أدباء روس عاشوا صراع الكتابة والحصول على لقمة العيشالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 21:11:32

فكر - المحرر الثقافي

أن يكون المرء كاتبًا مهمًّا في روسيا لا يعني أبدًا أن تكسب مالاً جيدًا. ففي زمن القياصرة، أدى نقص انتشار التعليم إلى محدودية سوق الأدب بمجموعة صغيرة جدًّا من القراء. وفي زمن الاتحاد السوفييتي، فقط الكتّاب الموالون للسلطات استطاعوا العيش من كتاباتهم- بينما أُجبر الآخرون على القيام بأعمال أخرى.

الإنسانية والعبثية: طبيبان وكاتبان عظيمان

عمل أنطون تشيخوف كطبيب لأكثر من 15 عامًا ولم يُبدِ أسفه على هذا القرار أبدًا. معظم مرضاه كانوا من الفلاحين والخدم والفقراء. وكان عديد من مرضاه لا يستطيعون تكلفة العلاج عند الطبيب، لذلك كان تشيخوف يعالجهم مجانًا.

لم يكن تشيخوف يمارس مهنة الطب من أجل المال. حيث قال: "الرغبة في خدمة الصالح العام مطلوبة من أجل الروح، وهي ضرورية في سبيل تحقيق السعادة الشخصية" وبقي تشيخوف متمسكًا باعتقاده. في العام 1890، سافر إلى مستعمرة جزائية على جزيرة سخالين لإجراء تعداد والتحقيق في الظروف الصحية للسجون والمستشفيات والثكنات هناك. وقام بنشر نتائجه في عمل غير روائي "جزيرة سخالين"، والتي أدت إلى تحسين ظروف المساجين التي كانت مروّعة. وفي العام 1892، عندما ضرب وباء الكوليرا وسط آسيا، نظّم تشيخوف إغاثة طبية للضحايا على نفقته الخاصة.

وقال تشيخوف في إحدى المرات: "الطب هو زوجتي الشرعية، أما الأدب فهو عشيقتي". لكن الطب ساهم بشكل كبير في كتاباته: فكانت أعماله تزخر بوصف تفصيلي لصحة شخصياته، ومرضها وموتها. وما هو أكثر من ذلك، سمع كثيرًا من القصص وتعلّم عن الطبيعة البشرية أثناء ممارسته الطب- إنها تجربة قيّمة لأي كاتب.

كما عمل ميخائيل بولغاكوف، الذي ينحدر من عائلة أطباء، كطبيب لعدة سنوات خلال العقد الثاني من القرن الماضي، كما شارك في الحرب العالمية الأولى كجرّاح ميداني. بعد الحرب، مارس بولغاكوف مهنة الطب في منطقة نائية من الريف. وكان الطبيب الوحيد الموجود، وتوجب عليه رؤية عشرات المرضى يوميًّا.

غالبًا ما كان الأطباء جزءًا من شخصيات أعمال بولغاكوف. على سبيل المثال، بطل الرواية اللامعة "قلب كلب"، البروفيسور بريوبراجينسكي، هو تصوير دقيق  للمفكر الذي يواجه عبثية الدولة السوفييتية في بداياتها وبطشها.

أبطال الطبقة الكادحة

لو لم يصنع تشارلز بوكوسكي طريقه من خلال عدة وظائف وضيعة، لما استطاع العالم أبدًا أن يقرأ "مكتب البريد" أو "فاكتوتوم". والشيء نفسه يُقال عن الكاتبين الروسيين فينيديكت ييروفيف وغايتو غازدانوف. 

فينيديكت ييروفييف، مؤلف توّاق وعالم لغة، طُرد من الجامعة لمجرد قراءته الكتاب المقدس، الأمر الذي كان محرمًا على المواطن السوفييتي. وفي تلك الحقبة أدمن على الكحول بشكل قوي. بعد ذلك، بدأ العمل في وظائف منخفضة الأجر، يمدد الأسلاك ويحفر ويحمّل البضائع. وأخيرًا، أصبح ييروفييف شخصية معروفة بوصفه مؤلف "موسكو بيتوشكي"، القصيدة النثرية التي روت قصة شبيهة بالأوديسة. القصيدة مميزة بسبب مزجها مراجع أجنبية رفيعة، والميتافيزيقيا الدينية، والفلكلور الحضري وفاحشة لغة الشارع العامية، والتي تعرّف عليها ييروفيف خلال سنوات عمله الطويلة في وظائف عادية.

كاتب آخر أثرت حياته المهنية بشكل كبير في أدبه هو غايتو غازدانوف، الروائي المهاجر. أكثر كتبه التي لاقت استحسانًا هو كتاب "ليلة الطرق"، والذي يستند فيه على انطباعاته الخاصة عن باريس في الثلاثينيات، حيث عمل سائق سيارة أجرة، وعامل تحميل بضائع وسمكري في مصنع سيتروين للسيارات. ويهتم نثر غازدانوف الكئيب بالطبقة الفقيرة في باريس، والمهاجرين الروس. وتتميز بنهجها الفلسفي المعتمد على دقة الملاحظة لمثقف وجد نفسه في أدنى درجات المجتمع.

الرياضيات والمسائل الأخلاقية 

كانت فلسفة الدولة السوفييتية تقوم على أن كل مواطن يجب أن يكون قادرًا على العيش من عمله. لكن، عندما يتعلق الأمر بالفن، فإن كثيرًا من القيود كانت تُفرض. فكان على الكتّاب أن ينضموا إلى اتحاد الكتّاب السوفييت وأن يبقوا موالين للحزب إذا كانوا يريدون نجاحًا ماديًا. وهذا يعني أن الكتاب السوفييت مارسوا مهنة ثانية كوسيلة لكسب استقلاليتهم: إذا كنت لا تريد التوافق مع إيديولوجية الحكومية، فعليك أن تكسب المال بقيامك بعمل آخر.

قبل العشرينيات من عمره، كان ألكسندر سولجينتسين يريد أن يصبح كاتبًا. وقام بكتابة الشعر والمقالات، وابتدع رواية ملحمية عن الثورة الروسية. وعندما دخل الجامعة، قرر أن لا يختصّ بالأدب، وانضم إلى قسم  الفيزياء والرياضيات بجامعة روستوف. وتخرج بامتياز كأستاذ رياضيات.  

بعد أربع سنوات من التخرج، حُكم على سولجينتسن بثمان سنوات في مخيم عمل بسبب آرائه السياسية. وعندما تم إطلاق سراحه أُرسل إلى منفى داخلي على حدود الاتحاد السوفييتي، حيث ساعدته مهنته إلى حدّ كبير. كان لا يزال على بعد سنوات من شهرته العالمية، لكنه استطاع كسب عيشه وعيش عائلته من خلال تدريس الرياضيات والفيزياء في المدارس الريفية.

سيرغي دفلاتوف اختار الصحافة كمهنة ثانية له، ووفقًا لروايته الشبيهة بالسيرة الذاتية، لم يجدها مهنة مرضية. ففي حين كانت كتابته الذاتية صادقة وصريحة، كان دوفلاتوف، الصحفي السوفييتي، على العكس تمامًا: صامتًا ومواليًا ولا يريد أن يهدد مهنته الصحفية. فقد وُضع دوفلاتوف في الموقف نفسه الذي وضع فيه عديد من زملائه في ذلك الوقت- وأُجبر على التخلي عن مبادئه الأخلاقية بسبب الإيديولوجيا. لكن، في حين لم يعترف الآخرون بنفاقهم وعبوديتهم الأخلاقية- حتى ولو في وقت لاحق- قام دوفلاتوف ببحث تجربته المؤلمة في كتابه الرائع "حلّ وسط".

بعد سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية، استمر دوفلاتوف في عمله على "الأمريكي الجديد". لقد أصبح بمقدوره، وأخيرًا، الكتابة بانفتاح لتحقيق التقدير الذي يستحقه.


عدد القراء: 660

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-