ما الذي دفعك لإدمان التقنية؟الباب: دبل كليك

نشر بتاريخ: 2017-08-04 21:59:51

فكر - المحرر الثقافي

عصر التكنولوجيا، وسهولة الوصول، والبقاء متصلاً أطول وقت ممكن. لقد أصبحنا مجموعة من الأجهزة التي تمارس حياتها الطبيعية في العوالم الافتراضية.

نحن نتشارك صور الوجبات قبل تناولها، والنشاطات قبل أدائها، أصبحنا نمارس حياتنا كاملة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت.

كتب "توني شوارتز" في صحيفة نيويورك تايمز "كل من أعرفه مدمن بطريقة أو بأخرى على الانترنت"، إنها شكوى منتشرة هذه الأيام.

هناك تيار مستمر من المقالات والعناوين تتهم الانترنت وتطبيقاته ومواقع التواصل الاجتماعي والألعاب عبر الانترنت بأنها سبب من أسباب الإلهاء والإدمان، ولا يوجد مجال للشك أن كل من يستخدم الانترنت يجد صعوبة بالغة في تركه.

فقط انظر لمن حولك، البشر أصبحوا مهووسين بأجهزتهم كأنهم ملتصقون بها، لا يتركونها ولا يرفعون رؤوسهم عنها، وكثير منا مثل "شوارتز" يجد صعوبة في المهام التي تحتاج إلى التركيز، ولكن الأمر سهل إن أردت أن تتفاعل في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي.

علق أحد قارئي مقالة "شوارتز" بأنه على الرغم من قراءته للمقالة إلا أنه اضطر لترك القراءة 6 مرات على الأقل من أجل أن يتفقد بريده الالكتروني.

هناك شيء مختلف في هذه التقنيات، فهي منتشرة، ومقنعة للاستخدام، وتستحوذ على الاهتمام، ولكن من المتسبب في خطأ الإفراط في استعمالها؟

للجواب عن هذا يجب أن نفهم الأشياء التي نتعامل معها، هناك أربعة أطراف مسؤولة عن هذا الإدمان، وذلك وفقًا لموقع"Nir & Far" ، وربما لا تكون هي نفسها التي نتوقعها.

1 - التكنولوجيا:

التكنولوجيا نفسها وصانعوها هم أسهل المشتبه بهم من أجل لومهم على صنع المشتتات التي تنقص التركيز.

يقول "نيكولاس كار": إن الانترنت صمم ليكون نظام مقاطعة، آلة مجهزة لتشتيت الانتباه. وإن الخدمات المتوفرة على الانترنت مثل فيس بوك ويوتيوب وتوتير وانستقرام وغيرها يطلق عليها سادة التحايل، فهي تنتج بضائع جيدة لا يستطيع الناس التوقف عن استعمالها.

ويضيف "كار": بعد دراستي لهذه المنتجات لسنوات عدة ألفت كتابًا حول كيفية فعلها هذا الأمر، وتعلمت أنها تبدأ من نموذج الأعمال، وبما أن أغلب هذه الخدمات تعتمد على عائدات الإعلانات، فإن زيادة استخدام الناس لها تزيد من كسب صانعها، ولا عجب أن هذه الشركات توظف فريقًا مهمته التكريز على هندسة خدماتها وتحسينها.

ويختتم كار حديثه بقوله: "إن هذه المنتجات والخدمات لا تسبب الإدمان بمحض الصدفة، بل بحسن التصميم، إن لديها حافزًا لجعلنا نستخدمها دومًا".

ومع ذلك وعلى الرغم من حسن هذه الخدمات، هناك طرق بسيطة يمكن اتباعها للبقاء على مسافة منها. فنحن بعد كل هذا لم نحقن في الوريد بالانستقرام، ولم نستنشق أدخنة الفيس بوك. نستطيع على سبيل المثال أن نغير مدى ظهور تلك التنبيهات الملهية التي تدفعنا للاطلاع على التحديثات في كل مرة.

ووفقًا للرئيس التنفيذي لشركة كاهونا آدم ماركك، فإن أقل من 15% من مستخدمي الأجهزة الذكية يغيرون إعدادات التنبيهات، هذا يعني أن نحو 85% من المستخدمين يبقون على الإعدادات الافتراضية التي تنبههم لكل شيء.

شركتا قوقل وأبل المهيمنتان على أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة جعلتا صعوبة في ضبط هذه الإعدادات، فالأمر يعتمد علينا لاتخاذ خطوات تضمن ألا تلهينا هذه الأشياء عن عملنا.

2 - رئيسك في العمل:

بينما تحصد شركات مثل فيس بوك أرباحها من الإعلانات، هناك تقنيات أخرى لا تتبع هذا الأسلوب، خذ البريد الالكتروني على سبيل المثال.

الشركات لا تهتم غالبًا بكثرة أو قلة استخدامك له، على الرغم من أن البريد الالكتروني هو أكبر سبب في الإدمان. إننا نطلع على البريد طوال ساعات النهار ومتى استطعنا ذلك قبل بدء الاجتماعات، وعند الغذاء، وعند الإشارة الحمراء.

أصبنا بالهوس، لكن لِمَ؟ لأن هذا ما يريده رئيسك في العمل. فالبريد الالكتروني هو الأداة الرئيسية لشركات الاتصال، فبطء استجابتك يضر بسمعتك، ولسوء الحظ، هذا التعلق بالتقنية يترك مجالاً ضيقًا للأعمال التي تحتاج لتفكير عال وعميق.

بيئة العمل الحقيقية التي تتطلب الإبداع، ومهارات حل المشاكل، لم تعد موجودة في المكاتب بل في البيت حين ينام الأطفال. "كال نيوبورت" الأستاذ المساعد في جامعة جورج تاون يسمي هذا العمل العمل العميق.

وفي كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، يقول: "العمل العميق هو أن تركز على مهمة تتطلب قدرًا معرفيًّا لا بأس به، وبلا تشتيت انتباه، بينما الأعمال السطحية هي تلك الأعمال المنطقية في طبيعتها والتي لا تحتاج كثيرًا من التركيز. إن النقاشات عبر رسائل البريد الالكتروني مع الزملاء تعد أعمالاً سطحية".

ينصح "نيوبورت" الناس بنقاش نسبة الأعمال العميقة والسطحية مع أرباب العمل، وحاول أن تجعل رئيسك يلتزم برؤية، مثلاً أن يكون نحو نصف الوقت عملاً متواصلاً، وباقي الوقت للمهام السطحية.

يكمل "نيوبورت" قوله: عندما يرون كمية الوقت الذي تقضيه محاولاً الوصول إلى نتائج حقيقية، فإنهم سيعيدون التفكير بالأمر ويقولون: حسنًا، شيء ما يجب أن يتغير.

3 - الأصدقاء:

فكر في هذا المشهد المألوف: أناس يجلسون حول طاولة، مستمتعون بالطعام والرفقة، هناك مزاح خفيف وضحكات، ثم في فترة سكون وجيزة يخرج أحدهم الهاتف النقال؛ ليطلع على شيء ما، بالكاد يلاحظه أحد، ويمر الأمر دون أي تعليق الآن.

في المشهد نفسه، تخيل أن أحدهم تجشأ بصوت عال، كل الحاضرين سيلاحظون ذلك، وسيعد ذلك التصرف غير لائق. لأن هذا التصرف الفظ يخالف أساسيات الذوق العام.

على الشخص أن يتساءل: لم لا نتفق جميعنا على أن نجعل إخراج الهاتف خلال المناسبات الاجتماعية وعند الوجبات من العادات السيئة المخالفة للذوق العام والآداب؟ بطريقة أو بأخرى نحن نتقبل الأمر ولا نقول شيئًا حتى لو أزعجنا الموضوع.

الحقيقة هي أن استعمال أحدهم هاتفه في وقت غير لائق هو أسوأ من التجشؤ، لأن تفحص الأجهزة الذكية أمر معد، فما إن يطالع أحد هاتفه حتى يشعر الآخرون بالرغبة في الشيء نفسه، وحينها يبدأ تفاعل السلسلة، ويبدأ الجميع باستخدام الأجهزة، ويقل الحديث، وتصبح أنت الوحيد الذي لا يقرأ رسائل البريد ولا يطلع على تحديثات تويتر.

من وجهة نظر اجتماعية إن استعمال الهاتف في تلك الأوقات هو أقرب ما يكون إلى عادة سيئة أكثر من التجشؤ، هواتفنا مثل السجائر بالنسبة للمدخنين، عندما يتسلل إليهم الملل يشعرون أن أصابعهم المتململة بحاجة لشيء تعبث به.

إن رؤية الآخرين يستمتعون بأمر ما أو يسترقون النظر، لهو أمر مغر جدًا ولا يمكن مقاومته. التقنية ورب العمل والأصدقاء، كلهم يؤثرون على مدى تعلقنا بالتقنية وإفراطنا في استخدامها.

ولكن لا يزال هناك شخص آخر يستحق التأمل، بحسب "شوارتز" هو "شوارتز" نفسه، ويقول: أنا أعترف بأنني وعلى الرغم من أن مهنتي هي دراسة تأثير التقنية على السلوك، فإني أجد صعوبة في التخلص من قيود التقنية، فأنا متصل بالإنترنت لوقت أطول مما أود، ومن المعتاد أن نجد أنفسنا هاربين ومستمتعين في مواضيع أخرى غير المهام التي نريد الانتهاء منها. وأردت أن أعرف لماذا؟

بدأت الرصد الذاتي لنفسي في محاولة لفهم سلوكي، وذلك عندما اكتشفت حقيقة غير مريحة، أنا أستعمل التقنية للهروب مما أنا فيه، أي عندما أفعل شيئًا لا أرغب في فعله، أو أكون في مكان لا أحبه، فإني أستعمل الهاتف لأنقل نفسي إلى عالم آخر.

لقد وجدت أن هذا الأمر جيد في الغالب، مثل إضاعة الوقت في الحافلة، لكن في كثير من الأحيان لم يكن استعمالي للتقنية أمرًا جيدًا، فعندما أواجه عملاً صعبًا، مثل التفكير في مقالة ما، أو تنقيح إحدى المسودات للمرة المئة، فإن هناك شاشة شريرة تسحبني إليها، أستطيع بكل سهولة الهروب من تلك المصاعب، وذلك بأن أرد على رسائل البريد أو بتصفح الانترنت تحت ذريعة ما يسمى البحث.

وعلى الرغم من أني أرغب بشدة في أن أضع اللوم على شيء آخر، إلا أن تلك العادات السيئة قليلة التعلق بالتقنية، كثيرة التعلق بطبيعة المماطلة والتسويف.

من السهل اتهام التقنية بأنها أداة من أدوات التشتت، لكن التشتت ليس بالشيء الجديد، ناقش أرسطو وسقراط طبيعة الانجرار لفعل أشياء ضد مصالحنا.

وإن كنا صادقين مع أنفسنا فإن التقنية ليست إلا شيئًا نملأ به الوقت والعقل، بعبارة أخرى إن لم نمسك الهاتف فإننا على الأغلب سنكون عندها نفعل أشياء مشابهة في عدم الفائدة.

إن التقنية الشخصية ملتصقة بنا أكثر من أي وقت مضى، ولا شك بأن الشركات تبذل قصارى جهدها لجعل منتجاتها أكثر جاذبية، لكن السؤال هو: هل نرغب نحن في أن يتغير هذا الشيء؟

إن النتيجة المراد الوصول إليها هي أن يستعملها الناس أكثر، وهذه ليست مشكلة بالضرورة، بل هو تقدم. ولكن هذه التحسينات لا تعني أننا لا يجب أن نتحكم في قدر استعمالنا للتكنولوجيا.

وللتأكد من ألا تتحكم بنا يجب أن نتصالح في أنها ليست في حد ذاتها المسؤولة عن تصرفاتنا. فثقافة العمل، والعادات الاجتماعية، وطبيعة وتصرفات المرء تلعب دورًا في ذلك. ولوضع التقنية في مكانها الصحيح فإنه يجب أن نتنبه ليس لتغيير التقنية فحسب، بل لطريقة تغييرها لنا.

 

المصدر: .nirandfar


عدد القراء: 164

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-