الطيب صالح .. عبقري الرواية العربيةالباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2017-11-07 11:34:10

فكر - المحرر الثقافي

استحوذ الكاتب السوداني الطيب صالح خلال حياته, على مكانة لدى محبي أدبه - لم يسبقه إليها روائي عربي آخر- لذا لم يجد هؤلاء أي مبالغة في تتويج النقاد العرب الكبار له كـ"عبقري الرواية العربية".

ولد صالح في 1929 في إقليم مروى شمالي السودان بقرية كَرْمَكوْل بالقرب من قرية دبة الفقيرة, وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها تقع على ضفاف نهر النيل تتبع لمنطقة الدبة في شمال السودان، عند منحنى نهر النيل، في ما يعرف بديار الكابية.

يقول الراحل صالح، في هذا الخصوص: «كانت أمهاتنا صغيرات السن، ففارق العمر بيني وبين والدتي سبع عشرة سنة، أذكر أننا كنا نلعب مع أمهاتنا ومن كن في جيلهن.. لها ذاكرة قوية وشديدة الحفظ، تقف في حلقة المديح فتحفظ كل ما يقال، وقد سمعتها مرارًا تروى المدائح والأغاني وشعر الدوبيت (شعر البادية في السودان)».

في طفولته درس بالخلوة لحفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، حين بلغ الثامنة انتظم في المدرسة الأولية، درس المدرسة الابتدائية بمدينة بورتسودان، الميناء البحري السوداني على البحر الأحمر شرق البلاد. درس صالح الثانوية بمدرسة وادي سيدنا الثانوية في مدينة أم درمان. قُبل بكلية الخرطوم الجامعية إبان الاستعمار الإنجليزي، التي تحولت فيما بعد إلى جامعة الخرطوم، وعلى الرغم من تميزه في العلوم فإن ميوله الأدبية كانت تدفعه إلى كلية الآداب. ولم يجد استجابة لنقله إلى كلية الآداب، ترك الدراسة الجامعية إلى مهنة التدريس، وعمل مدرسًا بالمدرسة الأهلية الوسطي بمدينة رفاعة.

وقد حمل قيم تلك القرية ومواصفاتها إلى الخرطوم ثم إلى أوروبا وحافظ عليها حتى مماته في 18 فبراير/شباط 2009، على ما قال أحد محبيه من السودانيين.

هاجر صالح إلى لندن عام 1953 محولاً اختصاصه من العلوم الطبيعية إلى "الشؤون الدولية". وفيها عمل في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية BBC وترقى لاحقًا ليصبح رئيسًا لقسم الدراما.

وفي ذات العام كتب أول نص قصصي له بعنوان "نخلة على الجدول" وأذاعه عبر الإذاعة ذاتها. وأعقبه بـ"دومة ود حامد" العمل الذي يتناول حياة قرويين سودانيين يتمسكون بأرضهم وقيمهم. ونُشر العمل في العام 1960 بمجلة "أصوات" المتخصصة بالثقافة في لندن، وقد قام محرر المجلة المستشرق ديفد جونسون بترجمتها.

"موسم الهجرة إلى الشمال"

تشير بعض المعلومات إلى أن الطيب صالح بدأ بكتابة رواية موسم الهجرة إلى الشمال أثناء إجازة في الجنوب الفرنسي عام 1962، وانقطع عنها أربع سنوات، ثم أنجزها لتنشر في مجلّة "حوار" البيروتية عام 1966 وأعادت دار العودة نشرها في بيروت ثم نشرتها سلسلة "الهلال" بالقاهرة.

كان صدور روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" والنجاح الذي حققته سببًا مباشرًا في التعريف وجعله في متناول القارئ العربي في كل مكان، وتمتاز هذه الرواية بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية واعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورته الواضحة، سلبًا أو إيجابًا، الشائعة في أعمال روائية كثيرة قبله.

استطاع صالح أن يصنع من خلال رواياته شخصيات أسطورية مق"ذات" بت مجذوب، والزين بطل رواية "عرس الزين"، ومريود في قصة "مريود".

وفي لقاءاته الصحافية ينفي بشدة أن يكون مصطفى سعيد هو شخصيًّا، أو حتى أصدقاءه الذين لا يتردد البعض في ذكر أسمائهم حين يقومون بمقاربات بين شخصيات صالح في رواياته وأصدقائه في الحياة، من "كرموكول إلى الخرطوم لندن إلى المدن الأخرى"، التي عاش فيها، ويقر في حوار على الأقل أنه أبعد ما يكون عن شخصية مصطفى سعيد، وهي صورة لشخصية الإنسان القادم من العالم الثالث إلى العالم الأول فانهزم هناك، ولكن سعى إلى تحقيق انتصارات في الجانب الذي يتفرد فيه: الجنس، إنها شخصية معقدة مريضة، قاسية. ولخصها صالح في الرواية ذاتها في أثناء محاكمته في بريطانيا على لسان قاضي المحكمة: "إنه رجل استوعب عقله الحضارة الغربية، ولكنها شطرت قلبه". ويرى أنه أقرب إلى شخصية الزين في رواية "عرس الزين".

وظلت روايته "موسم الهجرة الى الشمال"، التي أكسبته شهرة عالمية على مدى أكثر من 40 عامًا، المقياس الذي توزن به قيمة أعمال أخرى تالية تناول فيها روائيون عرب الصدام بين الشرق والغرب، ووصفتها الأكاديمية العربية ومقرها دمشق عام 2001 بأنها أهم رواية عربية في القرن العشرين.

وفي كثير من الروايات العربية التي عالجت الأزمة الحضارية بين الشرق والغرب كان مصطفى سعيد بطل الرواية يطل برأسه متحديًا أبطال هذه الأعمال، كما سبق أن تحدى البريطانيين الذين كانوا يحتلون بلاده.

وصدر حوله مؤلف بعنوان "الطيب صالح عبقري الرواية العربية" لمجموعة من الباحثين في بيروت، تناول لغته وعالمه الروائي بأبعاده وإشكالاته، وحاز في عام 2005 على جائزة ملتقى القاهرة الثالث للإبداع.

وبحسب النقاد، يمتاز الفن الروائي للطيب صالح بالالتصاق بالأجواء والمشاهد المحلية ورفعها إلى مستوى العالمية من خلال لغة تلامس الواقع خالية من الرتوش والاستعارات، منجزًا في هذا مساهمة جدية في تطور بناء الرواية العربية ودفعها إلى آفاق جديدة.

على مستوى حياته الشخصية تزوج الطيب صالح في لندن من بريطانية وأنجب منها زينب وسميرة وسارة.

العودة

عاد الطيب صالح إلى السودان وعمل مدة من الزمن في الإذاعة السودانية، حيث اشتهر بسرده لسيرة ابن هشام في برنامج "سيرة ابن هشام" وبتقديم مقابلات مع رواد سودانيين في الأدب والفن، وعمل مديرًا إقليميًّا بمنظمة اليونيسكو في باريس، وممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي بين عامي 1984 و1989.

لم يعد الطيب صالح إلى كرمكول -حسب ما تشير كل المصادر- منذ هجرها قبل ثمانين عامًا لكنها بقيت حاضرة كقيمة في أدبه أكثر من أي أديب آخر.

مؤلفاته

من أهم مؤلفاته: عرس الزين رواية ( 1962)، موسم الهجرة إلى الشمال رواية (1971)، مريود، نخلة على الجدول، دومة ود حامد، وترجمت بعض رواياته إلى أكثر من ثلاثين لغة، وتحولت روايته "عرس الزين" إلى دراما في ليبيا ولفيلم سينمائي من إخراج المخرج الكويتي خالد صديق في أواخر السبعينيات حيث فاز في مهرجان كان.

أدبه الروائي:

لأنه مهاجر مثل الكاتب الأيرلندي جيمس جويس، ظل الطيب صالح  باستمرار يستقي إلهام رواياته من موطنه الأصلي (القرية). ومثل الكاتب الإنجليزي توماس هاردي، والروائي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل ويليام فوكنر شكلت القرية البسيطة المتخيلة موضوعًا مهمًّا في كتاباته الإنسانية والكونية. كما  في مجموعته القصصية الأولى التي نشرت عام 1960 "دومة ود حامد".  ففي قصة "دومة ود حامد" من هذه المجموعة يصف الطيب صالح مونولوجًا مأساويًّا كان بداية لاستخدامه الحياة الخارجية والحداثة التي غزت حياة القرية في كتاباته، حيث كانت شخصيات القصة تصارع الظلم والفساد الأصلي المتجذر في كل قرية وعائلة.  كما في قصة "حفنة تمر" التي تتحدث عن ولد صغير يكتشف قسوة ومكر جده الحبيب.  دائمًا ما  تمثل شخصية الجد بصفته ناقلاً للثقافة، دافعًا مستمرًا للكتابة لدى الطيب صالح، فهو الذي ينقل قبح وجمال القرية السودانية لحفيده، ويحمّل ذلك الولد القروي البسيط تلك المسؤولية.

في روايته القصيرة "عرس الزين" والتي نشرت عام 1967، تتجسد براعة الطيب صالح في خلط الثقافة الشفهية السودانية والمعايير الكلاسيكية الغربية. تذكرنا شخصية الزين بشخصيات شكسبير الحمقى الحكيمة، فهو أحمق ومغفل يشبه الحيوانات في تصرفاته، لكنه أيضًا وهب الحساسية الروحية، ولديه نظرة خاصة في رؤية الجمال. عندما عاد من المستشفى بعد أن أصلح أسنانه ظهرت وسامته ولم يعد مضحكًا، ليتزوج بعدها من ابنة عمه الجميلة ويقف أمام الناس مثل "سارية سفينة".

ظل الطيب صالح في تصوير حياة القرية، يستمد مواضيعه من تنوع الفئات الاجتماعية، وكل ما يطال المجتمع القروي من فساد، ومشاكل الري، والاحتفالات، والتمسك الصارم بالتقاليد. ثم اتجه للرموز العالمية التي احتلت أيضًا روايته الأكثر تأثيرًا "موسم الهجرة إلى الشمال". وبعد صدورها بسنوات في بيروت، صدر لها ترجمة بعنوان "موسم" لاقت رواجًا واسعًا نشرت في مجلة أدبية معروفة عنوانها: إنكاونتر. ثم اكتشف لاحقًا أن تلك المجلة كان يمولها مركز الاستخبارات المركزية عبر "مؤتمر الحرية الثقافية".

وبالرغم من أن روايته المترجمة أصبحت أحد الروايات الكلاسيكية الرائجة في دار بينجوين للنشر، وهو أمر نادر بالنسبة لعمل أدبي عربي. وفي مقارنة مألوفة اليوم للثقافة الغربية والشرقية تستفتح هذه الرواية بطالب درس الشعر يكتشف غريبًا متخفيًّا في قريته وعندما سمع الطالب الغريب مصطفى يقرأ قصيدة لفورد مادوكس فورد وهو ثمل، انجذب إلى حياة مصطفى وماضيه القاسي الذي عاشه أثناء إقامته في لندن.

وبعد مرور ما يقرب من 50 عامًا عندما سادت موجة المنظومة الأدبية الحديثة على الكتابات التقليدية السائدة، احتفظت "موسم الهجرة إلى الشمال" بقوتها في صدم القراء بقناعاتهم المخفية. وتقول المصادر الأدبية العربية والبريطانية ، أن الرواية أظهرت العمق والوعي الفكري للموقف السياسي "الحاد" لذكاء مصطفى الفطري.

أشاد ديفيد برايس جونز في قراءة أعدها عن الرواية المترجمة  قائلاً: «نثر مدهش وسلس، هذه الرواية أكثر تثقيفًا من أي كتاب أكاديمي آخر» أما الناقد المعروف روجر ألن فقد وصف بناء الرواية على أنه "بارع" على اعتبار أنها عبرت الحدود الثقافية. كتب روجر: «يكمن الأسلوب الفذ الذي استخدمه المؤلف لينقل سوء الفهم على أوسع نطاق ثقافي في استخدامه للمكان وبالتحديد من غرفتين فقط». وينعكس المكان المزدوج ذاك في زوجتين ميتتين هما جان موريس في لندن، وحسنى بنت محمدين.

كتب الناقد ستيفان ماير عن التجريبية في الرواية العربية: «قد تبدو هذه الرواية مهمة من عدة نواحي، لكنها من ناحية أهم هي وسيلة لاكتشاف تشابك العلاقات بين النوع الإنساني والسلطة». ضمن مظلة الشرق/الغرب تنسج الرواية مجموعة كبيرة من الجدليات، مثل: الذكر/الأنثى، المسلم/ المسيحي، الشمال/الجنوب، التقليد/الحداثة، الريف/الحضر، الأيروس والثاناتوس، وهي كافية لظهور كتابات جيل من الأكاديميين حول الفروق الدقيقة غير المكتشفة في الرواية.

"نحو أفق بعيد"

وفي مجال الصحافة، كتب الطيب صالح خلال عشرة أعوام عمودًا أسبوعيًّا في مجلة "المجلة"، العربية الأسبوعية عبر زاوية ثابتة سماها "نحو أفق بعيد". تناول فيها قضايا وهموم الكتابة بأجناسها المختلفة بقدر كبير من الجدية والرصانة. وخلال عمله في هيئة الإذاعة البريطانية تطرق الطيب صالح إلى مواضيع أدبية متنوعة.

في عام 2004 م طبعت للطيب صالح مقالات في مجلة «المجلة» السعودية اللندنية تحت بابه الشهير في المجلة "نحو أفق بعيد"، جُمعت وصُنفت في 9 أجزاء، ومنها: "المضيئون كالنجوم": من أعلام العرب والفرنجة، و"للمدن تفرد وحديث: الشرق"، و"للمدن تفرد وحديث: الغرب"، و"في صحبة المتنبي ورفاقه"، و"في رحاب الجنادرية وأصيلة"، و"وطني السودان"، و"ذكريات الموسم"، و"خواطر الترحال". وأسهم صالح في العديد من اللجان والمؤتمرات القطرية والإقليمية والدولية المعنية بفعاليات الإعلام والثقافة، وهو من الأعضاء الدائمين في جملة من المهرجانات الثقافية العربية العالمية منها: "الجنادرية" في السعودية و"أصيلة" في المغرب، ومعرض القاهرة الدولي السنوي للكتاب.

ولم يكف صالح عن الانخراط في القضايا السياسية من خلال مقالات ظل ينشرها في بعض الصحف والمجلات حتى أيامه الأخيرة.

ودائمًا ما يقارن نقاد عرب بين صالح والأديب المصري الراحل يحيى حقي من جهة وبين معظم الكتاب من جهة ثانية، إذ امتلك حقي وصالح شجاعة التوقف عن الكتابة الإبداعية مثل أي لاعب بارز يستشعر أنه لن يقدم أفضل مما سبق أن قدمه فيؤثر الاعتزال.

وقال الروائي عزت القمحاوي مدير تحرير صحيفة أخبار الأدب المصرية إن أبرز ما يميز صالح أن عنده حساسية كاتب "فعندما وجد أنه ينبغي عليه أن يتوقف عن كتابة الإبداع توقف بالفعل. وقد امتحنت أعماله في وجوده إذ ظل موجودًا في المشهد الإبداعي العربي رغم توقفه عن الكتابة".

جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي

أطلقت جائزة تحمل اسمه بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاته، وذلك في مجالات النقد والرواية والقصة القصيرة، تشجيعًا للفن والثقافة في السودان والوطن العربي.

وفاته

توفي الطيب صالح في يوم الثلاثاء 17 فبراير عام 2009 في لندن، وشيع جثمانه في مقابر البكري بأم درمان يوم الجمعة 20 فبراير في السودان حيث حضر مراسم العزاء عدد كبير من الشخصيات البارزة والكتّاب العرب يتقدمهم الرئيس السوداني عمر البشير.


عدد القراء: 372

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-