الروائي الأيرلندي جيمس جويس (2 فبراير 1882 - 13 يناير 1941)الباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2021-01-31 11:53:28

فكر - المحرر الثقافي

جيمس أغسطين آلويسيوس جويس James Augustine Aloysius Joyce أحد عمالقة الأدب الذين كتبوا بالإنكليزية وأرفعهم شأنًا في مجال الرواية الحديثة في الأدب الأوربي والعالمي أيضًا. وهو من أصل أيرلندي يذكر اسمه مقترنًا بأسماء دستويفسكي وتولستوي الروسيين وكونراد البولوني المولد وكافكا التشيكي النمسوي وبروست الفرنسي، وولف الإنكليزية وتوماس مان الألماني.

ولد جويس لعائلة كاثوليكية في رَثغَر Rathgar إحدى ضواحي دبلن، وكان الابن الأكبر لأبيه جون جويس وأمه ماري جين مَري.

هُيئت لجويس الفرصة للانتساب إلى أفضل المدارس اليسوعية في دبلن، حين سمحت ظروف العائلة المادية، حيث قرأ أعلام الفلسفة والأدب من سقراط وتوما الأكويني ودستويفسكي وتولستوي إلى نيتشه وزولا وستندال وفلوبير، إلا أن إبسن كان رائده الأول، وتشكلت في ذهن جويس الشاب نظرية خاصة في علم الجمال. وعند دخوله الجامعة في يونفرستي كولدج في دبلن عام 1898 كانت شخصيته قد تبلورت، وقطيعته الكاملة مع الكنيسة أدت إلى القطيعة مع العائلة، وإلى المنفى الاختياري في عام 1904.

درس الآداب واللغات وكان شديد الحماس للمسرحي النروجي هنريك إبسن، وتعلم النروجية القديمة ليتمكن من قراءة النص الأصلي لمسرحية «عندما نستيقظ (نبعث) نحن الموتى» من عام 1899. ودخل مجال النقد الأدبي حين نُشرت له مقالة في دورية لندن «فورتنايتلي ريفيو» حول تلك المسرحية، وأيضًا حين ألقى محاضرة أمام الجمعية الأدبية والتاريخية في الجامعة حول إبسن وشموليته، وضع فيها جويس منهجه الخاص.

أيقن عند تخرجه في الجامعة عام 1902، أنه كي يتمكن من الكتابة لابد له من مهنة أخرى تمولها، فرحل إلى باريس لدراسة الطب إلا أنه مالبث أن عاد لتعذر ذلك ولمرض والدته ثم وفاتها. التقى نورا بارنَكل وأقنعها بالرحيل معه، فغادرا دبلن عام 1904 واستقرا بداية في بولا Pola في إيطاليا، ثم انتقلا إلى تريسته وظلا فيها حتى عام 1915، وولد لهما في هذه المدة طفلان هما جورج ولوسيا. وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى اضطرا إلى مغادرة تريسته إلى زوريخ، ثم رحلا عام 1920 إلى باريس التي كانت معقلاً من معاقل الفكر في حقبة ما بين الحربين ومركز تجمع للأدباء والفنانين المغتربين من جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. واضطرا عند نشوب الحرب العالمية الثانية إلى النزوح عن باريس إلى زوريخ وظلا فيها حتى وفاة جويس هناك. عانى جويس في أثناء هذه المدة الحافلة بالحروب والتنقلات والكتابة مرضًا في عينيه، سبب له العمى الكلي في بعض الأحيان، وخضع لعدد من العمليات الجراحية. بيد أن ذلك لم يؤثر في روحه المعنوية وعمله، بل كتب بعض أكثر مؤلفاته تفاؤلاً. كان أيضًا تحت وطأة العوز المادي ودائم القلق حول صحة ابنته التي بدأت تظهر لديها بوادر انفصام الشخصية، مما اضطره في النهاية إلى إدخالها مصحًا للأمراض النفسية.

كان إبداع جويس الرئيسي في النثر، فهو لم ينشر في السنوات العشر الأولى التي أمضاها خارج أيرلندا سوى مجموعتين شعريتين تتألف الأولى من ست وثلاثين قصيدة بعنوان «موسيقى الحجرة» (1907)، والثانية كتبها بعد عشرين عامًا بعنوان «قصائد، الواحدة ببنس»، في حين كتب ما بين هذين الديوانين ما أسماه «الظواهر»، وهي سلسلة من اللوحات تبدو فيها قدرته على الملاحظة السريعة الدقيقة لسمات وخصائص وأشخاص وتقديمها كما يراها هو من منظوره الشخصي. وكان قد بدأ في عام 1903 كتابة المسودة الأولى لروايته «ستيفن البطل»، إلا أنه توقف عن إتمامها ليكتب بعض القصص القصيرة لمجلة «آيريش هومستيد» لم ينه سوى ثلاث منها تحت الاسم المستعار ستيفن ديدالُس. وكلتا هاتين المحاولتين المحبطتين قادتا إلى اثنين من أهم مؤلفاته. فالقصص القصيرة صارت نواة «أهالي دبلن» (1914) قدم فيها المؤلف المدينة وسكانها، وما كانت سوى مرآة لحياته الخاصة. أما «ستيفن البطل» فقد أصبحت «صورة الفنان في شبابه» (1916)، وهي سيرة جويس الذاتية. فشخصياتها وحوادثها مستمدة من ذاكرة الطفولة وأيام المدرسة والجامعة، وتعالج الحب والكراهية والإيمان والإلحاد، بثقة بالنفس تصل إلى حد الغرور، ولا تكون إلا في الشباب قبل أن يدب الشك في النفوس. وتلك هي الشخصية الرئيسية في الرواية، شخصية ستيفن ديدالُس أي جويس، الفنان والبطل. ونشر أيضًا مسرحيته الوحيدة «المنفيون» (1918) حلل فيها مشاعر المنفى والعودة، الغيرة والإخلاص، والدوافع الغريزية التي تحدد العلاقات بين زوج وزوجته وعشيقها. وكان الكاتب قد بدأ في الوقت ذاته العمل على كتابة الفصول الأولى من أضخم مؤلفاته شكلاً ومضموناً «أوليس» (1922).

كتب جويس بين الأعوام 1924-1938 آخر رواياته، وأطلق عليها اسم «عمل قيد الإنجاز»، ونشرت في باريس تحت عنوان «سهر فنيغان» (1939)، وهي لا تقل أهمية عن «أوليس»، بل محصلة أعماله السابقة كافة. والمفارقة أن جويس الذي اختار المنفى وقضى معظم حياته بعيدًا عن أيرلندا هو الكاتب الذي كرّس وقته وعمله وحياته كلها لها. ووظّف في هذه الرواية كل خبرته ومعرفته واطلاعه على اللغات والأساطير والحكايات الشعبية وقصص الأبطال التي هي نسيج أيرلندا، إضافة إلى الأساطير والملاحم الاسكندنافية، في خدمة هذا العمل، وتظل الخاصية السلتية ـ الغيلية Celtic-Gaelic والروح الفكاهية المرحة هي السائدة. وفي حين تحدث الكاتب في «أوليس» عن نهار واحد من حياة بلوم، وصف في «سهر فنيغان» ليلة واحدة من حياة عائلة إرويكر. تبدأ الرواية بنهاية جملة وتنتهي ببدايتها ممثلة حركة التاريخ الدائرية المستمرة، وقد أخذ جويس هذه الفكرة من قراءاته لفلسفة الإيطالي فيكو. والشخصيات الرئيسية في الرواية هي إرويكر وزوجته آنا ليفيا بلورابل، وهي الرمز الأساسي، فهي أيرلندا والأم ونهر ليفي، عصب دبلن الذي ينساب في عروقها، ومع أولادهما شيم وشون وإيزابل يشكلون العائلة النموذجية، العائلة الإنسانية، ونموذج «كل إنسان».

عايش جويس في زوريخ وباريس وغيرهما من مدن أوروبا الحركات الفكرية والفنية كلها؛ من الرمزية والسريالية والدادائية إلى الطبيعية والواقعية والحداثة. ويصبح في روايته الأخيرة تجريبيًا إلى أبعد الحدود، ويستخدم فيها ما يقارب ثلاثين لغة. وهو يخرق القواعد والأصول كافة، وتصبح الكلمات طوع أنامله يعجنها ويصوغ منها لغة جديدة، ولم يجرؤ على مثل هذه التجريبية أحد منذ شكسبير. فكلمة «الوجود» تصبح «حالة ألم» و«القدر» يصبح «الزوال والعبث»، وكلمات بودلير«يا شبهي، يا أخي» تصبح «يا شيمبهي، يا أخي» وبهذا الشكل كتابةً.

في الوقت الذي كانت الغيوم تتجمع فيه لكابوس الحرب مرة أخرى، وجد جويس نفسه بين أقرانه، من باوند إلى إليوت إلى همنغواي إلى بيكيت، وقد أرسى قواعد حياته وكتابته، ونفذ برنامجه الذي كان قد وضعه لنفسه قبل تخرجه من الجامعة، وحقق الشروط، التي تحدث عنها إليوت، التي يجب أن تتوافر لدى الكاتب ـ الناقد ـ الفنان ومجملها: الإحاطة بحضارة أمته الأوروبية، وبحضارة الجنس البشري بأجمعه.

ترجم من أعماله إلى اللغة العربية «صورة الفنان في شبابه» (1973)، «أوليس» (1982)، و«أهالي دبلن» (1983).


عدد القراء: 930

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-