أصوات النهامين تخفت فوق سفن البحارة في الخليجالباب: فنون

نشر بتاريخ: 2017-08-04 22:08:41

فكر - المحرر الثقافي

يًعد فنّ "النّهمة" من أهم أنواع الفن الشعبي البحري المعروفة منذ القدم في منطقة الخليج العربي، حيث كان النهام يطلق من على سطح السفينة العديد من الأنغام والألحان البحرية تحت ظلال شراع السفينة وكانت همة البحارة تزداد وهم ينصتون إلى صوته الشجي عندما يردد المواويل الشعبية التي تهزهم عند سماعها فتحرك شجونهم وتمدهم بالطاقة والحيوية اللتين تساعدانهم على إنجاز المهام الموكلة إليهم في رحلة البحر المحفوفة بالمخاطر.

وفن "النهمة" أحد الفنون الشعبية البحرية القديمة التي كانت مقتصرة على البحر والبحارة في سواحل الخليج ما بين البصرة وسلطنة عمان، تغنى بها البحارة حينما كانوا يجوبون البحار بسفنهم للغوص أو التجارة سعيًا وراء قوتهم.

والنهمة (بتشديد النون وتسكين الهاء) تعني بلوغ الهمة أو الصوت الزجر وقد تحولت بمرور الزمن من لهو بحري لتشجيع البحارة على القيام بأعمالهم إلى فن بحري خالص له قواعد ثابتة بالأداء وإلى لون من الغناء الجماعي الفلكلوري يصاحب البحارة منذ بدء رحلتهم في عرض البحر ومقارعة الأمواج والعواصف والعمل الشاق.

لا سفينة بلا نهام

يُعد النهام البحري الركيزة والمحور الذي يقوم عليه الغناء وهو الاسم الذي يطلق على مغني السفينة ويتجاوب البحارة مع ما يصدر عنه من أغان تعبر عما في صدورهم من ألم الفراق والبعد عن الديار كما كان يشجع بغنائه كل من على السفينة على تحمل المشاق والصبر بالابتهالات والدعاء كنوع من بدايات العمل.

وللنهام عدة صفات يجب توافرها أبرزها قوة الصوت وطبقاته كي يزود البحارة والغواصين بالطاقة حيث كانت الأغاني تبدأ دائمًا بذكر الله.

وتعد مهمة النهام أساسية في أي رحلة ولا تكاد تخلو سفينة من نهام إلى ثلاثة نهامين يتقاضون أضعاف ما يتقاضاه البحارة.

وتغنى بهذا الفن الخليجيون القدامى وصدحوا بـ"اليامال" متأثرين بخليط من الفنون العدنية والخليجية والهندية والأفريقية نتيجة اتصالهم بتلك الشعوب مستلهمين من أصوات الموج وهدير البحر وصرير الصواري في تشكيل غنائهم البحري.

ويقول الباحث والفنان فتحي الصقر لوكالة الأنباء الكويتية (كونا)، إن "فن النهمة متشابه في الخليج ليست فيه اختلافات إلا في التنازيل (أي الأغنية) أو الشيلات إذ تكثر الشيلات في البحرين والإمارات وعمان مقارنة بالكويت".

وأشار الصقر إلى أن "الاختلاف أيضًا في السرعات وفي أداء الغناء (المد) ونوعية الغناء"، مسترشدًا بالاختلاف بين فن الدواري في البحرين والكويت.

وذكر أن الاختلاف يكون أيضًا في طريقة العزف وفي أداء الخطفة (وهي من الأغاني التي تؤدى أثناء رفع الأشرعة أو خطف الشراع)، فرغم أنها من نفس الميزان إلا أنها تختلف في الأداء إذ أن أهل البحرين أسرع في أدائها. كما يعرف عنهم أنهم يمدون في غنائها. أما أهل الكويت فإنهم يأخذون الطابع الثقيل والسهل الممتنع في أداء الفنون البحرية ولا تغلب عليهم السرعة في أداء الأغاني البحرية بل إن سرعتهم تعد متوسطة.

وأوضح الصقر أن "أهل الكويت تميزوا بفن الصفقة الذي يعد قويًّا وكانوا لا يفضلون السرعة فيه، في حين أن أهل البحرين مثلاً وفي فن الحدادي (وهو من أغاني الترفيه والسمر والترويح عن النفس وليس العمل) يدخلون الصفقة في أي وقت وتستمر للحظات وتنتهي" وغناؤهم دائمًا سريع الوتيرة حتى في الفنون الأخرى كـ"الخماري".

وينفرد أهل الكويت عن سائر دول المنطقة بفن السنكني، بكسر الكاف، نتيجة لأسفارهم خلافًا لأهل البحرين الذين كانوا يمارسون الغوص فقط.

ومن خلال ما سمعوه في أسفارهم من إيقاعات وأصوات لأجراس الكنائس خرج الكويتيون بفن السنكني وهي كلمة تعني ثقيلاً، فكأن اسمه الفن الثقيل وهو فن يحتوي على أجزاء كبيرة ومعقدة في الإيقاعات والأداء والرقص وهو الوحيد الذي يحتوي على آلة نفخ (الصرناي) أو المزمار.

وفي هذا الإطار يقول الباحث علي صالح الرومي إن فن "السنكني يمارس أثناء الاحتفال بترميم السفينة بعد الانتهاء من تصليحها وسد الفتحات وصبغها لتصبح جاهزة للإبحار".

مدارس مختلفة في الأداء

يقول الرومي إن "كل دولة في الخليج لها مدرسة مختلفة في أداء النهمة وذلك بحسب الأغاني الخاصة بالعمل، فأهل البحرين تميزوا بـ"اليحلة" وهي نوع من الفخار واستخدمت كإيقاع ثم أخذها أهل الكويت منهم".

ولكون البحرينيين والقطريين من أهل الغوص فقط فإنهم يقضون مدة أقل في البحر، لذا انتشرت فنون الترفيه والسمر عندهم أكثر من فنون العمل، فتميزوا بـ "الدور" المنتشر على ساحل البحر حيث يتجمع فيه البحارة لأداء جلسات يطلق عليها اسم الأنس يتسامرون فيها ويغنون العديد من الفنون مثل الحدادي والفجري.

ويعد فن الفجري من الفنون التي انطلقت أساسًا من أهل البحرين والمتعارف عليه لديهم بأنه يكون فقط في حال وجدت معه عدة آلات.

أما فن الحدادي الذي وصل إلى الكويت من البحرين أيضًا فهو من "الحداي" ويبدأ بـ "الزهيرية" قبل بداية الغناء ويطلق عليه أهل الكويت اسم "اجراحان" وتعني اشرح وقيل اجرح، والحدادي دائمًا يبدأ بزهيرية لا بموال.

وتميز أهل عمان والإمارات بالشيلات ويعتمدون عليها أكثر من "النهمة" وغلب عليهم هذا الطابع لعدم توفر الوقت الكافي للسمر لأن منطقتهم أقسى من باقي دول المنطقة وذلك لبعد مغاصات اللؤلؤ.

ولم يكن في رحلات غوصهم الكثير من عدة الفنون كالطبول وغيرها ونتيجة لذلك اعتمد الإماراتيون أكثر على الأداء الصوتي والضرب بالأقدام على سطح السفينة، في حين استخدم الكويتيون الإيقاعات في سفنهم. كما اختلفوا أيضًا عن الكويت والبحرين وقطر في اللحن لأن معظم غنائهم "سواحلي" من زنجبار وأفريقيا واعتمادهم على الشيلات يحدث عندما يكون النهام غير موجود على السفينة حالهم حال معظم أهل دول الخليج.

ومثلما ينتقي قبطان السفينة (النوخذة) ومساعده (المجدمي) البحارة الأشداء فإنهما ينتقيان أيضًا النهام صاحب الصوت الصداح والنهمة الشجية التي تثير البحارة وتشحذ هممهم وبسبب هذا الدور المهم يحظى النهام بالكرم وحسن المعاملة.


عدد القراء: 48

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-