريا مهد الحضارة الإنسانية، والسعودية بمدنها وتراثها الإسلامي، إلى اليمن القديم والمغرب وتونس والجزائر .. كل هذه الدول استطاعت أن تعرض كنوزها الفنية والجوانب المضيئة من تراثها على جمهور متعطش.

منذ افتتاحه حتى اليوم، أقيمت في المعهد مئات النشاطات الثقافية في مختلف المجالات، ومنها الفنون، والسينما، والإصدارات الجديدة، والندوات الفكرية التي تستضيف الشخصيات العربية والفرنسية. كما أن المعهد يضم مكتبة كبيرة تحتوي على آلاف الكتب، وتضمّ متحفًا جميلًا أعيد افتتاحه عام 2012م، وهو يعرّف بحضارة العالم العربي، مركّزًا على تنوعه الديني والإثني واللغوي منذ مرحلة ما قبل الإسلام.

في موازاة النشاطات الأسبوعية، تقام في المعهد المعارض الموسمية الكبرى التي تستقطب آلاف الزوار، ومنها المعرض الذي يتواصل حتى نهاية الشهر الجاري تحت عنوان «حدائق الشرق»، ويروي مسيرة الحدائق في العالمين العربي والإسلامي، مبيّنًا استنادها إلى أسس جمالية وهندسية وروحية مستمدة من الموروث الثقافي العربي الإسلامي عبر العصور. وبهذه المناسبة، أنشئت في باحة المعهد حديقة تجسّد هذا الطراز من الحدائق وتستمر طوال مدة إقامة المعرض. إنها حديقة عابرة ومؤقتة يتفاجأ بها الزائرون والعابرون من هناك حيث القلب التاريخي لمدينة باريس.

وقد وَلّدت هذه المعارض الكبرى لدى الجاليات العربية فـي فرنسا شعورًا بالاعتزاز بالانتماء إلى حضارة عظيمة كانت لها إسهامات أساسية فـي مسيرة الحضارة الغربية التي تعيش اليوم فـي أحضانها. كما أنها من جهة ثانية قدّمت للجمهور الغربي عامة والفرنسي خاصة، صورة مشرقة عن الحضارة العربية التي كانت فـي أساس الحضارة الغربية علميًّا وفكريًّا وفنيًّا. ولم يقتصر نشاط المعهد على المعارض الكبرى فقط، بل ساهم فـي طبع مئات الكتب و(الكاتالوجات) الفنية الراقية عن العالم العربي، وساهم فـي ترسيخ فكرة واضحة عن الثقافة العربية فـي أذهان جيل كامل من الفرنسيين والأوروبيين.

ويضم المعهد متحفًا متميزًا للفن العربي الحديث ومكتبة ومركز توثيق ومعلومات وقاعات محاضرات وعرضًا ومتحفًا للسينما العربية وقسمًا للموسيقى العربية وقسمًا للفن الفوتوغرافـي وقاعة للصوت والصورة ومكتبة لبيع الكتاب العربي أو المتخصص بالوطن العربي وقسمًا للنشر ومركزًا لتعليم اللغة العربية.

ويقوم المعهد بتنظيم معرض دوري للكتاب العربي ومهرجان للسينما والشعر وتنظيم نشاطات للأطفال وندوات ومؤتمرات متعددة واستقبال العروض الفنية العربية، إضافة إلى إصدار مجلات متخصصة أبرزها مجلة «قنطرة».

وليس من المبالغة فـي شيء القول أن هذا المعهد بهندسته المعمارية الرائدة وخدماته الثقافية الثرية والمتنوعة أصبح اليوم معلمًا بارزًا من معالم باريس الثقافية الأكثر ارتيادًا وجاذبية. وفوق هذا وذاك، أصبح معهد العالم العربي فـي باريس خلال هذه الأيام العصيبة معقلاً من معاقل الحوار بين الحضارات التي لا بد من الحفاظ عليها.

 


عدد القراء: 875

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-