الغبار الذكي .. عملاق المستقبل .. خطر يهدد الخصوصيةالباب: علوم وتكنولوجيا

نشر بتاريخ: 2017-03-20 20:50:19

فكر - المحرر الثقافي

الغبار الذكي كمبيوترات منثورة في شبكات لاسلكية.

أفق جديد تتيحه تكنولوجيا النانو وعلوم المواد والمجسمات الالكترونية إنه عالم المجسات الميكرومترية المجمعة في حبيبات صغيرة أو ما بات يعرف بالغبار الذكي!

الغبار الذكي: هو عبارة عن منظومة افتراضية من النظم الميكروميكانيكية-كهربائية MicroElectroMechanical Systems (MEMS)  من مجسمات لاسلكية وروبوتات ومواد غبارية الحجم تعمل ضمن شبكات متصلة (Network)؛ بحيث يمكنها التقاط معلومة يحملها الضوء أو الحرارة أو الصوت أو الاهتزازات أو الإشارات الموجية أو الحقل الكهربائي أو المغناطيسي أو المواد الكيماوية. تدور الأبحاث والتجارب في هذا المجال على تشبيك هذه الروبوتات الغبارية لاسلكياً ورشها فوق مناطق محددة كي تقوم بمهمات الاستشعار أو التجسس.

يمكن لهذه المنظومات الغبارية تتبع تحركات الزوار أثناء انتقالهم في حقل تغطيتها. كما يمكنها تنفيذ تطبيقات أخرى مثل تحديد نقاط وخطوط الخطر في هيكليات المباني بعد هزة أرضية مثلاً أو التحذير من وجود سموم بيوكيميائية وربما يصبح بالإمكان برمجتها بحيث تؤدي مهمة الجي بي إس ((GPS لتحديد المواقع على نطاق موقع عسكري أو ربما مدينة بكاملها…

تحذيرات من مستقبل الغبار الذكي:

مثل هذه المجسات الغبارية يمكنها إرسال معلومات مهمة مثل طبيعة الهواء والحرارة والرطوبة والضوء والاهتزازات وليس هذا سوى البداية. ويمكن توصيف هذه المبتكرة التكنولوجية على أنها أشكال غيمية ذكية متحركة يمكن برمجتها كي تقوم بعملها بشكل آلي تلقائي أو أن يتم التحكم بها وتوظيفها عن بعد. ومن وظائفها المفترضة كذلك استكشاف فضاءات الكواكب الممكن الوصول إليها تعديل حرارة الغلاف الجوي للأرض استشعار الهزات الأرضية تتبع جنود أو آليات الأعداء وتطبيقات أخرى في صميم الحياة الاجتماعية.

إن وعود الغبار الذكي تكاد لا تصدق وهي مخيفة في آن. فمنذ بضع سنوات حين كانت وحدة الغبار الذكي بحجم عود الكبريت اختبرت وظائفها بنجاح في قياس سرعة السيارات واهتزازات الأرض على إحدى الطرق في كاليفورنيا بعد أن تم رميها من الطائرة على جوانب الطريق وبدأت ببث المعلومات بحسب برمجتها.

وهناك مشروع أبحاث قيد الانجاز يقوم على نشر مئات من أجهزة الاستشعار بشكل يغطي شرق ولاية كاليفورنيا. ويهدف المشروع إلى قياس سرعة الزحف القاري للقارة الأمريكية وتطوير دراسة البراكين والرواسب المعدنية والزلازل. بدأ المشروع بحلول العام 2008 وسيبقى حتى عام 2023. (ويليام برود) أخذ نبض الأرض (نيويورك تايمز).

ولن يطول انتظارنا حتى يصبح بإمكان حبيبات الغبار الذكي التقاط تحركات الأشخاص ومواقعهم. ولن يكون من الصعب بعد ذلك أن نتخيل نثر الغبار الذكي على شعر الناس وبرمجته بحيث يتعرف وينقل نوع جينة الحمض النووي للشخص المضيف إضافة إلى موقعه وربما كلامه!!

ويمكن لهذا الغيم التحرك مع الرياح ويمكن تغيير شكله وخصائصه عبر تعريضه لحقل كهربائي أو مغناطيسي كما يمكن لحبيبات الغبار الذكية هذه التواصل فيما بينها والتجمع في غيمة أوفي ما يشبه رفا كثيفا من النحل. وحتى أثناء هبوب الرياح فان هذه المتخلقات الصغيرة يمكن التحكم بها وتوجيهها في أي اتجاه بغية إيصالها إلى أهدافها.

أحد التطبيقات النموذجية تتمثل في بعثرة المئات من هذه الحساسات حول الأبنية أو المستشفيات لمراقبة الحرارة أو الرطوبة وتعقب تحركات المرضى والإعلام بالكوارث كالزلازل. ويمكن استخدامها في الجيش كرقاقات استشعار عن بعد لتعقب تحركات العدو وكشف الغازات السامة أو المواد المشعة.

وسوف يكون بإمكان الغبار الذكي مثلاً مراقبة درجة الحرارة داخل مراكز بيانات الكمبيوتر وتزويد نظام التحكم بالبيانات بغية ضبط مستوى التبريد حسب البيانات المستلمة ما يوفر الكثير من الطاقة المهدورة وتكلفة الصيانة.

خيال علمي أم مشروع قيد الانجاز؟:

قد يبدو الأمر كأننا أمام قصة من الخيال العلمي حتى الآن. وكانت الفكرة الحديثة للغبار الذكي قد انبثقت من كتاب الخيال العلمي مثل (نيل ستيفانسون) و (فيرنر فينج) في بداية التسعينيات لكن القصة بدأت قبل ذلك بعقود حين ظهر موضوع مشابه عام 1964 في كتاب خيالي علمي بعنوان (الذي لا يقهر).

وقد وضع مصطلح (الغبار الذكي) عام 1997، العالم الأمريكي كريس بيستر Kris Pister أستاذ الهندسة الكهربائية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومؤسس مشارك ورئيس لشركة  Dust Networks، حيث بدأ في عام 1994 العمل على مشروع بهدف بناء شبكة من مجسات مصغرة لا يتجاوز حجم المجس منها ملليمتراً مكعباً واحداً. وقد لا يتجاوز حجم المجس منها ملليمتراً مكعباً واحداً قادرة على اكتشاف التغيرات البسيطة في الضوء، والاهتزازات، وتسارع الهواء، وأن تتصل هذه المجسات التي تسمى الذرة من الغبارmote  لاسلكياً عبر موجات الراديو، وتعمل بالطاقة الشمسية ويبلغ حجمها سنتمتراً واحداً. ولم يصل بيستر وفريقه المدعوم من وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة (داربا) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية إلي هذا الهدف الكبير بعد، لكنهم اقتربوا منه، فقد تمكنوا من بناء مجس لاسلكي يقل حجمه عن 5 سنتيمترات، أي في حجم حبة الأرز، ويقول بيستر إن كل مجس يعمل باستقلال تام، ويمكنه إجراء اتصالات ثنائية الاتجاه ويصل إرساله إلى 100 متر.

وعند توزيع الغبار الذكي في الأماكن المناسبة يظهر له تأثيرات سحرية، فإذا جهز لمراقبة إشارات الجسم البشري وحركته يمكنه حينئذ تنبيه الأطباء والممرضات إلى التغيرات في حالة المريض، وإذا جهز لقراءة مستويات الماء والكيميائيات، يمكنه تنبيه المزارعين إلى المشاكل التي تواجه نمو المحاصيل، كما يمكنه تحسين نظم التدفئة والتبريد في المباني، وذلك بمراقبته للحرارة وسريان الهواء.

يُذكر أن تقنية المجسات تستخدم بالفعل في العديد من المجالات، إلا أن الغبار الذكي يعتبر نظرياً أصغر حجماً وأرخص سعراً من الأجهزة السلكية المستخدمة اليوم، حيث يقول بيستر إن تكلفة المجس الواحد المستخدم في نظم تكييف الهواء يتراوح حالياً بين 500 و1000 دولار، كما أن معظم المجسات ترتبط بواسطة الأسلاك، ولا بد من وجود الأيدي العاملة لتركيبها، بينما في حالة الغبار الذكي يمكن تركيب المزيد من الحساسات بسهولة والحصول على نظم تهوية أكثر كفاءة وبتكلفة أقل بكثير. وقد وصل أحد أشكال هذه التقنية إلى الأسواق بالفعل، إذ تقوم حالياً شركة Dust Networks التي يرأسها بيستر، بإنتاج نماذج من الغبار الذكي للمصانع ونظم التدفئة والتبريد، لكن المشكلة الوحيدة في المجسات المتاحة تجارياً اليوم تكمن في أنها ليست كالغبار فعلاً، فحجم مجسات هذه الشركة يصل إلى حجم علبة الكبريت، وهو أي الحجم مرتبط بحجم بطارياتها، حيث يمكن لمجسات بار بيستر أن تعمل لمدة خمس سنوات بزوج من البطاريات قياس AA ويتوقع العلماء أن يتضاءل حجم هذه المجسات خلال السنوات القليلة، محدثة تطبيقات واسعة في كافة الميادين وبخاصة الطب والصناعة والميادين العسكرية.

وقد اختير هذا المشروع للتمويل من قبل الجامعة عام 1998. لكن تطوير ومتابعة مشروع الغبار الذكي وجد دعمه الكبير في تطبيقات التكنولوجيا العسكرية. وفي نشره بحثيه حديثه يناقش باحثون – من بينهم كريستوفر بيستر – تقنيات متعددة لاستخدام الغبار الذكي في شبكة مجسَات يقل حجم الواحد منها عن ملليمتر مكعب واحد بل يتحدثون عن إمكانية جعلها ميكرومترية (أصغر بألف مرة) خاصة أن التقدم في معالجه السيلكون وفيزياء المواد والنانوتكنولوجيا باتت تعد بتصغير حجم المجسات إلى مستوى حبة الرمل وبرمجتها بناءً على خصائصها الميكانيكية والفيزيائية والكيميائية والضوئية والكهرومغناطيسية.

وكثيرون هم الباحثون ومعاهد الأبحاث الذين باتوا يتناولون هذا الموضوع ومن بينهم الدكتور (جون باركر) من جامعة غلاسغو Dr . john Barker (Glasgow) الباحث الرئيس في (مركز الأبحاث المتخصص بالأنظمة فائقة السرعة) والذي يعدَ أحد الأعضاء المؤسسين لمجموعة كبيرة من الشركات الدولية – وقد بتطوير مفهوم مشابهه للغبار الذكي سمَي (البقع الذكية).

لا يزال الأمر في بداية المرحلة التجريبية لكن هذه التكنولوجيا تبدو واعدة في ما يختص باكتشاف الفضاء خاصة التوسع في التعرَف على كوكب المريخ . أضف إلى ذلك أن تطبيقاته المفترضة في بيئة الأرض تبدو غير محدودة .

وبينما ينشغل مجتمع الباحثين بما سوف يخلف الكمبيوتر الشخصي فقد أصبح موضوع شبكات المجسات اللاسلكية يشكَل بيئة جديدة تطرح تحديات وأفاقاً جديدة أمام الباحثين .

ثلاثة مفاتيح تكنولوجية كانت وراء إتاحة هذه البيئة. الدوائر الالكترونية – الرقمية، والاتصالات اللاسلكية، والأنظمة الميكروميكانيكية (MEMS) . في كل من هذه الميادين أدَى التقدم في تكنولوجيا الأجهزة وهندسة التصاميم إلى اختزال الأحجام، وتقليل الكلفة وتخفيض استهلاك الطاقة.

وهذا ما سمح بظهور مجمَعات من المجسَات المستقلة القليلة الحجم؛ بحيث تحتوي كل منها على مجسَات متعددة وإضافة إلى قدرات في البرمجة والاتصالات والتغذية بالطاقة .

ومنذ عام تقريباً كان حجم حبة الغبار الذكي لا يزال بحدود 2 ملم مكعبة. وكان الباحثون قد اختبروا في العام الماضي في (مختبر أبحاث إنتل) في بركلي منظومة صغيرة منم الغبار الذكي أسموها (سبك) جهزت وبرمجت لترسل إشارات راديوية على موجة 902 ميغاهرتز لمسافة 13 متراً بسرعة 13200 كيلوبت بالثانية الواحدة. وقد استهلكت المنظومة في بثها هذا طاقة تقل بألف مرة عن طاقة أي جهاز خلوي .

اليوم أستطاع الباحثون تصغير حبة الغبار الذكي إلى 1 ملم مكعب حيث يمكنها احتواء مجسَمات ودوائر برمجية وتكنولوجيا التواصل اللاسلكي من بث واستقبال وإمكانية إنتاج الطاقة بشكل مستقل. في بعض الاختبارات أمكن استخدام الغبار الذكي بتغطية إرسال – استقبال راديوي لمسافة 350 متراً بين منظومات تبادلت كل أنواع البيانات والتطبيقات البرمجية. بعضها تخدم بطارياتها لأكثر من 5 سنوات وبعضها يمكنه استخدام الطاقة المتجددة من الشمس أو حركة الهواء أو المواد المشعَة. وهنا لابد من الإشارة إلى المحاذير الناتجة عن وصول الغبار الذكي المشع أو المشحون أو المبرمج إلى غير مقصده الأساس وما قد ينجم عن ذلك من مضاعفات غير محسوبة النتائج.

وبالتأكيد فإن عقلاً ذي مخيلة واسعة يمكنه أخذ تطبيقات الغبار الذكي إلى استخدامات شديدة الروعة أو شديدة الترويع. لكن شيئاً واحداً بات من المؤكد وهو أن تكنولوجيا الغبار الذكي أخذت تشق طريقها في مختبرات الأبحاث الأكاديمية والعسكرية نحو المزيد من التعقيد والتطور ويبدو أنه لا أحد (حكومات أو مؤسسات علمية) يمكنه كبح جماح الغبار الذكي. لقد غادر هذا المارد قمقمه وباتت كل حبة من هذا الغبار تساوي أثقالها ذهباً.

وفي مطلع عام‏2001‏ نشرت مجلة فيزياء الجوامد التي تصدر عن معهد الهندسة الكهربية والإلكترونية نتائج مشروع بحثي قام به فريق من العلماء بقسم الهندسة الكهربية بجامعة فلوريدا الأمريكية وتم خلاله التوصل إلى نظام اتصال لاسلكي جرى تشييده كاملاً على إحدى الشرائح الإلكترونية الدقيقة المستخدمة في صناعة الحاسب الإلكترونية والتي تقاس مساحتها بالمليمتر‏‏ ويتكون هذا النظام من جهاز لبث موجات الراديو دقيق الحجم وهوائي دقيق لا يكاد يري بالعين المجردة ووحدة إرسال واستقبال دقيقة من الحجم نفسه‏ وقد كان هذا التطور بمثابة الإعلان عن إمكانية تشييد بنية الاتصالات اللاسلكية التحتية المتكاملة اللازمة لتحقيق تواصل فعال بين كل حبيبة غبار ذكية وأخرى‏.‏

وفي عام ‏2002‏ ظهر مفهوم شبكات المستشعرات اللاسكية وبدأ تطبيقه بالفعل في بعض الجزر لمراقبة حركة الطيور وفي بعض التطبيقات الزراعية وغيرها،‏ وفي عام ‏2005‏ تم تطوير شريحة إلكترونية تتكامل فيها المستشعرات مع أدوات بث المعلومات علي شريحة سيليكون واحدة قطرها ‏5‏ ملليمترات‏،‏ ثم عكف العلماء بعد ذلك على استكمال باقي مكونات الشريحة‏ كالموصل والهوائي ومصدر غير تقليدي لمد المستشعر بالطاقة كالخلايا الشمسية كحركة النوافذ أو فروع الشجر التي تلتصق بها ذرات الغبار‏.‏

ظهرت بعد ذلك بحوث خاصة لدمج تكنولوجيا الغبار الذكي مع الهواتف المحمولة‏‏ ثم بدأ الحديث عن مشروع داخل وكالة الفضاء الأمريكية ناسا هدفه إعادة تهيئة الغبار الذكي ليعمل بتكنولوجيا الويب المستخدمة عبر الإنترنت بما يسمح بمشاركة واسعة للمعلومات التي يتم جمعها بواسطة ذرات الغبار‏‏ بمعني إيجاد شبكات معلومات تعمل بتكنولوجيا الانترنت ويتم من خلالها ربط حبيبات الغبار الذكي بالطريقة التي تترابط بها الحاسبات والمواقع علي الانترنت‏،‏ وبما يتيحه ذلك من قدرات ومرونة عالية في تجميع المعلومات من آلاف الحبيبات وتجميعها ومعالجتها مركزياً ثم إتاحتها للمشاركة‏‏ ثم تطور الأمر وبدأ الحديث عن ذرات الغبار التي تبصر وتسمع‏‏ أي المزودة بكاميرات تلتقط الصور ومايكروفونات تلتقط الصوت ثم تنقل ما تصوره وتسمعه عبر الشبكات اللاسلكية إلى مركز التجميع‏.‏

 


عدد القراء: 553

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-