غازي القصيبي .. المثير للجدل دائمًاالباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2015-11-05 17:31:59

فكر - المحرر الثقافي

مثير للجدل دائماً... هو غازي القصيبي، في غيابه كما في حضوره. لطالما كان الأديب والوزير السعودي «صانع» سجالات في السياسة والأدب والشعر والفكر... وحتى الدبلوماسية، هو الذي تبوأ منصب «سعادة السفير» مرتين: الأولى لدى البحرين عام 1984، والثانية لدى بريطانيا عام 1992.

القصيبي شاعر له نتاج في فن الرواية والقصة، مثل: (شقة الحرية)، و(دنسكو)، و(أبو شلاخ البرمائي)، و(الـعـصـفـوريـة)، و(سـبـعـة)، و(ســـعـادة الـسـفـيـر)،                   و(الجنيّة)، و(العودة سائحاً إلى كالفرونيا)، و(هما) و(حكاية حب)، و(رجل جاء وذهب) آخر أعماله كانت (أقصوصة الزهايمر) التي نشرت بعد وفاته. أما في الشعر فلديه دواوين (معركة بلا راية)، و(أشعار من جزائر اللؤلؤ)، و(للشهداء)، و(حديقة الغروب). وله إسهامات صحافية متنوعة أشهرها سلسلة مقالات في عين العاصفة، التي نُشرَت في جريدة الشرق الأوسط إبان حرب الخليج الثانية، التي نشرت مؤخراً في كتاب. كما أن له مؤلفات أخرى في التنمية والسياسة وغيرها منها: (حياة في الإدارة)، و(التنمية)، و(الأسئلة الكبرى) و(عن هذا وذاك)، و(باي باي لندن) ومقالات أخرى (الأسطورة ديانا)، و(100 من أقوالي غير المأثورة)، و(ثورة في السنة النبوية)، و(حتى لا تكون فتنة).

ذكره معلمه والأديب الراحل عبد الله بن محمد الطائي ضمن الشعراء المجددين في كتابه (دراسات عن الخليج العربي) قائلاً:

«أخط اسم غازي القصيبي، وأشعر أن قلبي يقول ها أنت أمام مدخل مدينة المجددين، وأطلقت عليه عندما أصدر ديوانه أشعار من جزائر اللؤلؤ الدم الجديد، وكان فعلاً دماً جديداً سمعناه يهتف بالشعر في الستينيات، ولم يقف، بل سار مصعداً، يجدد في أسلوب شعره، وألفاظه ومواضيعه».

يعد كتاب حياة في الإدارة أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية حتى تعيينه سفيراً في لندن. وقد وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ستين مؤلفاً. له أشعار لطيفة ومتنوعة ورواية سلمى، وترجم كتاباً للمؤلف ايريك هوفر باسم المؤمن الصادق.

كان لغازي ميول أدبية جادة، ترجمها عبر دواوين أشعار كثيرة، وروايات أكثر، وربما يعدّ بسببها أحد أشهر الأدباء في السعودية، ويظل رمزاً أو نموذجاً جيداً لدى الشباب منهم، وكالعادة، فالمبدعون لابد أن تحاصرهم نظرات الشك، وتلقى إليهم تهم لها أول لكنها بلا آخر، لا سيما وأن متذوقي الأدب قلة، ومحبي حديث الوعاظ المتحمّسين غالبية، وابتدأت تلك المشاحنات من جانب بعض الوعاظ مع إصداره لديوانه الشعري الثالث (معركة بلا راية) عام  1970، إذ ساروا في وفود وعلى مدى أسابيع عدة، نحو الملك فيصل لمطالبته بمنع الديوان من التداول، وتأديب الشاعر، فأحال الملك فيصل، الديوان، لمستشاريه ليطلعوا عليه ويأتوه بالنتيجة، فكان أن رأى المستشارون أنه ديوان شعر عادي لا يختلف عن أي ديوان شعر عربي آخر، إلا أن الضجة لم تتوقف حول الديوان واستمرت الوفود بالتقادم للملك فيصل، فما كان منه سوى أن شكل لجنة ضمت وزير العدل ووزير المعارف ووزير الحج والأوقاف، لدراسة الديوان أو محاكمته بالأصح، وانتهت اللجنة إلى أن ليس في الديوان ما يمس الدين أو الخلق، ولا تمر هذه الحادثة في ذهن القصيبي إلا ويتذكر موقف الملك عبد الله بن عبد العزيز من هذه القضية، إذ يقول غازي: «سمعت من أحد المقربين إليه أنه اتخذ خلال الأزمة موقفاً نبيلاً وحث الملك فيصل على عدم الاستجابة إلى مطالب الغاضبين المتشنجة».

فيما بعد توالت الإصدارات بين دواوين الشعر والروايات والكتب الفكرية، ومن دواوينه الشعرية : (صوت من الخليج)، الأشج، (اللون عن الأوراد)، (أشعار من جزائر اللؤلؤ)،(سحيم)، و(للشهداء). ومن رواياته (شقة الحرية)، (العصفورية)، (سبعة)،( هما)،( سعادة السفير)،( دنسكو)، (سلمى)، (أبو شلاخ البرمائي)، وآخر إصداراته في الرواية:  (الجنية). وفي المجال الفكري له من المؤلفات :(التنمية)، (الأسئلة الكبرى)، (الغزو الثقافي)،(أمريكا والسعودية)، (ثورة في السنة النبوية)، والكتاب الذي وثق فيه سيرته الإدارية والذي حقق مبيعات عالية :(حياة في الإدارة ) وكذلك كتاب (الوزير المرافق) الذي وثق فيه سيرته كمسؤول في وزارة من خلال بعثات الوفود الرسمية ومرافقته للضيوف الرسميين .

وأحدثت معظم مؤلفات الشاعر والروائي والمفكر غازي القصيبي ضجة كبرى حال طبعها، وكثير منها مُنع من التداول في السعودية لا سيما الروايات، ثم فسحت لتداولها.

وعلى المستوى الروائي يكاد يُجمع المهتمين بأن روايتي (شقة الحرية ) و(العصفورية)، هما أهم وأفضل وأشهر ما كتب القصيبي، في حين احتفظ ديوان معركة بلا راية بمرتبته المتقدمة بين دواوين الشعر الأخرى، وفي المؤلفات الأخرى، يبقى (حياة في الإدارة) واحداً من الكتب التي حققت انتشاراً كبيراً على الرغم من أن ثقافة القراءة كانت شبه معدومة حينها في المجتمع؛ حيث نشر الكتاب عام 1998.

وفي الشأن الأدبي، لا تخلو سيرة غازي الوزير من مواقف طريفة تسبب بها غازي الأديب، إذ يروي القصيبي أنه في أحد الأيام إبان وزارته في الكهرباء والصناعة حصل انقطاع للكهرباء في أحد أحياء الرياض، وكان القصيبي يذهب إلى مقر الشركة ويتلقي الشكاوى الهاتفية مع موظفي السنترال كلما حدث انقطاع، فلما كان ذاك اليوم، وفي أثناء تلقيه للاتصالات على سنترال الشركة، حادثه مواطن غاضب قائلاً: «قل لوزيركم الشاعر أنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انقطعت الكهرباء عن الرياض»، يقول غازي، «فقلت له ببساطة: شكراً.. وصلت الرسالة! فقال: ماذا تعني؟ قلت: أنا الوزير ! قال: أحلف بالله! فقلت: والله. وكانت هناك لحظة صمت في الجانب الآخر قبل أن تهوي السماعة».

ودارت نزاعات فكرية ثقافية بين غازي ومجموعة من الصحويين في أواسط التسعينيات، حولها الصحويون من اختلافات إلى خلافات، ووصلوا فيها إلى مراحل متقدمة من الطعن في غازي عبر المنشورات والمنابر وأشرطة الكاسيت، فأصدر غازي حينها كتابا بعنوان (حتى لا تكون فتنة) وهو بمثابة الرسالة، يوجهها نحو من جعلوا أنفسهم خصوماً له، وانتهت تلك المرحلة بسلام.

وعلى الرغم من أن البعض يرى أدب غازي متطرفاً نحو اليسار، إلا أن لآخرين رأيهم بأنه متطرفاً لليمين، لا سيما في أدبياته الأخيرة، وخصوصاً (قصيدة الشهداء) التي مجّد فيها غازي للعمليات الانتحارية في فلسطين، وأشاع بعضهم حينها أنها كانت سبباً لتدهور علاقاته الدبلوماسية في بريطانيا، فكان أن نقل من السفارة عائداً إلى الوزارة، وذلك بعد نحو عام من نشر القصيدة.

وهنا يستشهد القصيبي بقول الأديب السوري محمد الماغوط: «ما من موهبة تمر دون عقاب»، ويضيف عليها: «وما من موقف يمر بلا ثمن»!

توفي عن عمر يناهز السبعين عامًا في يوم الأحد 5 رمضان 1431 هـ الموافق 15 أغسطس 2010 الساعة العاشرة صباحاً في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض بعد معاناة طويلة مع المرض.

وعندما بلغ الشاعر غازي القصيبي 65 عاماً كتب هذه القصيدة (حديقة الغروب) التي نُشرت في 22 أيار/مايو 2005:

خـمـسٌ وســـتُــونَ.. في أجـفـان إعـصـارِ

أمــا ســئـمــتَ ارتــحـالاً أيّـهـا  الـساري؟

أمـا مــلـلتَ مـن الأســفــارِ..  مــا هــدأت

إلا وألــــقــتـــك فـي وعــــثـــاءِ أســفــار؟

أمــا تَــعـِبتَ مـن الأعــداءِ.. مَــا بـرحــوا

يــحــاورونـــكَ بــالـكــــبــريــتِ والـــنـارِ

والصحبُ؟  أين  رفـاقُ العمرِ؟ هل بقِيَتْ

ســـــوى ثُـــمــالـــــةِ أيـــــامٍ.. وتـــذكــارِ

بلى! اكتفيتُ.. وأضناني السرى! وشكا    

قــلبي الــعـناءَ!... ولكـن تــلك أقـداري

أيـا رفــيـقـةَ دربــي! لــو.. لــديّ ســـوى   

عــمـري.. لقلتُ: فدى عينَيْكِ أعماري

أحـبــبتـني.. وشــبـابــي فــي فـــتــوّتـــــهِ 

ومـــا تـــغـيــّرتِ.. والأوجـــاعُ سُــــمّـــاري

مـنحـتـني  مـن  كـــنوز  الـحـُبّ.  أَنـفـَـسـهـا 

وكــنـتُ  لــولا نـــداكِ  الـجــائــعَ  الــعــاري

مــاذا أقــولُ؟ وددتُ الــبـحــرَ قــافـيـتــي

والــغـيـم مــحـبـرتـي.. والأفــقَ  أشعاري

إنْ ســألـوكِ فــقـولـي: كـان  يــعـشـقـنـي

بـكلِّ مـــا فــيـــهِ مـن عُــــنـفٍ.. وإصـرار

وكـان يـــأوي إلـــى قــلـبـي.. ويـسـكــنـــــه  

وكــــان يــحـمــــل فــي أضـــلاعــــهِ داري

وإنْ مــضـيـتُ.. فــقـولي: لـم يكن بَطَلاً    

 لـكــنـــه لـــم يــقـبـــّل جــبــهــــةَ الــعـارِ

وأنــتِ!.. يــا بــنـت فــجــــرٍفــي تـنـفـّـسـه

مــا فــي  الأنـوثـــة..  مــن سـحرٍ  وأسرارِ

مـــــاذا تـــريـديـن مــنـي؟! إنَّــنـي شــَبــَحٌ  

يـــهـــيـــمُ مـــا بــين أغـــــلالٍ. وأســـــوارِ

هذي حـديقة عـمـري في الغروب.. كما 

رأيـــتِ... مــرعـــى خـريـفٍ جائعٍ ضارِ

الــطـيـرُ هـَـاجَـرَ.. والأغــصـانُ شـاحـبةٌ 

والــــوردُ أطـــــرقَ يـــبـكـــي عـــهـــد آذارِ

لا تــتـبـعـيـنـي! دعـيني!.. واقـرئي كـتبي

فـــبــين أوراقِــــهــــا تــلــقــاكِ أخـــبــاري

وإنْ مــضـيـتُ.. فــقـولي: لـم يكن بطلاً  

وكــــان يــمـــــزجُ أطـــــواراً بـــأطــــوارِ

ويـــا بــلاداً نــذرت الـعــمــر.. زَهــــرتَـــه 

لعـزّهـا !... دُمتِ !... إني  حان  إبحاري

تــركـــتُ بـيـن رمــــال الــبــيــد أغــنـيـتـي

وعــنـد شــاطـئـكِ المـسـحـورِ. أسـمـاري

إن ســــألــوكِ فــقـولـي: لــم أبـعْ قـلـمـي

ولــم أدنّــس بـــســوق الــزيـف أفـــكاري

وإن مــضـيـتُ.. فــقولـي: لـم يكن بَطَـلاً  

وكـان طــفـلـي.. ومـحـبـوبـي.. وقيثاري

يـا عــالـم الــغـيـبِ! ذنـبـي أنتَ تـعـرفُــــه

وأنـــت تــعـلــمُ إعــلانـي.. وإســــــراري

وأنـــتَ أدرى بــــإيـــمـــانٍ مــنــنـتَ بــــه

عــلـي.. مــا خـــدشــــتــــه كـــل أوزاري

أحـببتُ  لقياكَ..  حسن  الظن  يشفع  لي

أيــرتُــجَـى الــعـفــو إلاّ عـــنـد غــفَــّـارِ؟

بعد خمس سنوات، كتب قصيدته الجديدة (سيدتي السبعون) في 7 آذار/مارس 2010، وقد بلغ السبعين من عمره:

ماذا تريدُ من السبعينَ.. يا رجلُ؟!

لا أنــتَ أنــتَ.. ولا أيـــامــــك الأُولُ

جــاءتـك حـاسـرةَ الأنيابِ.. كالحَـةً  

كأنّـمـا هــي وجــهٌ سَــلَّـــه الأجـــــــــلُ

أوّاه! ســـيــدتــي السـبعـونَ! مــعــذرةً  

إذا التقينا ولم يعصفْ بيَ الجَذَلُ

قـد كـنتُ أحـسبُ أنَّ الدربَ منقطعٌ   

  وأنَّـني قـبـلَ لـقـيـانـا ســــأرتـــحــــــلُ

أوّاه! ســـيــدتــي السـبعـونَ! مــعــذرةً  

بـأيِّ شـيءٍ مـن الأشـيـاءِ نـحـتـفل؟!

أبـالـشـبـابِ الـذي شـابـتَ حـدائقُهُ؟ 

أم بالأمـاني التي بالـيـأسِ تشتعلُ؟

أم بالـحـيـاةِ الـتي ولَّـتْ نـضـارتُـهــا؟ 

أم بالـعـزيمةِ أصـمـت قلبَها العِلَلُ؟

أم بالـرفـاقِ الأحـبـاءِ الأُلـى ذهـبـــوا 

وخـلَّـفـونـي لــعـيــشٍ أُنـسُــه مَـــلَلُ؟

تــــبـاركَ اللهُ! قـــد شـــاءتْ إرادتُــــه

لـيَ الــبـقـاءَ.. فـهـذا العبدُ ممتثلُ!

واللهُ يـعـلــمُ مـا يلـقـى.. وفــي يـــــدِه

أودعــتُ نفسي.. وفيه وحدَه الأملُ

 

كتب غازي القصيبي هذين البيتين:

أغالب الليل الحزين الطويل

أغالب  الداء  المقيم  الوبيل

أغـالــب الآلام مـهـمـا طغــت

بحـسـبي  الله  ونعم  الـوكيل


عدد القراء: 1702

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-