علي محمود طه الملاح التائهالباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2017-05-12 02:30:27

فكر - المحرر الثقافي

ينتمي الشاعر المصري علي محمود طه إلى المدرسة الرومانسية، ويعد من أعلام مدرسة "أبولو". درس الهندسة التطبيقية وعمل بها مدة من الزمن، ثم تفرغ للأدب والشعر. من قصائده الشهيرة، فلسطين، والجندول، وكليوبترا.

المولد والنشأة

ولد علي محمود طه المهندس عام 1901 بمدينة المنصورة، وقضى معظم شبابه فيها.

الدراسة والتكوين

تعلم في الكُتاب وحفظ بعضًا من سور القرآن الكريم، ثم انتقل إلى المدرسة الابتدائية، والتحق بعدها  بمدرسة الفنون والصناعات التطبيقية، وتخرج عام 1924 مساعد مهندس معماري.

شعره

احتل علي محمود طه مكانة مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول "الملاح التائه "، وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحًا لا سيما شاعرهم  لامارتين . وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه حول المنصورة وبحيرة المنزلة من أمتع قصائد الديوان وأبرزها. وتتابعت دواوين علي محمود طه بعد.

وقد كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة. وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير. قال صلاح عبد الصبور في كتابه "على مشارف الخمسين": قلت لأنور المعداوي: أريد أن أجلس إلى علي محمود طه. فقال لي أنور: إنه لا يأتي إلى هذا المقهى ولكنه يجلس في محل  "جروبي" بميدان سليمان باشا. وذهبت إلى جروبي عدة مرات، واختلست النظر حتى رأيته .. هيئته ليست هيئة شاعر ولكنها هيئة عين من الأعيان. وخفت رهبة المكان فخرجت دون أن ألقاه.

الوظائف والمسؤوليات

عمل محمود طه بعد تخرجه في هندسة المباني بالمنصورة، وانتقل بعد مدة للعمل في سكرتارية مجلس النواب، واختير بعدها وكيلاً لدار الكتب المصرية، لكنه لم يستمر في هذا المنصب واختار التفرغ للأدب والشعر والإبداع.

يرى د. سمير سرحان ود. محمد عناني أن «المفتاح لشعر هذا الشاعر علي طه هو فكرة الفردية الرومانسية، والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة، ولا تشعره بضغوطها.. بحيث لم يستطع أن يرى سوى الجمال وأن يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال الذي هو سلاح الرومانسية الماضي.. كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر، مؤكدًا على الوحدة النفسية للقصيدة، فقد كان يسعى». كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب - أن تكون القصيدة بمثابة «فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة.. كان علي محمود طه في شعره ينشد للإنسان ويسعى للسلم والحرية؛ رافعاً من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا..».

المسار الأدبي

انشغل بالأدب والشعر، واتصل ببعض رجال السياسة والأدب في بواكير حياته. وكتب في جميع أغراض الشعر، كالغزل والرثاء والمديح والفلسفة والحكمة والتأمل والجمال، وتنوعت قوافيه وفنونه، وتميز بالصور الحسية التي رسمها في قصائده، إضافة إلى النزعة الرومانسية التي بدت غامرة في ديوانه الأول "الملاح التائه".

قال عنه الأديب أحمد حسن الزيات: "كان شابًا منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلا قصيدة من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك".

زار مرة مدينة فينيسيا (البندقية) في صيف 1938، وحضر الاحتفال السنوي بها ثم نظم قصيدته "الجندول"، التي غناها الفنان محمد عبدالوهاب، فجلبت له شهرة واسعة، كما غنى له عبدالوهاب  "كليوبترا"، و"فلسطين".

قال عنه النقاد: إنه ليس شاعرًا رومانسيًّا خالصًا، كما هي الحالة عند أبي القاسم الشابي، ففي شعره تصوير حسي للذات الحياة وحاناتها وما فيها من رقص وخمر وغناء، وألفاظه ذات رنين صاخب، وإيقاعاته كلاسيكية وإن حاول أن ينوّع في هندستها، وبعض موضوعاته كلاسيكي في حين أن موضوعاته الأخرى كانت رومانسية، ولذلك تقلّب بين الشعر الكلاسيكي، والشعر الرومانسي.

ويعد علي محمود طه نموذج هؤلاء الشعراء الذين طواهم النسيان، والذين في الوقت نفسه تقطر سيرتهم شعرًا وشاعرية. على أن هذا لا يعني أن الدارسين الذين تناولوا شعره أجمعوا على عظمة هذا الشعر  ورفعة  منزلته. فهذا ليس مألوفًا عادة في عالم الدرس والنقد. فالدكتور شوقي ضيف، على سبيل المثال، لم يعجبه شعره، وهذا من حقه بالطبع. فقد كتب مرة في كتاب له عنوانه: (دراسات في الشعر العربي المعاصر) أن علي محمود طه هو شاعر «الألفاظ الخلاّبة» وأنه كان «خاليًا من المعنى والروح» لأنه ليس له رصيد من الفكر والفهم للحياة أو الخبرة الروحية أو النفسية. أي أنه اتهمه بالخفّة والسطحية.

ولكن نقادًا آخرين بارزين خالفوا الدكتور شوقي ضيف في ما ذهب إليه، منهم الدكتور محمد مندور الذي ذكر يومها: «إن زميلنا الدكتور شوقي ضيف قد ظلم الشاعر علي محمود طه بهذا الحكم ظلمًا بيّنًا، ذلك لأن علي محمود طه لا يجوز أن يُتَّهم برصف الألفاظ وهو الشاعر الملحق الصادق الشعور الذي تأثر بمشاهداته وتجارب حياته أبلغ التأثير، ونقل كل ذلك إلى جو شعري نافذ العطر بفضل خصائص هذه اللغة الشعرية التي ينتقدها الزميل، ثم بفضل حسّه الموسيقي المرهف الذي مكّنه من السيطرة على أصوات اللغة، سيطرة فريدة عند دعاة التجديد في شعرنا الحديث.

وكل ذلك فضلاً عن الاتجاهات النفسية الواضحة في شعره وضوحًا يكاد يرفعها إلى مصاف المذاهب الشعرية المتميزة المستندة إلى فلسفات محددة.

وتردّ نازك الملائكة على أحكام شوقي ضيف فتقول: ولعل القارئ الذي يعرف علي محمود طه معرفة عابرة تقتصر على قصائده العاطفية المشهورة يحسبه شاعر حب وغناء لا ترقى شاعريته إلى أبعد من الأغنية الشعرية الحسية وقصيدة المناسبة المتحمسة. «ولعل هذه النظرة دارجة حتى لدى بعض المطلعين من الأدباء والنقاد، مثل ذلك الرأي للدكتور محمد مندور قال فيه نصًّا: «إن علي محمود طه بطبعه أبعد ما يكون عن الروحانية والتأمل الذاتي».

والدراسة العميقة لشعر علي محمود طه لا بد أن تنتهي بنظر نازك إلى عكس هذا الرأي. «فإن علي محمود طه روحاني بطبعه، كثير العكوف على التأمل الذاتي، وقد ترك من القصائد في هذا الباب ما يكاد يزيد على شعره العطافي. فإذا لاح هذا الاتجاه النفسي مناقضًا لموقف الشاعر في قصائده الوصفية الغنائية وقصائد العبث، فإن هذا التعارض ظاهري وحسب». وقد درست نازك الملائكة الظاهرة الفكرية في شعره وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه ارتفع به عن مرتبة الحسية إلى آفاق الروحانية والفكر والخيال ما يجعله أجمل شعره وأروعه على الإطلاق!.

ورأى دريني خشبة، وهو من نقاد ذلك الزمان، أن علي محمود طه كان صادقًا في كل ما قال. فشاعريته كالروح التي تتدفق في الجسم الحي، وهي لا تتدفق حكمة كما تتدفق شاعرية المتنبي. ولا فلسفة وتشاؤمًا كشاعرية أبي العلاء والخيام، ولا وصفًا للطبيعة واندماجًا فيها كشاعرية ذي الرمة مثلاً، لكنها تتدفق غناء كشاعرية البحتري. فهي تترقرق سحرًا كما تترقرق غناء حتى في منظومات الألم والأسى. (جهاد فاضل، صحيفة الرياض، العدد 16383، 2 مايو 2013م).

أعماله الأدبية

أصدر علي محمود طه ديوانه الأول: "الملاح التائه" في عام 1934، ونشر بعده عدة قصائد في الرثائيات منها فلسطين وسيد درويش والملك فيصل الأول وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي و"عدلي يكن وأمين المعلوف وشكيب أرسلان وغيرهم.  وله قصائد شهيرة  كـ"الوحي الخالد"، و"أرواح وأشباح " و"شرق وغرب".

صدر له كتاب من النثر بعنوان "أرواح شاردة" 1941، وكتب أيضًا مسرحية غنائية بعنوان "أغنية الرياح الأربع" عام 1944. صدرت حول شعره دراسات  عديدة منها كتاب أنور المعداوي "علي محمود طه: الشاعر والإنسان" وكتاب  تقي الدين "علي محمود طه، حياته وشعره".

في عام 1965م أنجزت الشاعرة العراقية نازك الملائكة كتابًا كاملاً عن علي محمود طه، الذي سبق حركة الشعر الحرّ.. وهذا إن دلّ على شيء، فعلى أهمية الشاعر علي محمود طه وجيله الشعري، خاصة أن نازك كانت طليعة الشعر الحرّ، أو الشعر الجديد، كما سُمّي يومها.

الوفاة

توفي علي محمود طه يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1949 ودفن بمسقط رأسه في مدينة المنصورة.

الملاح التائه

أيّها  الملاح  قم  و اطو  الشّراعا

لم  نطـوي  لجّـة  اللّـيـل  سـراعا

جـدّف  الآن   بــنـا  في   هـيـنـة

وجهـة  الشّاطئ  ســيرا  واتّباعا

فـغــدًا   يـا صاحـبي   تـأخــذنـــا

مــوجـة  الأيّــم  قـذفًـا  واندفـاعا

عبثًا  تقفو  خطا  الماضي  الذي

خـــلت  أنّ  البحر  واراه  ابتلاعا

لـم  يكــن غير أويــقــات  هوى

وقفت عن  دورة الدّهر انقطاعا

فـتمهّـل  تـسعـد  الـرّوح   بـمــا

وهمت أو تطرب النّفس سماعا

ودع   اللّيـلة    تـمـضـي   إنّـهـا

لم  تكـن  أوّل  ما ولّى   وضاعـا

سـوف  يبدو  الفجر في آثارهــا

ثــمّ يمضي في دوالـيـك تبـاعـا

هذه  الأرض  انـتـشـت مـمّا بها

فـغـفـت تحلم   بالخلد  خداعـــا

قد  طواها   اللّيل حتى أوشكت

من عميق الصّمت فيه أن تراعا

إنه  الـصّـمـت  الذي في  طيّـه

أسفـر المجـهـول والمستور ذاعا

سمعـت  فيه  هـتـاف  المنـتـهى

من  وراء   الغيب  يقريها  الوداعا

أيّـهـا  الأحيـاء   غـنّـوا   واطــربوا

وانهبوا  من  غفلات الدّهر ساعا

آه   ما  أروعــهــا   مـن   لـيـلـــة

فاض في أرجائها السّحر وشاعا

نـفـــخ   الـحـبّ  بـها  من  روحــه

ورمى عن سرّها الخافي القناعا

وجـــلا  من صـور  الحـسـن  لـنا

عبقريــًّا   لبق  الـفـنّ  صناعـــــا

نـفـحـات  رقـــص  الـبـحـر  لـهـا

وهـفـا الـنّـجـم  خـفـوقا والتماعا

وسرى  من جانب  الأرض صدى

حــرّك  الـعـشب حـنانـا واليراعا

بـعـث  الأحـــلام  من  هـجـتهـــا

كــسـرايا  الطّير  نـفّرن   ارتياعا

قـمن بالشّاطئ من وادي الهوى

بنشيد   الـحـبّ يـهتـفـن  ابـتداعا

أيّها   الهاجــــر   عزّ   الملـتــقــى

وأذبت    الـقـلب  صدًّا   وامتـنـاعا

أدرك   التـائه   في  بـحـــر الهوى

قبل  أن  يـقـتـله  الموج   صراعــا

وارع   في  الدّنيـا  طريدًا  شــاردًا

عنه  ضاقت  رقعة  الأرض اتّساعا

ضلّ   في  اللّيل   سراه،  ومضى

لا  يرى  في  أفق  منه  شعــاعـا

يجـتوى   اللاّفح   مـن   حـــرقتــه

وعــذاب  يشعـل  الـرّوح   التـيـاعا

والأسـى  الخـالـد  من مــاض عـفا

والهوى   الثّائر   في  قـلب تداعى

فاجـعـل  الـبـحـر  أمانـًا   حـولــــه

واملأ   السّهل  ســلامــًا  واليفاعا

وامــســح   الآن   عـلـى  آلامــــه

بيد   الرّفق   التي  تمحو  الدّماعا

وقُـدِ   الفـلـك   إلى   بـرّ   الرّضـى

وانشر  الحبّ   على  الفلك شراعا


عدد القراء: 506

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-