التفرد التكنولوجي Technological Singularity ورحلة الروبوتات نحو الروحانية !الباب: علوم وتكنولوجيا

نشر بتاريخ: 2015-11-06 02:11:45

فكر - المحرر الثقافي

سعي الإنسان نحو الكمال لا ينتهي، فمنذ اكتشاف النار ومحاولاته العديدة في السيطرة على الطبيعة والتحكم بها عادت عليه بحسنات ولعنات لا يزال يعاني منها، وسيبقى إلى أن يفنى. أهم هذه المحاولات هي في تطوره التكنولوجي المتزايد الذي شهد قفزات نوعية جداً خلال المئة سنة الماضية. قدمت العشر عقود هذه مفاهيم جديدة كلياً على البشرية وحلولاً لكثير من مشاكلاتها، ولعل الدافع الأساسي لها كان في أمر واحد فقط: أن نكون أفضل.

تتلخص نظرية التفرد التكنولوجي بأنه خلال ربع قرن من الزمن، سيضاهي الذكاء غير البيولوجي مجال الذكاء البشري ودقته. وبعد ذلك سيتفوق عليه بسبب التسارع المستمر لتكنولوجيا المعلومات، وكذلك مقدرة الآلات على مشاركة معرفتها بشكل فوري، يلي هذا مباشرة قدرة الآلة على (الإدراك) أو (الوعي) والوصول لمستوى ذكاء مماثل لذكاء البشر ويتفوق عليه بأنه يتطور أسرع منه بكثير.

الآن، كان هذا تعريف النظرية بشكل عام التي لها الكثير من التفرعات غير المنتهية، لكن أكثر شخصية مرتبطة بهذا المفهوم الآن هي العالم راي كورزويل Ray Kurzweil. راي هو مبشر – إن صح التعبير – بمفهوم التفرد التكنولوجي أو Singularity ويحاول دائماً أن يجعل تنبؤاته مبنية على أساس علمي صلب (كما سنرى لاحقاً). لراي مجموعة من الكتب والمحاضرات والأفلام وحتى المؤتمرات والجامعات التي تناقش هذا التفرد وتمهد له.

لكن عبارة (التفرد التكنولوجي) Technological Singularity لم تظهر بسبب راي، ظهرت هذه العبارة وأصبحت شعبية على يد كاتب الخيال العلمي فيرنور فينغ Vernor Vinge وكلمة (التفرد) Singularity حصراً التي تصف ظاهرة التطور العلمي المتسارع والتي ستوصل في النهاية إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها استخدمت بشكل علمي على يد عالم الفيزياء والرياضيات ستانيسلو أولام Stanislaw Ulam عام 1958.

يُعد هذا المفهوم من أكثرها إخافة للإنسان في الحقيقة، ظهر هذا في الكثير من الكتابات الأدبية الحديثة في الخيال العلمي أو في بعض الأفلام المشهورة جداً مثل The Matrix أو Terminator  أو غيرها. المهم والمميز في الموضوع أننا إذا ما حاولنا التفكير بشكل تراكمي عن التطور التكنولوجي الحالي سنجد فعلاً أننا في الطريق والمسألة مسألة وقت أمام كم هائل من التطور في عالمي الذكاء الصنعي والنانوتكنولوجي.

لا يعني هذا أن الموضوع حتمي بالضرورة طبعاً، ولا يزال الموضوع في حقل الافتراضات التي – حتى ولو كانت علمية – لا تزال تبحث عن الكثير من الإجابات. الواقع الذي نعيشه طبعاً والتطور المهول يجعلنا نفترض أن الأمر قادم لا محالة والمسألة مسألة وقت لا أكثر.

قانون مور: 

العصر الذي نعيشه يعده البعض عصر المعلومات, أو عصر السرعة, ويتميز عن العصر الصناعي باعتمادنا على الحواسيب التي تتطور وتزداد كفاءتها بسرعة هائلة جداً لأداء كثير من مهامنا اليومية واختصار الوقت. فمنذ أربعة إلى خمسة عقود انتقل حجم الحاسوب من مساحة تشغل غرفة كاملة إلى أن أصبح صغيراً جداً بحيث يمكن وضعه في الجيب, لكن العجيب أنه كلما صغر حجمه زادت قوته!

وقد لاحظ غوردن مور وهو أحد المؤسسين لشركة إنتل من خلال متابعته لتطور المعالجات, أنها تتطور بصورة سريعة ومنتظمة, بحيث يصبح من الممكن مضاعفة عدد الترانزستورات (التي تعمل على نقل الإشارات الكهربائية)  في المعالج كل سنتين مما يعني زيادة قوته على معالجة البيانات مع المحافظة على ثبات التكلفة, حيث كان المعالج يحتوي على 240 ترانزستور في عام 1965 واليوم المعالج الواحد يحتوي على مليارات الترانزستورات، وهي لا تزيد كل سنتين, بل تتضاعف.

ولإضافة المزيد من الترانزستورات نحتاج لأن نجعلها أصغر, ولإضافة المزيد نحتاج نصغرها مرة أخرى وهكذا, حتى تصل إلى حجم لا يمكننا الاستمرار بتصغيرها, وتحاول شركة إنتل الالتفاف على مشكلة صغر الحجم بعمل بعض التغييرات على طريقة تصنيع المعالج, بحيث تعمل الآن على تصنيع معالج ثلاثي الأبعاد  لتستطيع إضافة كمية أكبر من الترانزستورات عليه.

ويتوقع أن يستمر قانون مور  ساريا على الترانزستورات حتى عام 2020 ليتم الانتقال بعد ذلك الى ما يسمى بالحوسبة الضوئية التي تستخدم الفوتونات الضوئية (أصغر الجزيئات الضوئية) لتخزين ونقل البيانات.

هذا التطور السريع الذي يزداد في معدل سرعته كل مدة حتى إن البعض يرى أن قانون مور الآن يحدث كل 18 شهراً أو كل سنة وليس كل سنتين سيصل بنا في المستقبل إلى ما يمسى بالتفرد التكنولوجي الذي تنبأ به راي كرزويل المختص في المستقبل, بحيث ستصبح الحواسيب قادرة على معالجة المعلومات بقدرة العقل البشري حتى تصل في تطورها إلى مرحلة من الذكاء الاصطناعي تتفوق فيها على العقل البشري، وتقوم بتطوير وتحسين نفسها بنفسها، لما تملكه من ذكاء وقدرات تفوق البشر.

راي كورزويل صاحب التوقعات المستحيلة

في 17 كانون الأول/ديسمبر 2012، تسلم إدارة قسم الهندسة في جوجل، وكان الناس يطلقون عليه  «الوريث الشرعي لأديسون».

يعد راي كورزويل، واحداً من كبار المخترعين وعلماء المستقبل، وهو من توقع أنه بحلول عام 2033 ستكون هناك أجهزة كومبيوتر بحجم خلية الدم. وقال العالم إن النمو الهائل في قوة المعالجات التي تعد محور عمل أجهزة الكومبيوتر إلى جانب تقنية تناهي الحجم سوف يؤدي إلى ظهور أجهزة كومبيوتر متناهية الصغر في الحجم، ومن ثم ستتضاءل الحدود بين الخيال والواقع.

ويرى راي أن حجم الكومبيوتر سيتضاءل خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، وستكون أصغر من حجمها في الوقت الراهن بمائة ألف مرة. وأن العلم قادر الآن على وضع جهاز كومبيوتر بحجم «حبة الفستق السوداني داخل الدماغ وهو الأمر المتبع في معالجة الأشخاص المصابين بمرض الباركينسون ليقوم بوظيفة الأعصاب التي أدى المرض إلى تلفها.

ويعتقد راي أن مع إمكانية زيادة طاقة الكومبيوترات مليار ضعف على طاقتها في الوقت الحالي وتقليص الحجم مائة مرة عن الحجم في الوقت الراهن خلال السنوات الخمس والعشرين معناه الوصول إلى أجهزة كومبيوتر بحجم كرية الدم» قادرة على الدخول إلى داخل أجسامنا للمحافظة على صحتنا وحتى الوصول إلى الدماغ ومن ثم زيادة ذكاء الإنسان. أي أنه مع إنتاج مثل هذه الكومبيوترات سيكون بمقدورنا الوصول إلى الصورة الكاملة للعالم الافتراضي الموجودة داخل جملتنا العصبية.

هو ليس من أولئك الناس ممن يكتفون بوصف المستقبل وحسب، بل هو أحد أولئك المجانين ممن يحاولون دفع العالم كله لتحقيق ذلك الوصف كما يرونه.

قانون العوائد المتسارعة

خلال الثلاثين عاماً الماضية، كان راي مهتماً بطريقة تطور تكنولوجيا المعلومات ومعدلها في كل المجالات، ليس فقط بالمعنى الذي قد يتبادر للذهن أنه يقتصر على الإنترنت فحسب.

تنبؤات راي المستقبلية ليست تنبؤاً في الحقيقة، هي عبارة عن نتائج حصل عليها من نماذجه الرياضية، التي بناها بالاعتماد على هذه البيانات، والتي أظهرت حقيقة مهمة جداً: التطور التكنولوجي يأخذ منحى (أسي) وليس (خطي)، كما يعتقد غالبية الناس. هذا ما يجعلنا -في رأيه- نفشل في عمل تنبؤات دقيقة عن المستقبل، أو أن ننظر لتنبؤات راي أنها بعيدة جداً على أن تحدث.

يبرر راي هذه الطبيعة الأسية للتطور التكنولوجي بقوله: إننا نستخدم آخر تكنولوجيا توصلنا إليها لنصنع بها التالية، وهكذا، ومن ثم يتسارع معدل النمو التكنولوجي كثيراً بعد خطوات قليلة، فيما يسميه (قانون العوائد المتسارعة).

يعطينا راي مثالاً على ذلك: انظر للعالم قبل 500 عام، كان من الممكن أن يمر قرنُ كامل دون أن يحدث أي شيء يذكر، الآن نحن بالكاد نتابع ما يحدث في العالم خلال ستة أشهر!

يذكر أن كورزيل هو من اخترع أجهزة التنضيد (scanner) ذات القاعدة المسطحة والأجهزة التي تحول النصوص إلى كلام مسموع. ويحاول العالم رسم صورة للمستقبل قائلاً: «إننا في العالم الافتراضي نقوم بأعمال افتراضية ونعلم ونتاجر لكن الواقع الافتراضي هو الواقع الحقيقي والألعاب الإلكترونية تقدم المثال عما ستكون الأوضاع مستقبلاً، وسنضطر إلى قضاء مزيد من الوقت في بيئات افتراضية».

ويضيف: «إن الروبوت الجديد الذي أطلق عليه اسم (نانو –روبوت) سيتم توجيهه بواسطة الكمبيوتر ويسبح بأعداد هائلة في الشرايين والأوردة على اختلاف أحجامها وأشكالها أو مواضعها، لإصلاح جميع أنواع المشكلات الصحية في العضلات أو العظام أو الشرايين..» حتى إن هذا الروبوت، كما يقول الحالم بالأبدية، سيكون قادراً على إصلاح أي خلل في الجسم من الرأس حتى أخمص القدمين مروراً بالشعر والأظفار.

والأول هو الحفاظ على لياقة الإنسان بما يكفي للوصول إلى الجسر الثاني وهو ثورة التكنولوجيا وعلوم الأحياء.. أما الجسر الثالث الذي يتعين على البشرية عبوره، فهو تصميم وتصنيع (النانو روبوت)، الذي لا يزيد حجمه على حجم كريَّة دم واحدة، ويستطيع حين حقن المئات أو الآلاف منه في مجرى الدم أن يقضي نهائياً على الأمراض، ويعيد بناء أعضاء الجسم التي تحتاج إلى ترميم وضبط.

ويعرب كورزويل عن «ثقة» بأن عالم الغد، حيث بإمكان الروبوتات المتناهية الصغر كبح التلوث، وحيث يتجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء الإنساني الطبيعي، وبإمكان الإنسان أن «يعيش إلى الأبد من دون أن يشيخ»، محقق لا محالة.. وقبل منتصف القرن الحادي والعشرين. ويؤمن كورزويل (61 عاماً) بحق أنه باستخدام تقنيات متطورة والحمض النووي سيتمكن من استحضار والده فريدريك، الذي توفي جراء أزمة قلبية في العام 1970.

ويعد كورزويل أن «المسألة المهمة لا تكمن فقط في أن شيئاً مذهلاً سيحصل في العام 2045، بل «هناك أمر استثنائي يحصل الآن»، محاولاً شرح نظريته في كتابه (الفرادة): «في مرحلة مستقبلية عندما تكون سرعة التغير التكنولوجي فائقة وتأثيرها عميقاً جداً، ستكون الحياة الإنسانية قد تغيرت بطريقة لا عودة عنها». عندها سيكون التطور والتغير السريع قد بلغ علم الجينات وتكنولوجيا النانو والروبوتات، بطريقة تفوق أي خيال.


عدد القراء: 1964

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-