التاريخ الجديد لفرنسا: 1905 استعمار بيير سافورجنان دي برازا في إفريقياالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 19:08:45

فكر - المحرر الثقافي

فرانسوا رينيرت

ترجمة: المحرر الثقافي

ادعى المستكشف الذي استعمر أفريقيا الاستوائية الفرنسية أنه يخدم مصلحة الشعوب "التي لم تصل إليها الحضارة"، لكنه أيقن بعد فوات الأوان أنه ارتكب خطأ فادحًا.

في تقرير نشرته صحيفة "لو نوفيل أوبسرفاتور" (L’Obs) الفرنسية، قال الكاتب فرانسوا رينار إنه يمكن أن نفهم الوجه الحقيقي للاستعمار وما زرعه من أوهام من خلال تسليط الضوء على قصة حياة المستكشف والرحالة بيير سافورنيان دي برازا.

ولد دي برازا عام 1852 وهو ينحدر من عائلة إيطالية ثرية، وسافر إلى فرنسا للالتحاق بالمدرسة البحرية. وكان دي برازا مهتمًا بوسط أفريقيا الذي كان مجهولاً حينها. وطوال قرون، لم يكن الأوروبيون يعرفون عن القارة السمراء سوى السواحل التي أقاموا فيها مراكز تجارية وموانئ تضمن ازدهار تجارة الرقيق وكسب الثروات والبحث عن أسواق جديدة وموارد طبيعية.

المبشرون المتشبعون بقيم عصر الأنوار

في البداية، كان دي برازا يقدم نفسه على أنه مستكشف أوروبي رحيم، حيث كان يعتق العبيد السود بعد أن يلمسوا العلم الفرنسي، ويحترم الشعوب ويمقت سفك الدماء. وبعد مهمته الاستكشافية الأولى بين عامي 1875 و1878 على طول نهر أوغوي، لإيجاد طريق إلى نهر الكونغو العظيم، نفذ دي برازا مهمة أخرى حاسمة بين عامي 1879 و1882.

نجح دي برازا في توقيع معاهدة حماية مع رجل يدعى ماكوكو زعيم شعب تيك (الذي يعيش في الكونغو والغابون)، لكن ماكوكو في الواقع كان مجرد حاكم محلي يأمل في القيام ببعض التجارة مع هؤلاء البيض الأثرياء. وقد أهدى ماكوكو للأوروبيين قرية صغيرة تقع على ضفة بحيرة ستانلي الخزان الكبير للنهر، التي أطلق عليها اسم "برازافيل" (عاصمة الكونغو).

بفضل هذه المعاهدة، بات بإمكان البيض بناء مستعمرة لهم في تلك الأراضي. وفي تلك الحقبة، كان تيار اليسار الجمهوري هو الشق الوحيد الذي يؤيد الاستعمار بدافع نشر "الحضارة"، وبحجة أنه من "واجب السلالات المتفوقة" تثقيف "الأجناس الدنيا"، على حد تعبير السياسي الفرنسي جول فيري الذي كان وزيرًا فرنسيًا (ولد عام 1832 وتوفي عام 1893) وعرف بقوله إن "مقولة الثورة الفرنسية «حرية، مساواة، أخوة» لا تصلح لكل الشعوب؛ ويجب على الاستعمار ممارسة الوصاية على الشعوب البدائية".

في تلك الفترة، كانت فرنسا قد فرطت في أراضي الألزاس واللورين (مناطق فرنسية حاليًا) لصالح ألمانيا وتحديدا عام 1871. وعلق القومي بول ديروليدي على ذلك بقوله "لقد فقدت شقيقتين (يقصد الألزاس واللورين) وأنتم تعرضون على 20 زنجيًا".

لم يكن اليمين يشجع انضمام فرنسا لسباق استكشاف وسط أفريقيا، خاصة أن جميع منافسيها في المنطقة (الإنجليز والبرتغال) كانوا يدافعون عن "المبادئ النبيلة" نفسها من قبيل إلغاء العبودية والتخلص من أكلة لحوم البشر المروعين، وسرعان ما انضم إليهم الألمان.

رعب نظام الإحالة

عام 1883، كان أمام فرنسا مستعمرة جديدة وهي أفريقيا الاستوائية الفرنسية (اتحاد من 4 مناطق في وسط أفريقيا تأسس عام 1910، وكان يمتد من نهر الكونغو إلى الصحراء الكبرى، ويضم مناطق تشكل حاليا بلدان أفريقيا الوسطى وتشاد والكونغو والغابون).

وكان دي برازا أول مفوض عام لها. حاول دي برازا تحقيق حلمه الحضاري، لكن تبين أن هذا المستكشف مثير للشفقة وفوضوي، تخطر بباله ألف فكرة في الدقيقة من دون أن يكون قادرًا على تنفيذ أي واحدة منها. وقد مهد الاستعمار لانهيار الهياكل التقليدية (القبلية).

ونظرًا لأن السلطات الفرنسية لم تعد ترغب في تمويل استعمار هذه الأراضي البعيدة التي لا تحقق لها أي ربح سلمتها إلى شخصيات وشركات خاصة.

وكان بإمكان الشركات الكبرى الحصول على إعانات سنوية مقابل إدارة هذه المستعمرات النائية بأكملها والاستفادة من مواردها وسكانها. وعلى الجانب الآخر من الكونغو، في ولاية الملك ليوبولد الثاني (ثاني ملوك بلجيكا الذي حكم بين عامي 1865 و1909) بلغ هذا الكابوس ذروته بتسبب هذه المعاهدة في وفاة مئات الآلاف -وربما الملايين من الأشخاص- في عهد الملك الذي يوصف بأنه أحد أبرز مرتكبي المجازر في التاريخ الحديث.

العمل القسري وأخذ الرهائن

بعد بيع أراضيهم، كان السكان الأصليون لهذه المستعمرات مجبرين على دفع الضرائب. وبما أنه لم يكن لديهم مال، كانوا مجبرين على الدفع بوسائل أخرى، أبرزها العمل القسري. لقد كانوا يعلمون في ظروف بائسة لدرجة دفعت الرجال في قرى بأكملها إلى الفرار بعيدًا تجنبًا لهذا المصير. وكان للمستعمرين طريقة فعالة لإعادتهم تمثلت في أخذ النساء والأطفال رهائن.

لكن الممارسات المروعة لم تقف عند هذا الحد؛ ففي أوبانغي شاري، قام مسؤولان استعماريان أحدها يدعى غود والآخر توكي بتفجير رجل باستعمال الديناميت عام 1903؛ في محاولة "لتأهيل هؤلاء المتوحشين" الذين يحتاجون إلى الحضارة ودفعهم لـ"سماع صوت العقل"! وقد نفذا ذلك في وسط ساحة عامة.

انتشرت هذه الفضيحة في فرنسا فبراير/شباط 1905، وأحيل دي برازا إلى التقاعد. وكان له متسع من الوقت لرؤية ما حدث للسكان الأصليين الذين كان يعتقد أنه وضعهم تحت حماية بلاده. ولا يعرف أحد إذا ما كان دي برازا أحس بالندم على ما فعله، ولكن المعلوم أن فرنسا كرمته عند وفاته بجنازة وطنية مهيبة.

 

المصدر:

nouvelobs


عدد القراء: 779

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-