إنترنت الأشياء وكسر الخصوصيةالباب: دبل كليك

نشر بتاريخ: 2015-11-17 14:34:10

فكر - المحرر الثقافي

عاش العالم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في عصر الحوسبة والحواسب المكتبية والشخصية، وكانت هذه الموجة التي استمرت في أوجها لمدة 15 سنة تقريبًا هي طابع ذلك العصر، فعلى سبيل المثال، كانت رسالة مايكروسوفت حينها "جهاز على كل مكتب وفي كل منزل" و هذا ما نجحت في تحقيقه بشكل كامل. ومع تطور المعالجات والشاشات انتقلنا إلى عصر التجوال Mobility حيث شكل ظهور الآي فون في مطلع 2007 انطلاقة الحقبة الجديدة من التكنولوجيا والعصر الجديد للحوسبة. فمن ذلك الوقت وحتى اللحظة ونحن نحمل ما يستطيع القيام بمهام تفوق تلك التي يقوم بها حاسب مكتبي ضخم يقبع على مكاتبنا قبل 10 سنوات.

مما لا شك فيه أننا سنعيش في عصر الأجهزة المحمولة لعدة سنوات قادمة، ولكن هناك موجة ضخمة قادمة وبدأت تصلنا بعض من ملامحها منذ سنوات قليلة. نحن على وشك أن نعيش ما بات يعرف بعصر "إنترنت الأشياء" Internet Of Things أو ما يعرف اختصارًا بـ IoT.

وبرزت إنترنت الأشياء، الذي يُقصد به الجيل الجديد من الإنترنت (الشبكة)، الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها (عبر بروتوكول الإنترنت). وتشمل هذه الأجهزة والأدوات والمستشعرات والحساسات وأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة وغيرها. ويتخطى هذا التعريف المفهوم التقليدي، وهو تواصل الأشخاص مع الحواسيب والهواتف الذكية عبر شبكة عالمية واحدة ومن خلال بروتوكول الإنترنت التقليدي المعروف. وما يميز إنترنت الأشياء أنها تتيح للإنسان التحرر من المكان، أي إن الشخص يستطيع التحكم في الأدوات من دون الحاجة إلى التواجد في مكان محدّد للتعامل مع جهاز معين.

تعتمد فكرة تقنية "إنترنت الأشياء" على جعل كافة ما يحيط بالإنسان متصلاً بالإنترنت، وفيما بينها، بغرض التصرف بشكل ذكي خدمة للمستهلك.

ويندرج تحت مظلة "إنترنت الأشياء" العديد من التقنيات التي بات استخدامها أمرًا اعتياديًّا في حياة الإنسان اليومية، على غرار الأجهزة الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، وغير ذلك من التجهيزات والأنظمة المنزلية الذكية المتصلة بالإنترنت التي تشهد ازديادًا كل يوم.

وأول من استخدم لفظ «إنترنت الأشياء» هو العالِم كيفن أشتون في عام 1999م، ويُعد أشتون من الروَّاد في مجال التقنية، فهو مؤسس أول مركز بحثي في معهد ماساتشوستس للتقنية، وهو متخصص في مجال المعايرة الآلية والترددات اللاسلكية المتصلة بالشبكة. وما ساعد على انتشار فكرة إنترنت الأشياء هو تقنيات الاتصال الحديثة مثل شبكات تحديد الهوية بموجات الراديو، وشبكات الاتصالات في المجال القريب، حيث بات دمجها بكل شيء وتوصيلها مع الإنترنت أمرًا عمليًّا ومتاحًا.

وعند الحديث عن "إنترنت الأشياء"، تستحوذ "المنازل الذكية" على جل الاهتمام، لأسباب منها تنوع تطبيقاتها، التي تشمل منتجات على غرار الأقفال الذكية، والروبوتات المنزلية، والثلاجات الذكية.

وتشير توقعات المتخصصين في صناعة الأجهزة الجوالة، إلى أن معدلات الأجهزة المتصلة بالإنترنت زادت من 500 مليون جهاز في عام 2003م إلى 12.5 مليار جهاز في عام 2010م، ويعتقد المتخصصون وصول عددها في 2015م إلى أكثر من 25 مليارًا، وأن تتضاعف بحلول عام 2020م إلى 50 مليار جهاز، أي إن معدل نموها يفوق النمو المحتمل لعدد سكان العالم بأكثر من سبعة أضعاف!

وقد قام قسم الأبحاث في شركة «Business Insider» بدراسة حول إنترنت الأشياء ومدى سرعة نموها وانتشارها بين قطاعات الأعمال، وأظهرت الدراسة أن أكبر المستثمرين في هذا المفهوم الجديد هو قطاع الصناعة، حيث من المتوقع أن تصل أحجام استثماراته إلى أكثر من 100 مليار دولار بحلول العام 2018م، بينما يحتل قطاع المواصلات والتخزين المركز الثاني ويليه قطاع المعلومات. وأظهرت الدراسة أن قطاع التشييد يُعد من القطاعات المهتمة بتقنية «إنترنت الأشياء»، وقد يضخ ما يقارب 30 مليار دولار كاستثمار بحلول العام 2019م.

لكن ترافق هذه التقنية مخاوف عديدة من تسببها بانتهاك خصوصية المستخدم نظرًا لإحاطتها بكافة تفاصيل حياته، خاصة في حال تمكن القراصنة من اختراق شبكات المنازل الذكية، الأمر الذي دفع إلى تسويقها بشكل آخر حيث أصبحت توصف حديثًا بأنها طريقة لتحويل الإنسان إلى ما يوصف بعبودية التقنية، إلى موقع يسمح له بالتحكم بها وتسخيرها لخدمته.

وتعد مراقبة صحة كبار السن والمرضى من المزايا المهمة التي توفرها "إنترنت الأشياء" كونها تسمح للمريض بالمكوث في منزله لتتم مراقبته عن بعد دون ضرورة البقاء في المستشفى، فبمقدور هذه التقنيات التقاط الإشارات الحيوية للمريض، مثل معدل النبض والتعرق ونسبة الأكسجين في الدم، وإرسالها إلى المشفى مما يساهم بتخفيض تكاليف الرعاية الصحية بمقدار كبير.

وفي تقرير نشرته هيئة التجارة الاتحادية الأمريكية مطلع هذا العام، أشارت إلى وجود 25 مليار جهاز متصل بالإنترنت، وحذرت من عقبات ذلك على الأمن والخصوصية.

وفي تأكيد منها لأخطار هذا الأمر، حذرت شركة "إتش بي" الأمريكية من 250 ثغرة أمنية مرتبطة بتقنيات "إنترنت الأشياء" في حين نبهت المحامية البريطانية المختصة بالشؤون السياسية والتقنية، جوليا باولز، إلى أن "إنترنت الأشياء" قد توفر بنية تحتية مثالية لمراقبة الإنسان.

ومن الضروري الانتباه والحذر من الأخطار الأمنية التي قد تنجم عن "إنترنت الأشياء" وفقًا لأستاذ الاقتصاد الرقمي بجامعة نوتنغهام، ديريك ماكاولي، الذي نبه من أشياء، على غرار قدرة اللصوص اختراق شبكات المنازل الذكية لمعرفة أوقات نوم قاطنيها لسرقتهم، أو تمكن المخترق من إيقاف نظام التدفئة أيام الشتاء القارس مما قد يتسبب بأخطار على حياة كبار السن، وغير ذلك من الاحتمالات التي تجعل من عمليات الاختراق هذه وسائل لارتكاب جرائم وعمليات إرهابية.

إن اختراق شبكات المنازل الذكية قد لا تنعكس أخطاره على خصوصية المستخدمين وسلامتهم فحسب، بل يمكن أن يستغل الأمر للتلاعب بفواتير استهلاك الطاقة لزيادتها أو خفضها.

وفي الواقع، فإن بيانات مستخدمي "إنترنت الأشياء" ليست ملكهم، وهنا تكمن إحدى النقاط المثيرة للقلق، فمثلاً، إن رغب المستخدم بفتح قفل باب منزله لدى وصوله، يقوم هاتفه الذكي بإرسال الأمر عبر الإنترنت إلى الخدمة السحابية المسؤولة عن قفل الباب لتقوم بدورها بفتحه، إن أي اختراق محتمل للخدمة سيؤدي إلى وقوع كوارث حقيقية.

ويعمل مؤسس شبكة الإنترنت "تيم بيرنرز- لي" مع مجموعة من الباحثين على بناء نظام يسمح للمستهلكين بالتحكم بحركة بياناتهم عبر الإنترنت، حيث توقع حصول ما وصفه بثورة المستخدمين للمطالبة باستعادة بياناتهم.

ومن المنتظر أن تجد جهات تنفيذ القانون حول العالم حلولاً وضوابط فعالة لحماية بيانات مستخدمي "إنترنت الأشياء" خاصة وأن هذه التقنيات بدأت تحظى بانتشار متصاعد خاصة بعد دخول لاعبين كبار بعالم التقنية إلى هذا المضمار، مثل غوغل وآبل.

من سيتحكم بإنترنت الأشياء؟

على عكس العصرين السابقين (عصر الحاسب PC وعصر الأجهزة المحمولة Mobile) فإن إنترنت الأشياء ليست منتجًا أو نظامًا ستنتجه شركة وستبيع منه لملايين المستهلكين. إنترنت الأشياء هو مفهوم جديد لكيفية حياتنا وإدارتنا لأعمالنا باستخدام شبكة الإنترنت. لذلك لن تجد شركة تسيطر على هذا السوق. ولكن بالأخذ بالمعطيات الحالية، فإن أكثر 4 شركات مرجح أن يكون لها ولتقنياتها شأن كبير في هذا السوق هي:

سيسكو: إنترنت الأشياء هي شبكة من الأجهزة المتصلة، وعندما نقول شبكة فإن لسيسكو الكلمة العليا في هذا المجال. سيسكو من أوائل الشركات التي استثمرت في تقديم حلول لقطاع الأعمال في مجال إنترنت الأشياء ولها دراسات مهمة جدًّا في هذا المجال.

مايكروسوفت: بوجود نظام تشغيل (ويندوز) يعمل على مليار ونصف الجهاز ومنصة حوسبة سحابية (أجور) هي الأفضل والأقوى لقطاع الأعمال، أضف إلى ذلك إطلاق مايكروسوفت لنسخة خاصة من ويندوز موجهة لإنترنت الأشياء، بذلك تمتلك مايكروسوفت ما يؤهلها لقيادة قطاع البرمجيات والحلول السحابية في سوق إنترنت الأشياء.

قوقل: بخبرتها الثرية في قطاع المستهلكين ومجالي البيانات الضخمة Big Data وذكاء الأعمال BI أضف إلى ذلك هيمنتها على عصر الجوال الذي نعيشه الآن، تملك قوقل الأدوات اللازمة لصناعة حلول ذكية يستفيد منها المستهلكون وقطاع الأعمال على حدِ سواء.

إنتل: عدد الأجهزة التي ستشكل مشهد سوق إنترنت الأشياء خلال 5 سنوات سيكون ضعفي أجهزة الجوال والحاسب والأجهزة اللوحية التي تعمل اليوم مجتمعة! من سيصنع معالجات هذا العدد الضخم من الأجهزة؟ ببساطة إنتل ستكون المشارك الأكبر في مجال العتاد Hardware خاصة مع وجود أبحاث ومشاريع ضخمة لها في هذا المجال بعدما فقدت حصة كبيرة من سوق الأجهزة المحمولة.

بعض الإحصائيات المثيرة للاهتمام من Business Insider و Gartner

– بحلول 2020، سيكون حجم سوق إنترنت الأشياء أكبر من سوق الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسب والأجهزة اللوحية مجتمعين بمقدار الضعفين! حيث ستصل عدد أجهزة إنترنت الأشياء إلى 35 مليار جهاز متصل بالإنترنت.

– يتوقع أن تصل إيرادات سوق إنترنت الأشياء إلى أكثر من 600 مليار دولار في عام 2020.

– عصر البيانات الضخمة Big Data سيعيش مستويات جديدة حيث ستولد الأجهزة في عالم إنترنت الأشياء بحلول 2020 ما يزيد عن 40 ألف إكسا بايت من البيانات، ما حجم ضخامة هذا الرقم؟ 40 ألف إكسا بايت = 40 تريلليون جيجا بايت، وهي المساحة التي تكفي لتسجيل كل الكلام الذي نطق به البشر صوتيًّا و بجودة عالية من عصر سيدنا آدم إلى يومنا هذا !

– الاستثمار في الشركات الناشئة في مجال إنترنت الأشياء تضاعف 10 مرات خلال الـ 5 سنوات الماضية.

– أتمتة المنازل وأنظمة المنازل الذكية سيكون أكبر سوق لإنترنت الأشياء في قطاع المستهلكين بنهاية 2020، بينما ستشكل أنظمة البنية التحتية أهم المشاريع الحكومية. تظل الشركات و قطاع الأعمال أكثر المنفقين على إنترنت الأشياء.

– قطاع الأعمال سيستثمر 250 مليار دولار في تقنيات إنترنت الأشياء خلال الخمس سنوات القادمة، 90 % منها سيذهب للاستثمار في الأنظمة والبرمجيات التي تشغل هذه الأجهزة.

– كيف ستستثمر كافة القطاعات في إنترنت الأشياء؟ القطاع الصناعي أكبر المستثمرين وأجرأهم في تبني التقنيات الجديدة.


عدد القراء: 1286

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-