هندسة المكتبات في العهد اليوناني القديمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 07:33:32

فكر - المحرر الثقافي

هندسة المكتبات في العالم الغربي من العهد اليوناني القديم وتحديدًا من العام 1600 قبل الميلاد حتى عهد النهضة العام 1600 للميلاد.

واحتوى العالم اليوناني القديم على خصائص الأماكن المعدة لوضع الكتب خلال الحقبة المينوية والمراكز التي بدأت منذ منتصف الألف الأول قبل الميلاد تنتج الثقافة والفنون، أي المعابد القديمة. كما امتلأت مدارس الفلسفة، مثل مدرسة فيثاغورس وأكاديمية أفلاطون وثانوية أرسطوطاليس، بكتب كثيرة. وكان المكان يأخذ شكل المعبد بقبته ذات الشكل المثلث. أما في الحقبة البيزنطية ودول أوروبا الغربية في القرون الوسطى، فأُهملت المكتبات القديمة تماماً وتحولت الكتب بطابعها المسيحي إلى قاعات الأديرة التي لم تحظ بعناية هندسية. وفي عصر النهضة عاد التزاوج بين الحقبة القديمة والحقبة البيزنطية، واستعادت الكتب أهميتها، وعاد الشقّان اللاتيني واليوناني إلى المكتبات.

إن المكتبات اليونانية القديمة كانت تضم كتبًا سُطّرت بالكتابة المينوية A ونسختها المطورة عنها B، كما كانت تضم أوراق بردي أسطوانية الشكل. وهذه المخطوطات بقيت حتى عام 1600 قبل الميلاد حين دُمّرت جزيرة كريت بسبب مقذوفات بركان جزيرة سانتوريني المجاورة. وكان أهل الحضارات الشرقية مثل الأشوريين والبابليين عرفوا تقريبًا تقسيم المكان كما في اليونان القديمة.

وكان مصطلح المكتبة في العصر اليوناني الكلاسيكي غير موجود، وكان يستعمل مصطلح المتحف بدلاً منه، وذلك ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد مع أول مدارس الفلسفة التي ظهرت مثل أكاديمية أفلاطون وثانوية أرسطوطاليس. وبيّنت الرسوم على الأواني أن المكتبات اليونانية القديمة كانت من الداخل عبارة عن صناديق توضع فيها الكتب. وكانت مكتبة الإسكندرية القديمة صُمّمت لتثري بالفلسفة اليونانية كل المناطق التي خضعت لحكم الإسكندر الكبير، حين كانت اليونانية لغة مشتركة للجميع.

وقد كان اليونانيون القدماء يعتبرون المكتبة مكانًا للتفكير والتركيز، فلا يصح أن يشوّش على الزائر أي أمر مثل المنظر الخارجي أو الضجيج أو كثرة الداخلين أو الزينة الداخلية الكثيرة، كما كانوا يفضلون طلاءها بلونٍ مريحٍ للعيون، خصوصًا اللون الأخضر.

وكان اليونانيون يبنون المكتبات في اتجاهٍ معين بحيث تدخلها أشعة الشمس والهواء، وفي وقت لاحق أصبحت المكتبات مفتوحة من كل الجهات تقريبًا. كما كانوا يبنون جدرانًا مزدوجة لمنع وصول المياه أوالرطوبة إلى الكتب.

وفي العصر الروماني كانت رحلة الكتب تمتد من روما إلى اليونان وتركيا وصولاً إلى الإسكندرية في مصر، حيث كان يصنع ورق البردى حصرًا. وحافظ الرومان على شكل المكتبة – المعبد رغبةً في حماية إلهية له، وكانوا يشيدون مبنيين متجاورين، أحدهما لليونانية والآخر للاتينية.

وقد بنى يوستينيانوس في العصر البيزنطي أقدم دير في العالم في القرن الميلادي السادس، وهو دير القديسة كاترين في سيناء، وفيه مكتبة غنية جدًا، كما أقيمت مكتبات أخرى في أديرة ميتيورا والجبل المقدس «آثوس» في اليونان.

إن الانتقال من العصر اليوناني الروماني إلى العصر البيزنطي شهد تحولات مهمة مثل هجر المكتبات القديمة الشبيهة بالمعابد الوثنية لأسباب أيديولوجية، وتهميش الأدب اليوناني اللاتيني القديم لتحل مكانه التعاليم المسيحية وسِيَر القديسين. وفي القرن الميلادي الرابع تحول شكل الكتاب الأسطواني ليصبح شبيهاً بكتب اليوم، وكان يصنع من جلود الحيوانات.

وفي القرن الثاني عشر ظهرت المكتبات الجامعية مثل مكتبة ساليرنو حيث كان العرب قد أرسوا قواعد الطب، ثم في نابولي وماندوفا، حيث كان الطلاب ينسخون أجزاء من الكتاب المقرر، وكان للمكتبة حارس ودوام رسمي. ويلاحظ أن الكتب في تلك الحقبة كانت تربط بسلاسل معدنية كي لا تتعرض للسرقة، وهذا الاحتياط بقي حتى نهايات القرن السادس عشر.

ولاحقًا أعاد الإيطاليون عصر النهضة وبعد سقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين، أعادوا نموذج المكتبة المزدوجة بشقيها اللاتيني واليوناني، وبعمارة قريبة من العمارة الشرقية.

وتقول الباحثة في التاريخ البيزنطي كوثر سرحان: إن المكتبة اليونانية تضخّمت بعد توسعات الإسكندر الكبير، وكان أرسطوطاليس، أستاذ الإسكندر ومرافقه في حملاته، يأخذ من المدن المفتوحة مكتباتها، خصوصًا ما يتعلق بالفلسفة، ويرسلها إلى أثينا التي أرادها العاصمة العالمية للكتاب، ولكي يطّلع على الفلسفتين الهندية والفارسية.

وتضيف سرحان: أن المؤرخ الجغرافي المسعودي الذي زار أثينا وتعلم اليونانية، ذكر في كتابه «مروج الذهب» أن علومًا أساسية هُمّشت في العصر البيزنطي، بسبب الظن السائد حينها أن الشيطان يدخل فيها، وهي «الطبيعيات والجسم والعقل والنفس وعلم الأعداد (أريتماطيقي والجيومطريقي) علم المساحة والهندسة، والموسيقى والفلك والفلسفة». وتوضح أن معظم مؤرخي العصر البيزنطي كانوا من رجال الكنيسة ابتداء من ثيوفانيس إلى زوناراس. وتختتم أن الكثير من الكتب اختفت أو أُتلفت في العصر البيزنطي بسبب الصراع الأيقوني.


عدد القراء: 548

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-